الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 10 الرجوع إلى "الفكر"

الطوفان

Share

    شاء القدر ان يسعف الحياة بين آونة واخرى بطوفان عجيب فيه ردع وتنبيه وزجر ثم هلاك ونجاة .    (( حتى اذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل ))

اشخاص المسرحية :

1) القديس :

2) يوسف : من تلامذة القديس

3) الأزواج : زينب ، زهيد ، شكرى ، هدى ، القطة ، القط ، الاسد ، اللبوة

4) الرقيب :

القديس : قضيت حياتى كلها فى الزهد والركون فى المعبد وتلاوة الكتب       السماوية على كل من يهوى الدين ويتطلع الى المعرفة . ستون مرت بى      وفى كل مراحلها احداث تهز المعبد هزا ؛ فاتخبط فى انتفاضات لا ادرى      كيف يكون مبدأ سريانها ودبيبها ، انها مشكلة واى مشكلة صراع      عنيف ، ورياح عاصفة ..

يوسف : ايه ياقديسى ، ان الاضطراب الحاصل فى نفسك والقابع بين اضلعك      دفع بك الى التهور العقلى والذبذبة الفكرية والهزات النفسية ، انك      بقيت فى هذه الدار ترقب النجم الطالع والكوكب السيار وعابر السبيل     ومتلقى علوم الدين ...

القديس : ماذا تقول يا بنى بعد ان ربيتك صغيرا وهذبت قريحتك كبيرا       فعلمتك الحياة ومشاكلهاوالمجتمعات واحوالهاوالآداب وفنونها،والحضارات      وقيمها والطبيعة ونواميسها ، واخيرا تسل سيفا حادا تريد به بترى .

يوسف : رباه ، عشر لم اعرف كيف قضيتها معك ، بعد ان ملئت حزما وعزما      ونشاطا ، مرت على وكانى فى حلم يصور لى الخيال واقعا والواقع خيالا      كتب تصفحتها بمعيتك فكان لى العلم ، ولكن شبت بنقص ، فانحطت      قيمى وراح تعلمى ادراج الرياح وهبت فى نفسى عاصفة تدعو الى      الركود بعد هذا الشقاء المر العنيف .

القديس : ولدى : انك تعيش الآن فى ثورة عاطفية املتها عليك المادة والمادة       والروح لا يلتقيان فى صعيد واحد ، اذ نحن رجال العقيدة نهدف دوما       فى الحياة الى التشبع بالزهد والتنسك وزادنا فى ذلك تلك الكتب التى       القيت بها بين يديك اما المادة فلها رجالها ...

يوسف : ولكن شتان بين الامس واليوم فبالامس كانت الروحانية ذات شأن       اما المادة فلها اليوم قيمتها وانى ما جئتك الى هذا الدير الا سعيا وراء       الكسب وجريا على المال ، واذن فهل قضى امرى فاصبحت كاوراق الخريف       فى مهب الريح ، بعد ان علمتنى الادب من الجاهلى حتى العصر الحالى ،       والحضارة من ابان ظهورها حتى ازدهارها ، والعالم ومشاكله والسياسة       واهدافها ودروبها ...

القديس : مهلا ؛ لقد انطفأ املك ، فغاض ماء جمال وجهك ، واحدودب ظهرك،       واشتعل راسك شيبا ، وامتلات نفسك هياما ، واصبحت الحياة عندك       الغازا ...       قهقهة - ايه ، فى الحياة حكاية يمليها الواقع طورا والماضى حينا آخر       ولكن فى الصبر سلوى ، وفى الدين رواية وفى التعليم هواية ، وللرجال       قضايا ..

يوسف : نعم الحل ؛ اظنك اصبحت من مفسرى الاحلام ، وفك الالغاز ، وفض       قضايا الرجال ، شاب اشرف على الشيخوخة وغدا تقبله الكهولة وبعد       ماله من مصير ، انوم ويقظة ، ذهاب واياب ، جوع وشبع ، عرى وكساء ،       ثم للحفرة مال وللآخرة آجال . انها مأساة ان تكون حياتى هذه مراحلها       وتلك اهدافها وغايتها ، فللدير رجال .

القديس : الويل ؛ الويل للدير ! انها كلمة مفعمة بالبشاعة وسوء الاختيار ،       انها لفظة شرسة نابية غريبة عن الدير واوضاعه ، فالذنب ليس للدير       ولا للدير فيه شىء ، وانما المأساة للواقع ، للوضع ، للظرف ، للقدر .

يوسف : لقد التجأت الى هذه المدرسة وفى نفسى حب للمعرفة واشتياق       للنهل من منابع العرفان ، ولكن هيهات بين زملائى وبينى ، انهم تقلدوا       سيف المجد والانتصار ، وتقلدت سيف الخيبة والضياع ، انهم اخذوا من      المجتمع الحقوق فراضوا وارتاضوا ، واكتسبت من المجتمع الغفلة والنسيان

القديس : الحل يسير . وفى الحياة فرض ليس بالعسير ، وكم كشف التاريخ       عن رجال كانوا من المطمورين ، واذن فلتكن من وراء التجربة ، حتى       تلمس مدى تأثير المدرسة وقوة المعرفة ، ولا تقل بالحشو والتخليط بل       خذ المصفاة للانتقاء والتجويد .

يوسف : آه ، .. آه ، .. طوفان ؟ طوفان يا قديسى ! ، فهل من مكان .

القديس : ايها الملأ الكريم ، لقد جاءنى الوحى من لدن العليم ، بان اتخذ من       كل شئ زوجين من المتقين ولاعبر بهم البحر حتى لا نكون من الهالكين ...      وكانت الثورة فى المدينة ، فجاءت زينب وزهيد وشكرى وهدى والقطة      والقط ، واخيرا الاسد واللبوة وكثير من هذه الصنوف المختلفة ، ثم      اتخذوا المركب ملجأ، بعد ان غمر الماء سطح المدينة ، فهوت الدور وتقلص      ظل القصور وهلك المعاند المغرور ، وجرت الاودية بماء غير مزون فكان      الحدث ذو الشرور

الازواج : هل من سعادة ونحن فوق سطح هذه السفينة ، وذلك العدو الالد       يقاوم فيها بعنف وقسوة حتى اضحى امرها قاب قوسين او ادنى .

زينب : يا زهيد : اننا جئنا وقد ارتاضت نفوسنا على السلام واشرأبت ارواحنا       للسكينة والهدوء ، فلا طفل يبكى او قط يموء ، او اسد يزأر ...

زهيد : ايه ! يازينب ، ان فى الهدوء الراحة التامة ، ولكن مالنا والمجتمع غدا       اذ سيصبح فقرا ، بعد اضمحلال البشرية ، وموت الحيوان ، وحطام       القصور وجفاف الارض ، لا والد ولا ولد ، لا شاب او فتاة ، لا اخاء او       قرابة ، لا عدل او ظلم ، لا حرية او رق ، لا استهقار او تحفظ ،       لا ديمقراطية او ارستقراطية لا بورجوازية او فقر .

شكرى : (يتقمص شكرى شخصية غير شخصيته ليشارك بدوره في المحادثة)       انكما نظرتما للحياة وقد ذوى فيها كل شىء وفنى ، وليس بعد الموت       الا الذكرى ولكن ما زال اوانها ، غير انه يبدو لى نكون مدرسة فوق       سطح هذه الدار السابحة التى هى اقرب الى التحطيم منها الى البقاء ،       ولتكن مدرستنا ذات شعب متعددة ، منها التقليدية ، ومنها الحديثة ،       ومنها التجريبية والفلسفية والقانونية ..

هدى : نعم الراى ، ولكن كيف تكون مناهج البحث والاساليب ، اذ الدراسات       متمايزة فبالطبع ؛ تكون المناهج مختلفة والاساليب متباينة وهنا الطامة       الكبرى ، وحتى فى كيفية تعليم هذا الحيوان الابكم .

زهيد : ان للحيوان شأنا عظيما ؛ اذ كم من كلب درب على قضاء بعض الشؤون       المنزلية فاحكم قضاءها ، وكم من طير درب على الكلام فاتقن الصوت وكم       من قرد حاكى الانسان فى السيجارة والنوم والاكل ... واذن فتعليم       الحيوان اصبح من ابسط الامور واسهلها ...

شكرى : لنشرع فى التخصيص : اني احبذ الفلسفة ، وزهيد يود الادب ،       وليوسف الشريعة ، وهدى الحقوق ...

الاسد : ولى قيادة الجيوش ، وللبوة الصيدلة

القط : ولتكن لى الجوسسة ، وللقطة الرعاية ، وللرقيب المراقبة .

زهيد : لقد احسنتم التوزيع والاختيار غير انكم ظلمتموني فيما نسبتم الى       اذ الادب تقلص ظله وخاصة الكلاسيكى منه . فكيف بى ادرسه سنوات       ثلاثا متتابعة واخرج وفى نفسى حسرة عما قضيته فى دراسته

يوسف : كل شئ فى الامكان ، ولا راى الا فى الابان ، خذ الادب هذا الفن       الجميل ؛ فيه الموسيقى ذات النغم الحلو ، والانشودة الرائعة ، والطبيعة       الخلابة ، والبطولة الفذة والشجاعة النادرة والحماسة الجبارة وصاحبة       الغد المياس ، خذه وانشد الغد المبهم والقدر المكتوم .

زهيد : اخى كم قاسيت من آلام ، ازاء ما التحقت به من الدراسة ، فلا يراك       الرائى ، الا معبس الوجه ، مقطب الجبين ناحل الجسم ، شاحب اللون       من كثرة الآلام وشدة التشاءم ، واخيرا انقلبت الآية .

الرقيب : صبرا فى مجال الموت صبرا .

الاسد : هيوا يا جنود ، حان اوان الوعود ، والحرب على الابواب تنادى الشيوخ       والشباب ، للدفاع عن حومة الاوطان ، وحفظ كرامة البلدان

اللبوة : لقد اعددت الادوية والفرش والسيارات لحمل المجاريح والموتى والسهر       على صحة العتاد من الجنود الافذاذ .

القط : زحف مخيم ، جنود منتشرة ، اسلحة باترة مجردة من اغمادها مسلولة       على رقاب اعدائها ... انها الكارثة .

القطة : مالنا بعد كارثة الطوفان من احداث ، اذ شتت الشمل ، وقوض صفو       الحياة ، فانثالت المصائب تلو الخطوب ، فتتبعت الامر حتى غشى بصرى       وخارت قواى .. انها مأساة .

القديس : نجاتنا فى المركب ، والطوفان فى البلاد ، فنعم السلامة والقرار       وهنيئا لكل من شرب رجفة صبر ، وارتاض على الماساة بالسلوى

الرقيب : طوفان ! وياله من طوفان ؛ شرد الاهالى وزرع فى المدينة الحرمان       وسلام على من اتخذ البحر دار اطمئنان . (( حتى اذا جاء امرنا وفار التنور       قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الامن من سبق عليه القول       ومن آمن وما آمن معه الا قليل .

اشترك في نشرتنا البريدية