شاء القدر ان يسعف الحياة بين آونة واخرى بطوفان عجيب فيه ردع وتنبيه وزجر ثم هلاك ونجاة . (( حتى اذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الا من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل ))
اشخاص المسرحية :
1) القديس :
2) يوسف : من تلامذة القديس
3) الأزواج : زينب ، زهيد ، شكرى ، هدى ، القطة ، القط ، الاسد ، اللبوة
4) الرقيب :
القديس : قضيت حياتى كلها فى الزهد والركون فى المعبد وتلاوة الكتب السماوية على كل من يهوى الدين ويتطلع الى المعرفة . ستون مرت بى وفى كل مراحلها احداث تهز المعبد هزا ؛ فاتخبط فى انتفاضات لا ادرى كيف يكون مبدأ سريانها ودبيبها ، انها مشكلة واى مشكلة صراع عنيف ، ورياح عاصفة ..
يوسف : ايه ياقديسى ، ان الاضطراب الحاصل فى نفسك والقابع بين اضلعك دفع بك الى التهور العقلى والذبذبة الفكرية والهزات النفسية ، انك بقيت فى هذه الدار ترقب النجم الطالع والكوكب السيار وعابر السبيل ومتلقى علوم الدين ...
القديس : ماذا تقول يا بنى بعد ان ربيتك صغيرا وهذبت قريحتك كبيرا فعلمتك الحياة ومشاكلهاوالمجتمعات واحوالهاوالآداب وفنونها،والحضارات وقيمها والطبيعة ونواميسها ، واخيرا تسل سيفا حادا تريد به بترى .
يوسف : رباه ، عشر لم اعرف كيف قضيتها معك ، بعد ان ملئت حزما وعزما ونشاطا ، مرت على وكانى فى حلم يصور لى الخيال واقعا والواقع خيالا كتب تصفحتها بمعيتك فكان لى العلم ، ولكن شبت بنقص ، فانحطت قيمى وراح تعلمى ادراج الرياح وهبت فى نفسى عاصفة تدعو الى الركود بعد هذا الشقاء المر العنيف .
القديس : ولدى : انك تعيش الآن فى ثورة عاطفية املتها عليك المادة والمادة والروح لا يلتقيان فى صعيد واحد ، اذ نحن رجال العقيدة نهدف دوما فى الحياة الى التشبع بالزهد والتنسك وزادنا فى ذلك تلك الكتب التى القيت بها بين يديك اما المادة فلها رجالها ...
يوسف : ولكن شتان بين الامس واليوم فبالامس كانت الروحانية ذات شأن اما المادة فلها اليوم قيمتها وانى ما جئتك الى هذا الدير الا سعيا وراء الكسب وجريا على المال ، واذن فهل قضى امرى فاصبحت كاوراق الخريف فى مهب الريح ، بعد ان علمتنى الادب من الجاهلى حتى العصر الحالى ، والحضارة من ابان ظهورها حتى ازدهارها ، والعالم ومشاكله والسياسة واهدافها ودروبها ...
القديس : مهلا ؛ لقد انطفأ املك ، فغاض ماء جمال وجهك ، واحدودب ظهرك، واشتعل راسك شيبا ، وامتلات نفسك هياما ، واصبحت الحياة عندك الغازا ... قهقهة - ايه ، فى الحياة حكاية يمليها الواقع طورا والماضى حينا آخر ولكن فى الصبر سلوى ، وفى الدين رواية وفى التعليم هواية ، وللرجال قضايا ..
يوسف : نعم الحل ؛ اظنك اصبحت من مفسرى الاحلام ، وفك الالغاز ، وفض قضايا الرجال ، شاب اشرف على الشيخوخة وغدا تقبله الكهولة وبعد ماله من مصير ، انوم ويقظة ، ذهاب واياب ، جوع وشبع ، عرى وكساء ، ثم للحفرة مال وللآخرة آجال . انها مأساة ان تكون حياتى هذه مراحلها وتلك اهدافها وغايتها ، فللدير رجال .
القديس : الويل ؛ الويل للدير ! انها كلمة مفعمة بالبشاعة وسوء الاختيار ، انها لفظة شرسة نابية غريبة عن الدير واوضاعه ، فالذنب ليس للدير ولا للدير فيه شىء ، وانما المأساة للواقع ، للوضع ، للظرف ، للقدر .
يوسف : لقد التجأت الى هذه المدرسة وفى نفسى حب للمعرفة واشتياق للنهل من منابع العرفان ، ولكن هيهات بين زملائى وبينى ، انهم تقلدوا سيف المجد والانتصار ، وتقلدت سيف الخيبة والضياع ، انهم اخذوا من المجتمع الحقوق فراضوا وارتاضوا ، واكتسبت من المجتمع الغفلة والنسيان
القديس : الحل يسير . وفى الحياة فرض ليس بالعسير ، وكم كشف التاريخ عن رجال كانوا من المطمورين ، واذن فلتكن من وراء التجربة ، حتى تلمس مدى تأثير المدرسة وقوة المعرفة ، ولا تقل بالحشو والتخليط بل خذ المصفاة للانتقاء والتجويد .
يوسف : آه ، .. آه ، .. طوفان ؟ طوفان يا قديسى ! ، فهل من مكان .
القديس : ايها الملأ الكريم ، لقد جاءنى الوحى من لدن العليم ، بان اتخذ من كل شئ زوجين من المتقين ولاعبر بهم البحر حتى لا نكون من الهالكين ... وكانت الثورة فى المدينة ، فجاءت زينب وزهيد وشكرى وهدى والقطة والقط ، واخيرا الاسد واللبوة وكثير من هذه الصنوف المختلفة ، ثم اتخذوا المركب ملجأ، بعد ان غمر الماء سطح المدينة ، فهوت الدور وتقلص ظل القصور وهلك المعاند المغرور ، وجرت الاودية بماء غير مزون فكان الحدث ذو الشرور
الازواج : هل من سعادة ونحن فوق سطح هذه السفينة ، وذلك العدو الالد يقاوم فيها بعنف وقسوة حتى اضحى امرها قاب قوسين او ادنى .
زينب : يا زهيد : اننا جئنا وقد ارتاضت نفوسنا على السلام واشرأبت ارواحنا للسكينة والهدوء ، فلا طفل يبكى او قط يموء ، او اسد يزأر ...
زهيد : ايه ! يازينب ، ان فى الهدوء الراحة التامة ، ولكن مالنا والمجتمع غدا اذ سيصبح فقرا ، بعد اضمحلال البشرية ، وموت الحيوان ، وحطام القصور وجفاف الارض ، لا والد ولا ولد ، لا شاب او فتاة ، لا اخاء او قرابة ، لا عدل او ظلم ، لا حرية او رق ، لا استهقار او تحفظ ، لا ديمقراطية او ارستقراطية لا بورجوازية او فقر .
شكرى : (يتقمص شكرى شخصية غير شخصيته ليشارك بدوره في المحادثة) انكما نظرتما للحياة وقد ذوى فيها كل شىء وفنى ، وليس بعد الموت الا الذكرى ولكن ما زال اوانها ، غير انه يبدو لى نكون مدرسة فوق سطح هذه الدار السابحة التى هى اقرب الى التحطيم منها الى البقاء ، ولتكن مدرستنا ذات شعب متعددة ، منها التقليدية ، ومنها الحديثة ، ومنها التجريبية والفلسفية والقانونية ..
هدى : نعم الراى ، ولكن كيف تكون مناهج البحث والاساليب ، اذ الدراسات متمايزة فبالطبع ؛ تكون المناهج مختلفة والاساليب متباينة وهنا الطامة الكبرى ، وحتى فى كيفية تعليم هذا الحيوان الابكم .
زهيد : ان للحيوان شأنا عظيما ؛ اذ كم من كلب درب على قضاء بعض الشؤون المنزلية فاحكم قضاءها ، وكم من طير درب على الكلام فاتقن الصوت وكم من قرد حاكى الانسان فى السيجارة والنوم والاكل ... واذن فتعليم الحيوان اصبح من ابسط الامور واسهلها ...
شكرى : لنشرع فى التخصيص : اني احبذ الفلسفة ، وزهيد يود الادب ، وليوسف الشريعة ، وهدى الحقوق ...
الاسد : ولى قيادة الجيوش ، وللبوة الصيدلة
القط : ولتكن لى الجوسسة ، وللقطة الرعاية ، وللرقيب المراقبة .
زهيد : لقد احسنتم التوزيع والاختيار غير انكم ظلمتموني فيما نسبتم الى اذ الادب تقلص ظله وخاصة الكلاسيكى منه . فكيف بى ادرسه سنوات ثلاثا متتابعة واخرج وفى نفسى حسرة عما قضيته فى دراسته
يوسف : كل شئ فى الامكان ، ولا راى الا فى الابان ، خذ الادب هذا الفن الجميل ؛ فيه الموسيقى ذات النغم الحلو ، والانشودة الرائعة ، والطبيعة الخلابة ، والبطولة الفذة والشجاعة النادرة والحماسة الجبارة وصاحبة الغد المياس ، خذه وانشد الغد المبهم والقدر المكتوم .
زهيد : اخى كم قاسيت من آلام ، ازاء ما التحقت به من الدراسة ، فلا يراك الرائى ، الا معبس الوجه ، مقطب الجبين ناحل الجسم ، شاحب اللون من كثرة الآلام وشدة التشاءم ، واخيرا انقلبت الآية .
الرقيب : صبرا فى مجال الموت صبرا .
الاسد : هيوا يا جنود ، حان اوان الوعود ، والحرب على الابواب تنادى الشيوخ والشباب ، للدفاع عن حومة الاوطان ، وحفظ كرامة البلدان
اللبوة : لقد اعددت الادوية والفرش والسيارات لحمل المجاريح والموتى والسهر على صحة العتاد من الجنود الافذاذ .
القط : زحف مخيم ، جنود منتشرة ، اسلحة باترة مجردة من اغمادها مسلولة على رقاب اعدائها ... انها الكارثة .
القطة : مالنا بعد كارثة الطوفان من احداث ، اذ شتت الشمل ، وقوض صفو الحياة ، فانثالت المصائب تلو الخطوب ، فتتبعت الامر حتى غشى بصرى وخارت قواى .. انها مأساة .
القديس : نجاتنا فى المركب ، والطوفان فى البلاد ، فنعم السلامة والقرار وهنيئا لكل من شرب رجفة صبر ، وارتاض على الماساة بالسلوى
الرقيب : طوفان ! وياله من طوفان ؛ شرد الاهالى وزرع فى المدينة الحرمان وسلام على من اتخذ البحر دار اطمئنان . (( حتى اذا جاء امرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين واهلك الامن من سبق عليه القول ومن آمن وما آمن معه الا قليل .

