الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 7 الرجوع إلى "الفكر"

الطلبة الجزائريون بتونس ، ( 1900 - 1962 )

Share

( * ) - 4 - ان بروز الجمعية على النحو الذى برزت به فى سنة 1936 كان من نتاج العمل المثابر الذى قام به بن باديس شخصيا ، وانعكاسا لظهور حركة جمعية العلماء كتنظيم ديني وسياسي واضح الغايات والاهداف . لذلك طالب هؤلاء الطلبة فى أول بيان توجهوا به الى الشعب الجزائرى على صفحات جريدة ( البصائر ) بــ ( ان تعيرهم جمعية العلماء التفاتا وعناية . لان الطلبة هم مادتها الاولية ، وناصروها الاوفيياء . وهم الذين ينشرون مبادئها ، ويرفعون لواءها عاليا ) (  44 ) . كما طلبوا ايضا فى نفس البيان من أمتهم الجزائرية ( ان تسأل عن أبنائها البررة ورجالها فى المستقبل الذين تفهمهم ويفهمونها ، ويحافظون على كيانها وقوميتها باخلاص وأمانة ) .

وحدد البيان كذلك أهداف الجمعية الوطنية والقومية والسياسية ، وهي تتمثل فى الارتباط العضوي بجمعية العلماء واعمالها القائمة على الدعوة والاصلاح ، واعلان المطالب الوطنية ، باعتبار أن الشباب الطالبى هو الرديف الاساسي لحركة جمعية العلماء وهو الانعكاس المباشر لاعمالها فى ميدان نشر العلم الذي لم يزدهر الا بازدهار حركة الاصلاح ، ونهضة الجمعية واشعاعها في كل أنحاء الجزائر فليس ( خافيا على أحد أن من برنامج الجمعية ( جمعية العلماء )

نشر العلم الذي هو أساس الدين الصحيح ، والنهوض الحقيقي ، وحث الامة الجزائرية على الكرع من ينابيعه .

وقد ظهرت نتيجة هذه الدعوة ، ودنت ثمرتها من القطوف بتكاثر عدد المزاولين للعلم بجامع الزيتونة الاعظم ، اذ يقرب عددهم الآن من المائتين ، في حين انه قبل الجمعية لم يتجاوز الخمسين ).

ويبدو ان نشاط هؤلاء الطلبة اتخذ فى بعض الاحيان أبعادا سياسيه جديدة (45)، وذلك بمحاولتهم ربط الصلة بصفة مباشرة وفعالة بحركة العمال الحزائريين ، ودعوتهم الامام بن باديس لالقاء محاضرته المشار اليها آنفا بقصر الجمعيات على شرف جمعيتهم و الجمعية الودادية الجزائرية الاسلامية ( التى كان يرأسها قلش الزين ، وتضم فى عضويتها الجزائريين العاملين بتونس ، اظهارا للتضامن والتماسك بين اعضاء الجالية الجزائرية المهاجرة بسبب الظروف الاستعمارية المعروفة .

وبذا يمكن اعتبار الثلاثينات من أهم الفترات بالنسبة لهذه الجمعية ، اذ تميزت خلالها بالنشاط والحيوية وكانت أعمالها تحتل الصحافة وتستقطب اليها الكتاب والشعراء من التونسيين ، وخصوصا من طلبة الجامع وشيوخه الذين تعاطفوا تعاطفا واضحا مع قضايا هؤلاء الطلبة وساهموا فى نشاطهم وشاركوا في عدد من احتفالاتهم وعلى الخصوص احتفالهم بذكرى الهجرة النبوية الكريمة ، فكان من بن من نشرت لهم ( الثمرة الاولى ) مقالات بالمناسبة

للشيخ محمد الصادق بسيس ( 46 ) الذي شارك فى العدد المشار اليه بموضوع عن ( ذكرى هجرة منقذ الكون وسر الوجود ) ، والشاعر عبد الله الزريبي ( 47 ) بقصيد عن ( ذكرى الهجرة ) . وما ان اندلعت الحرب العالمية الثانية حتى انطوى نشاط الجمعية ، وهاجر رئيسها الشيخ الشاذلى المكى الى القاهرة ولم تستأنف نشاطها ككل المؤسسات الاخرى الا بعد الحرب .

وبمجرد أن عادت الحياة الاجتماعية والثقافية ، استانفت الجمعية من جديد نشاطها ، وأخذت تلم شتاتها بمساعدات مالية من جمعية العلماء ، وبتبرعات أشرف على جمعها الشيخ أحمد السعودي غير ان عملها الادبي في هذه الفترة كان أبرز وأظهر ، فتعهدت باقامة الاجتماعات الاسبوعية في مساكن الطلبة ، تلقي فيها الخطب والمقالات المتنوعة كما تعهدت بتصحيح المواضيع المختلفة التى تعطيها للطلبة فى كل اسبوع مما كان له النتيجة الحسنة فى امتحان الشهادة الاهلية فى تلك السنة ) ( 48 ) .

وفي هذا الصدد نجد الجمعية تعود الى الاسلوب الاول الذي اتبعته وهو اعطاؤها دروسا خاصة لتكوين الطلبة وحثهم على المراجعة والدرس دون ان تغفل مهمتها فى تكوين الخطباء ، واتاحة الفرصة لهم للتعود على مواجهة الجمهور ، مواصلة لتلك الخطة التى انتهجتها الجمعية فى عهد الشيخ الشاذلى بن المكى . ولما حانت الفرصة المناسبة برزت الجمعية من جديد بعد انتخاب هيئة ادارية لها فى شهر افريل 1946 برئاسة الشيخ احمد بوروح ، وقد اسندت رئاستها الشرفية فى هذه المرة الى الطاهر بن عاشور شيخ الجامع الاعظم وفروعه .

وقد كانت هذه الهيئة بمثابة البيئة الوقتية ، اذ ان القانون الاساسى للجمعية كان ينص على تجديد الهيئة فى بداية شهر نوفمبر من كل سنة ، اى بعد بداية السنة الدراسية بشهر واحد ، فى دورة تمتد الى اربع سنوات . ولذا

لم تدم رئاسة الشيخ بوروح الا اشهرا معدودات ، نظمت على اثرها انتخابات جديدة اسفرت عن فوز الشيخ عبد الرحمان شيبان وتكوين هيئة جديدة من الطلبة . ولعل من أبرز ما نهضت به هذه الهيئة فى عهد شيبان هو الحصول على مدرسة لاسكان الطلبة الجزائريين وهى مدرسة نهج الوصفان ، ومقر لهيئتهم بنهج عبد الوهاب ، واقامة الذكرى السادسة لوفاة الشيخ بن باديس .

ثم آلت رئاسة الجمعية فى سنة 1947 الى الشيخ محمد مرازقه ، اصبح عمار النجار كاتبا عاما لها . وخلال هذه الفترة صدرت ( الثمرة الثانية ) التى ضمت عدة مقالات ادبية وقصائد شعرية ، ومقالات سياسية لبعض الجزائريين من الاساتذة والطلبة ، وبعض التونسيين من الساسة والشعراء . وقد اقرت هذه الهيئة الجديدة ( ما كان موجودا سابقا من اللجنة الادبية واللجنة الخطابية وعملهما ونظامهما ) .

ومن مآثر هذه الهيئة استحداث مكتبة للطالب الجزائرى بمركز الجمعية ، وقد ( جاءتنا كتب متنوعة من المحسنين والفضلاء ) كما ان من مآثرها ( الادبية ايضا ابراز نشرة ( الثمرة الثانية ) التى هى الصورة الصادقة لنفوس الطلبة ، ومرآتهم التى تنعكس عليها قيمهم الادبية . على انها قد تكون اعظم وسيلة لان يجعل اسم هذه الجمعية ( فى الاوساط ) مشاعا وعلما ) ( 49 ) .

واتباعا للنهج السياسي الذي سارت عليه الهيئة السالفة التى قامت بنشر ( الثمرة الاولى ) عندما عهدت الى بعض مفكرى الجزائر بتزكية هذا العمل الفكر والادبى دعت الجمعية زعيم الجزائر انذاك مصالى الحاج لان يبارك عملها بكلمة تشجيع وتوجيه ، بعد غياب راعيها بن باديس فلم ير مانعا من ذلك ، فكتب مقدمة لهذه ( الثمرة الثانية ) لخص فيها ( دور الشبيبة المثقفة في تكوين الحركة الوطنية بمغربنا ).

ودعا فى هذه الكلمة الشبيبة المثقفة للالتحام بالشعب لكى تكون طليعة كفاحه ، والنموذج الذي يحتذى " فالشبيبة الجزائرية التى ستصبح في مستقبل الزمن نخبة البلاد ، ينبغى لها ان تصنع اداة كفاحها وهي على مقاعد المدارس والكليات ، وان تضرب عرض الحائط بصفة نهائية تلك الاخلاق الفاسدة التى يحاول الاستعمار ان يغذيها بها فى مكاتبه ) ( 50 ) .

كما دعا مصالى الحاج في نفس المقال هذه الشبيبة المثقفة الى التاهب لقيادة الجماهير والانتصار على الاستعمار حيث الحرية والاستقلال ، بعد ان تكون قد تشبعت بروح الحضارة العربية ( الشبيبة المدرسية وان كانت عزيزة بثقافتها ، شريفة النفس بما اقتبسته من تاريخ الحضارة العربية يجب عليها زيادة على ذلك ان تكون فى طليعة الكفاح الوطنى ، وان تقود جماهير الشعب الى حيث الانتصار على الاستعمار والى حيث الحرية والاستقلال ) .

وكما هى العادة فان الطلبة الذين كانوا يشعرون بالمسؤولية المناطة بعهدتهم ويتطلعون الى اليوم الذى تتحرر فيه بلادهم من نير الاستعمار البغيض ، كان عملهم يتلخص بصورة اساسية في التاكيد على حرية الجزائر وتطلعاتها ، ولم يكن من المستغرب ان يرفعوا اليها ثمرة هذا العمل المتواضع مثلما رفع السابقون ثمرتهم الاولى فصدروا نشريتهم بكلمة الى الجزائر : ( الى التى شع عليها بصيص من الامل ، فاستيقظت ، وهب عليها نسيم الحياة فانتعشت وتطلعت ، وانجبت ابناء بررة فعزت وعظمت ، الامة الجزائرية العربية المسلمة ، نهدى هذه النشرية المتواضعة عنوانا على بر ووفاء ، وتضحية وولاء ) .

ورغم الازمة المالية التى واجهتها هذه الهيئة ، والعجز الذى اشتد بها فى هذا الظرف الصعب الذى كان فيه الناس يكابدون مخلفات الحرب الكونية ،  ويضطرون إلى أكل الحشائش والدقيق المر فقد عز عليها ان ترى الطلبة الجزائرسين الذين كانوا يقدمون من الاصقاع البعيدة من الصحراء ، ومن غير الصحراء يعودون القهقرى ، ويضطرون للرجوع الى أوطانهم خائبين بسبب فقدان المسكن والقوت ، ولان الجمعية عجزت عن تأمين أقل ما يجب تأمينه لهم فى هذا الظرف العصب لجأت الجمعية الى تجنيد طاقتها ، وابتكار مختلف لطرق للحصول على المال بأية وسيلة ، ومجابهة الاوضاع بشجاعة ، فاستقر الامر ( على تمثيل رواية لفائدة الطالب فى بعض المدن الجزائرية ) ..

( مثلت الرواية وتحصلنا على مبلغ عظيم من المال ، كما تحصلنا على شئ لم يكن في الحسبان ان نتحصل عليه وهو اعجاب الامة بالطالب الزيتونى على مقدرته الفائقة فى هذا الميدان . بعد أن كان الشائع او ما استقر فى الاذهان أن الطالب الزيتونى لا يستطيع أن يعمل الا فيما أوقف عليه حياته ، فأصبح بذلك محط الامال ، ومطمح الانظار ، وصارت مساعدته والالتفاف حوله على مقدار هذا الامل وعظم الرجاء ) ( 51 ) .

واعتبارا لما يكنه التونسيون لابناء الجزائر المجاهدين فى سبيل العلم والمعرفة ، وما يعلمون عن اوضاعهم الصعبة . وتبعا لذلك التعاطف الكبير الذى يربط بين الاشقاء في المحن واللازمات اوكلت الهيئة الادارية فى شهرى جانفى وأوت من سنة 1948 الى ثلة منها القيام بسفرات الى انحاء القطر التونسى لجمع التبرعات المالية دعما لصندوق الجمعية ، وشحذا للهمم ، وتعريفا بما كانت عليه حالة الطالب الجزائرى الذى يعيش وضعا مأسويا مريرا .

جزائر الاربعينات لم تعد تلك الجزائر التى كانت تعيش فى سبات واستكانة ، صامتة راضية مغلوبة على امرها . جزائر الاربعينات هى التى تعرضت فى شهر ماي من سنة 1945 الى تلك المذبحة الرهيبة الشهيرة التى ذهب ضحيتها الاف الشهداء الابرياء ، وشردت بسببها الاف العائلات ، وهام الشعب على وجهه بعد ان استبيحت أعراض نسائه ، وانتهبت ارزاقه . وهى الجزائر التى تشهد مخاضا سياسيا وطنيا ، وصراعا عنيدا مع المستعمر .

كل هذا وذاك انعكس على مستوى التفكير عند الطلبة فى هذه المرحلة ، فرأيناهم يتفوقون بوعيهم السياسى ، ونظرتهم الخاصة الى المشاكل الجديدة عمن سبقهم . فالهيئة الادارية التى كانت قد اجتهدت لابراز ( الثمرة الاولى ) كانت ترى قضية الجزائر من خلال وجهة نظر جمعية العلماء ، واهدافها الاصلاحية ، وصراعها ضد الطرقية والانحراف الدينى ، ومواجهه المستعمر بأسلوبها الخاص ، وهي نظرة تأخذ فى الاعتبار الظروف المحلية ، ومستوى الوعى الشعبى الذي كان متدنيا بسبب تفشى الامية ، وخمول الاوضاع السياسية عامة .

لكن الحرب العالمية الثانية هزت ركود الناس ، وذعت العيون على الماسي المختلفة التى خلفتها الحرب ، وايقظت المشاعر على الوان ما يسود المجتمع الجزائرى من ظلم ، ولم تلبث أن أفضت الى الصدام الدموى المعروف فى سنة 1945 وغيرت من أساليب الكفاح ، ودفعت النخبة الى خوض غمار العمل السياسى والبروز على واجهة الزعامة .

وفى ( الثمرة الثانية ) التى اصدرها الطلبة فى الاربعينات نلمس فى كتابات المساهمين فى تحريرها من الطلبة وعيا سياسيا ، ونفاذا للمشاكل الحادة التى يعانى منها مجتمعهم ، وحسا قوميا عربيا . فقد تناول معظم المساهمين فى

هذا العدد قضية الجزائر ومحنتها وطموح أبنائها للانتقام ، واستعدادهم للمقاومة فى اطار قومى عربى مغربى ، دون طغيان المؤثرات الاسلامية التى اتسمت بها معظم اعمال الجمعية قبل الاربعينات . فالتوحيد فى نظر هؤلاء يعنى توحيد الكلمة ، وتوحيد الصفوف لتأليف قوة ضاربة حية من افراد الشعب ، تقوم بما يمليه الواجب تجاه الوطن ، وترعى مصالح البلاد ، وتجمد القلوب على الالفة والتعاون ، والوحدة .

ان هذا هو المعنى الآخر للتوحيد فى نظر رئيس الجمعية محمد مرازفه الذى دعا فى كلمته الشعب الجزائرى الى " التوحيد الذى يشمل كل ما يكفل للامة الالفة والوحدة والتعاون على الصالح العام ، ومصالح البلاد ، ومنافع الوطن والعباد ، من توحيد الكلمة المفرقة ، وتوحيد الغاية المبعثرة ، وتوحيد المنهج الذى نسلكه الآن . هذا التوحيد الذى أعني ، وهذا التوحيد الذى أقصد" ( 52)

كما تناول الطاهر ابراهيمية " مبلغ الاحساس الوطني " ( 53 ) المتمثل فى نظره فى تأسيس الاحزاب الوطنية المنظمة تنظيما عصريا . فهى فى نظره الوحيد الكفيل بالنجاح " ، وبلوغ الغايات المراد بلوغها وهي التحرير.

ويحدد فى نفس العدد " الشاب " ثابت الازهرى أحد أعضاء الجمعية "مسؤولية المجتمع الجزائري" فيراها عظيمة "وعبؤها ثقيل ، وخاصة فى شعب مستعمر منكوب مثل الجزائر العربية المسلمة التى اراد قوم أن يفرنسوها، وآخرون أن يهودوها " (54 ) . وهو يحصر مسؤولية النهضة فى ثلاث طبقات، هم السياسيون والعلماء والتجار فلكل منهم دور واضح . فالسياسى بعزيمته الصادقة ، وارادته القوية ، والعالم بشجاعته وحكمته واناته والثرى بما له مر مال وقدرة على التضحية والافتداء بهذا المال.

ويرى بعض هؤلاء ان المنطلقات الاساسة لهذا التحرير لا تتم الا فى اطار قومى عربى ، وانطلاقا من وحدة مغربية صامدة ، فبذلك أوصى عبد الحميد بن باديس الذي دعا الى وحدة " الشعوب العربية " وكانت الوحدة غاية ما يتمناه ، لانه كان يرى فيها آمالنا العزيزة التى نرجو أن تحقق على أيديها .

فلا عحب بعدئذ أن نضع فيها ثقتنا القوية رجاء أن تعيد ما اندثر لنا من مدنيات ، وتحلو ما غمض عنا من تاريخ تراكمت على سجلاته الاوساخ، وغشاها الغبار والتراب (55 ) . ولكن العروبة تقتضى من الشباب الكفاح،  الاستمائة فى المناضلة من أجل التحرير ، لا تحرير الجزائر فقط ، وانما تحرير العروب فى الجزائر أو تحرير جزء من الاقطار المغربية يكون مرتكزا الى التحرير الشامل .

ولتحقيق هذه الغاية لا بد من التحام الشباب ببقية الفئات الاجتماعية الاخرى التى لها دورها خصوصا فئة العلماء الذين يحاولون التفصى من مسؤولياتها الوطنية بدعوى أنهم اكبر من السجون ، واسمى من التضحيات. ولعل هذا التصور هو الذي حدا بالشيخ ابى القاسم البيضاوى الذي توجهت اليه جمعية الطلبة بسؤال " عما يجب أن يعمل به مسلمو الشمال الافريقى" حدا به لان ينبه العلماء الى هذا الخلل فى لحمة الكفاح ، ويدينهم ادانة صريحة بسبب تهربهم من أداء الواجب الوطني ، والقاء العبء كله على كاهل الشباب الذي ما يزال غضا يافعا ، متسائلا فى هذا الصدد يقوله : " كيف يسوغ ان يذهب الشباب من كل الطبقات الى السجون والعذاب والموت ، وينجو العلماء منه ويخشون ذلك . ومع هذا يرون انفسهم أجل وأعلى من اولئك الابناء الابطال . بل يرون ذلك الشباب متهورا جاهلا لا حكمة عنده ولا عقل له" (56)

لقد كان لهذه الثمرة الثانية ، دونما جدال مضمون يختلف كل الاختلاف من النواحي السياسية والاجتماعية عن المضمون الذى قدمته "الثمرة الاولى" التى اقتصرت آنذاك على اثارة الحوافز والمشاعر ، ودفع الطلبة الى التفكير الايجابي ، وحثهم على سن الطرق الكفيلة بتوحيد صفوفهم ، وربط مصيرهم بما يحدث فى الجزائر ، اذ أظهرت هذه الثمرة مدى جدوى وأهمية العمل السياسي اذا أحكم استغلاله بين صفوف الطلبة الذين يمثلون ضمير الامة، وروحها الوثابة ، وقدراتها الخلاقة.

ان عشر سنوات بن صدور الثمرة الاولى وصدور الثمرة الثانية كانت كفيلة بأن تعكس كل التطورات التى مرت بها الجزائر ، وتبلور النضج

السياسى والفكرى الذى أصبح عليه الطالب الجديد الذي عاش أحداثا جساما على المستويين المحلى والعالمى . ولم يعد يفكر الا فى تحرير وطنه ، فهو واقعه وحلمه وأمنيته الغالية .

وفى هذا الصدد لم نر أى فارق فى التفكير أو مستوى النضج والوعى بين مختلف درجات الطلبة وسنواتهم العلمية ، فالطالب فى السنة الاولى لا يختلف من حيث النظرة السياسية عن أى طالب آخر يفوقه فى السن أو الرتبة .

ومثلما رأينا طلبة السنوات المتقدمة يطرحون وجهات نظرهم من خلال منظور وحدوى ووطني مغربى عربى فان طالب السنة الاولى من المرحلة الثانوية كان لا يحلم الا بالتحرير الكامل ، ولا يرى الجزائر الا وهي ثائرة لا تكاد تخمد لها ثورة حتى تليها ثورة أخرى فى مواكب متلاحقة من الثورات التى تهدف الى غاية واحدة وهي تحقيق النصر ، وطرد المستعمر.

ففي " ليلة غدافية الاهاب ، حالكة الجلباب " رأى مولود قاسم - التلميذ بالسنة الاولى من التعليم الثانوى الزيتونى - الاجانب يهاجمون أمة عزلاء، ويلقون القبض على أميرها الاول ثم أميرها الثاني ثم الثالث ، وقد اتحدت قوى المستعمر مع قوى الخيانة . ثم ما هى الا ثورة حتى أتى الشعب على كل شئ وحرر نفسه من قيود الاستعباد ، وأطاح بالاستعمار وبالخيانة معا ، وجوزى كل مخلص بالسيادة فى وطنه بفضل جهاده ، وسعدت الامة بحكومتها المستمدة نفوذها من ارادة الشعب ، وسعدت الحكومة بأمتها المطيعة المنقادة.

فنحن على كل حال لا نشك فى أنهم لم يخلوا بهذا الواجب المغربى الشامل الذى يستوى فيه الجزائرى والتونسى والمغربى ، لان اعمال بن باديس الاحيائية الاصلاحية انما يجني ثمرتها كامل شمال افريقيا " (58 ) ( للبحث صلة )

اشترك في نشرتنا البريدية