ليس هناك ما يدل على أننا نقترب من ورشة الاصلاح ، وقد بدأ الخوف يسيطر على أعصابنا . من الجائز أننا سلكنا طريقا آخر ، ودخلنا متاهة بلا نهاية . وستصبح الامور معقدة أكثر عندما تتآكل عجلات العربية ويتهالك الحصان الذى لم يذق علفا منذ ثلاث وجبات ، أخذ اللون الرمادى يكتسح المساحات المترامية أمامنا وعلى جنبات العربة ، وأدركنا بالغريزة أن الليل بدأ يتبدد ببطء ، وأن النهار سيدلنا على الاتجاه السليم . كنا نسمع أنفاس بعضنا تقطعها كلمات الزجر الخارجة بلا انتظام من فم الرئيسة ، وكلما تلكأ الحصان فى السير كلما اضطربت كلماتها اكثر .
ليس الحصول على عمل بالامر السهل ، فلا بد من اجراء عمليات حسابية لا حد لها ، وقد يخفق المرء آخر الامر . هكذا كنت أفكر ، وكان التفكير فى الايام السالفة التى قضيتها بلا عمل يريحنى من التفكير فى المستقبل ، وقد أنسى العربة والرئيسة ، والمرأة الهامدة قربى ، وورشة الاصلاح . الحصول على عمل يستوجب ضغوطا وتنازلات كثيرة ، أن تقف أمام الحاجب باحترام مبالغ فيه ، وأن تحنى رأسك فى المناسبات ، وأن تلبس ياقة نظيفة وقميصا
مكويا ، وحذاء لامعا . المهم هو ان تحنى رأسك مرات متتالية وتعلن عن هويتك ، وعن البلدة التى ولدت فيها ، وعن الناس الذين تعرفهم ، والمبادئ التى تؤمن بها ، وكذلك إرشادات إضافية عن زوجتك . إنه يعرف أن هذه المظاهر لا يضبطها قانون ، ولكنها موجودة كأنها الطبيعة ، أو الغريزة ، فكل الناس يمرون من هذا الطريق ، وقد نصحه الكثير أن يفعل ذلك . وفعلا كان يجرب أحيانا ، ولكنه فى كل مرة ينسى بعض الجزئيات ، فتسقط مساعيه وتبدأ المتاعب .
وجد نفسه صدفة فى ذلك المستشفى . قيل له بعد الفحوص المختلفة : ـــ أنت مريض .
قال لهم :
ـــ طبعا . . لولا ذلك ما كنت هنا .
سألوه بخبث :
- أأنت متأكد من ذلك ؟
أجاب دون أن يعبر اهتماما لما يقول :
ـــ لست ادرى .
سألوه :
ـــ هل تعرف كثيرا من المصابين بهذا المرض ؟
ـــ كل الناس تقريبا .
ـــ كل الناس ! أوثق أنت . . أذكر لنا بعض من تعرف .
نظر فى وجوههم .
ـــ هل أنتم متيقنون بأنكم لستم مصابين ؟
ـــ كل اليقين .
ـــ إذن لقد كان كلامى مغلوطا .
تلقي العلاج ، خف اليه كثير من الممرضين ، تعاقبوا عليه . كانت سحناتهم تدل على أنهم لم يصابوا الا بمرض واحد لا يستدعى علاجا ولا فحوصا . كانوا يحتفظون به فى بيت مغلق بعيدا عن الآخرين . كانوا
يخافون من العدوى . الكلام ممنوع ، وكتابة الرسائل ، وتلقيها ، والحديث مع الزائرين . كل شىء يكاد يكون ممنوعا ، إنهم ممرضون من صنف عال .
هناك . . فى المستشفى تعرف عليه . . عرف زوج القائدة . . فى الآرية الميجة كانوا يجلسون على مقعد حديدى مستطيل . بدأ ذلك عندما أخذت الامور تنفرج ، وتسقط نسبة الداء . . ظهورهم متلاصقة فلا يرون وجوه بعضهم . هناك عرف زوج القائدة .
ـــ ما اسمك ؟
ـــ فلان .
ـــ ماذا تفعل هنا ؟
ـــ قيل إننى أتلقى علاجا .
ـــ هل جئت بمحض إرادتك ؟
ـــ لا .
ـــ كيف ؟
ـــ كنت مارا فحملونى .
ـــ ماذا قلت لهم ؟
ـــ لم أقل شيئا .
ـــ هل أحسست بأن حالتك تتحسن ؟
ـــ لست أدرى .
ـــ هل أنت من العاصمة ؟
ـــ لا .
ـــ سيطول العلاج ؟
ـــ لست ادرى . إن المرضى يأتون صدفة ، ثم يخرجون صدفه .
ـــ هل تؤمن بشىء .
ـــ إن الاحداث قاسية جدا .
قالت لى المرأة : ـــ هل تظن أننا قطعنا شوطا من الطريق ؟
تصدت القائدة .
ـــ ليس هذا المهم .
ـــ لعلنا نصل قبل سقوط الليل الى الورشة !
ـــ إننا على أية حال لن نجده . لقد فات الموعد .
ودون سابق انذار بدأت المرأة تسعل سعالا متواصلا :
ـــ ضع يدك على رأسك .
كانت ترتجف .
ـــ إنها الحمى . . بوادر فقط . . عندى دواء .
ـــ هجمت على فجأة .
ابتسمت ثم عاودها السعال .
ـــ إنه لا شك يترقب .
قالت القائدة .
ـــ إنه زوجى أنا .
ـــ على أية حال . إنه يشغلنا جميعا . لكن المكان ليس آمنا . قد يكونون عثروا عليه . وقد يكون اعترف .
ـــ إنه لن ينهار .
ـــ إنه زوجى أنا .
ـــ أجل .
بدأ التعب يهد قواى ، وكانت القائدة ما تزال ثابتة فى مقعد القيادة ، وكانت الاخرى تسعل بجانبى ولم أكن متيقنا فيما إذا كانت الدابة قد توقفت عن السير .
كان ذلك المستشفى من طراز خاص ، ومن الفظيع أن أحيا مرة أخرى ذلك النمط الوحشى ، وان أتذكر تلك المعاملة الخاصة . كانوا دائما لنا بالمرصاد . عيون بلورية ، وسحنات صلبة ، مستعدون لمدك بالمرهم اللازم ، فى آخر الليل ، وفى الفجر ، وحتى فى منتصف النهار تصلنا صيحات حادة مستنجدة فندرك أنها عملية جراحية ، ومن الغريب أن كل المدعوين الى المستشفى
تجرى لهم هذه العمليات . وكان هو . . فلان . . من أولئك الذين سقطوا تحت المبضع يخيل لى اننى سمعت استغاثاته فى آخر الليل . إنه هو ، وحق السماء . كان صوته يشبه حشرجة ثور يذبح . لا أدرى كم بقى تحت المبضع ، ولكننى عندما التقيت به بعد أيام ، كان يعرج دون منازع .
ـــ كل شىء على ما يرام .
ـــ كانت عملية ناجحة .
ـــ آه .
ـــ رأيت النجوم . كانت باردة ، وكانت خافتة . .
ـــ يخيل الى !
ـــ كنت تحلم . .
ـــ إنه حلم مزعج ، ولكنه واضح كالنهار .
ـــ لا تحاول أن تعرف .
ـــ عيناى كانتا مفتوحتين .
ـــ كنت تحلم .
ــــ كأنه عواء ذئب ، وكأنني فى صحراء .
ـــ هل مررت بقسم الجراحة ؟
ـــ إنى انتظر دورى .
ـــ سيكون ذلك بلا إنذار . وستكون الجراحة بلا تغييب .
لست خائفا .
ـــ إنه شىء لا بد أن يحدث ، كما يعوى ذئب فى الخلاء ، ثم إن الأنات تتفاوت . لكننا عندما نلتقى يسقط نظرنا على الارض ، ولا يتجاوز أقدامنا ، وكان فلان يجلس بجانبى بحذائه المهترىء ، وقميصه الفضفاض ، ولحيته الكثة .
ـــ لا يجب أن نتحدث .
ـــ آه .
ـــ المستشفى كله آذان ، ثم ماذا ستقول ؟
ـــ أفكر فى الهرب .
ـــ أنت مجنون .
ـــ قسم الجراحة شىء فظيع .
ـــ ألم تسمع طيلة البارحة . لا . لا . عفوا . لم أقل شيئا . إنها الذئاب .
ـــ أجل إنها الذئاب .
ثم اختفى ، لم أره منذ ذلك الوقت . كان يعرج ، وكانت يداه هزيلتين ، وكان نظره باردا كالثلج ، لم يعد يأتى الى ردهة المستشفى . أخذ قسطه من العلاج ، ولن يعود الجنون الى رجل يعرج .
قلت للممرض خلسة .
ـــ ألم تره ؟
ـــ من . إنهم كثيرون .
ـــ ذاك الذى به عاهة .
ـــ أنت أيضا لا تخلو من عاهة .
ـــ أعنى ذلك الذى يعرج .
ـــ إنهم كثيرون .
ـــ لكنه يرتدى قميصا فضفاضا ، ولحيته كثة ، ويعرج الى اليسار .
فهمت
ـــ أين هو ؟
ـــ قد يكون ذهب بدون رجعة .
عندما يسقط المساء فى الردهة الكبيرة ، وتبدأ الاضواء الآتية من بعض النوافذ العالمية الشبيهة بالثقوب فى الاختفاء ، نبدأ عملية الانسحاب قبل أن تطلق الصفارات العادية . كل النزلاء يقشعرون من صفارات الممرضين ، ويتجنبون النظر اليهم فهم مستعدون دائما لان يحققنوا الشخص أصنافا من الادوية النادرة .
حينما يتسلل كل النزلاء إلى الداخل تبقى الردهة فارغة ، وتهبط عليها ببطء ظلال المساء ، وسرعان ما تصبح سوداء معتمة .
صهلت الدابة ، ثم توقفت عن السير ، وأطلقت القائدة سيلا من الكلمات لا رابط بينها ، ونهضت مستعينا بيدى على لوح العربة . كانت الارض
جرداء ، وفى الافق تبدو خيالات كالسراب . نظرت الى المرأة المستلقية قربى . كانت جامدة كأن الامر لا يهمها . كانت لها مشاريع وبدأت تنهار ، كنت كلما مررت بجانب منزلها استوقفتنى .
ـــ أوف . . ماذا تنتظر . متى سنتزوج ؟
ـــ أنتظر الحصول على عمل .
ـــ نستطيع القيام بكل شىء ، ثم ننتظر .
ـــ لا بد من المال يا عزيزتى .
ـــ المال ! الزواج شىء والمال شىء آخر .
ـــ هه !
ـــ إنها مماطلة !
ـــ وحق الرب . لا .
ـــ وحق الرب إنها مماطلة .
ـــ حين أجد عملا . . آه !
ـــ إنك لا تريد الرضوخ للطاحونة .
ـــ اهترأت الطاحونة ، ولا أحد يتوقف حتى لمجرد النظر اليها .
ـــ ولكنها باقية وهي لا تطحن .
ــــ إنها تطحن ، ونحن ننتظر . تف .
كانت تظن أن الانتظار لن يطول أكثر مما طال ، وفى الورشة ستبدأ حياة جديدة ، ونقوم باجراءات الزواج ، إنها تنتظر شيئا واحدا ، أن تقول القائدة : " أوف ! انتهت الرحلة ، وبلغنا الهدف " .
كنت اؤمن بأن القائدة ستجد فى النهاية حلا يمكننا من مواصلة الرحلة ، فبينها وبين الدابة اتفاق دائم ، وليس من الضرورى أن أغادر ظهر العربة لأعينها فى شىء ، فهى أولى بملاطفة الدابة وحثها على السير . شاهدتها وهى تثب من فوق العربة ، وتقترب من الحصان ، وتربت على عنقه ، وتدور حوله كالذبابة ، وهو متكاسل وأذناه مرتخيتان . ثم عاد يصهل . انفرج الامر . وثبت القائدة الى ظهر العربة وهى تبتسم " أى . أو . . أى . . " لم تتحرك العجلات ، ولم تتزحزح قيد انملة . عادت القائدة الى الصياح ،
والشتم . هبطت ، وصعدت . فى هذه اللحظة عمدت الى ركل المرأة الممددة بجانبى .
ـــ إنك تعيسة حقا !
ـــ لماذا تركلنى ؟
ـــ انتهت الرحلة .
تمططت فى مكانها ، رفعت رأسها ، وسقطت من جديد فى شبه غيبوبة ، عندما ركلتها مرة أخرى لم تتحرك ، ولم تعرفنى اهتماما . ركلتها ركلا متواليا . وكانت القائدة من ناحيتها تحث الحصان ، وترفع السوط بكل ضراوة ، وتنزل به على مؤخرته . تكررت العملية مرات متتالية . قلت لها :
ـــ إن الضباب ينتشر .
ـــ ولعل المطر سيعقبه .
ـــ ماذا نفعل ؟
ـــ إنه لن يترقب ، وربما ادركوه ، وحملوه مرة اخرى الى المستشفى .
ـــ أتظنين ذلك ؟
ـــ إنهم كلاب جائعة .
ـــ اعرف ذلك .
ـــ كيف سنقضى الوقت ؟
ـــ فرغنا من كل شىء ، ولم يبق الا هذا .
ـــ ألن تعود هذه الدابة الى السير ؟
ـــ كم يفصلنا عن الورشة ؟
ـــ ثلاثون أو أربعون كيلومترا .
ـــ من الاحسن أن ننتظر .
ـــ سنواصل السير على الاقدام .
ـــ وهذه إن ساقها متورمة .
ـــ ستحملها على كتفيك ، وسأعينك .
ـــ أتظنين ذلك ؟
ـــ إنه حل مؤقت على أية حال .
ـــ أو سنجده ؟
ــــ أوه !
ـــ ربما بلغوه قبلنا .
ـــ جائز .
ـــ كل شئ جائز يا قائدة .
كان الاعياء يدب فى دماغى ، وكنت عاجزا عن تبديل خطواتى ، وتوسلت للقائدة أن نمكث هنا حتى تثوب الدابة الى رشدها ، ونسافر من جديد . كانت نظرتها قاسية ، وكانت مستعدة أن تتقدم وحيدة فى طريق الورشة . قلت لها :
ـــ أتحبينه ؟
ــــ إنها اللعنة .
ـــ متى أصيب ؟
ـــ هذه الأشياء لا بداية لها .
ـــ أهو مصر ؟
- . إنه رجل عنيد .
ـــ وعلاقتك به بعد أن أصيب ؟
ـــ إنه زوجى .
كانت الاخرى متمددة ، والضباب يدركنا بسرعة ، اقتربت منى القائدة .
ـــ ألا تسمع شيئا ؟
ـــ إنه الخلاء .
ـــ أتحبها ؟
ـــ كان لنا مشروع زواج .
ـــ أما زال قائما ؟
ـــ لست أثق فى احداث الغد .
- أنت خائن .
ـــ إنها هنا معي . أليس هذا دليلا على وفائى
ـــ آه . ! لو لم أتزوجه !
تمطط الوقت ، واقتربت من القائدة أكثر ، وانتفضت الاخرى ، والتصقت بناء صهل الحصان . قفزت القائدة . " الحمد لله " . كانوا أربعة يرتدون مناديل بيضاء ، ويحيطون بالعربة .
ـــ من هذه ؟
ــــ إنها خطيبتى .
ـــ إلى أين ؟
ـــ لتتمم مراسم الزواج .
ـــ وانت !
ـــ أقود العربة .
ـــ لست متزوجة ؟
ـــ متزوجة . أوه . . أعنى لست أدرى .
ـــ ماذا يشتغل زوجك ؟
ـــ لست ادرى . آه ! سائق عربات .
ــــ أنت مريضة .
ـــ أبدا .
ــــ ستذهبين معنا ، وانتما أيضا .
ـــ سنتمم مراسم الزواج .
ـــ سنستضيفكم جميعا .
قالت القائدة وكأنها تتحدث لنفسها .
ـــ إنى ذاهبة إليه .
ـــ من ؟
ـــ زوجى . اه . . أعنى . ـــ ستجدينه هناك .
سرنا . بدأت الرحلة الحقيقية . كانت ردهة المستشفى تعيش فى خيالى ، وتتسع مساحتها أكثر فأكثر . وذلك المقعد الذى جلس عليه زوج القائدة يكبر حجمه ويتضاعف . وتذكرت المساء وهو يهجم ، والضوء يتسلل ، والنزلاء يهرعون الى الداخل خوفا من صفارات الانذار . وتعثرت . . تعثرت ، ونظرت الى القائدة . كانت نظرتها تشتعل فأدركت أنها مريضة . قلت لها :
ـــ لا تخافى .
ـــ كيف ؟
ـــ سنجده فى الردهة ، فى الاوقات المسموح فيها بالجلوس .
قالت :
ـــ بلغه تحياتى .
ـــ سترينه معى .
ـــ ساكون فى مستشفى النساء .
ـــ اه لقد نسيت أن هناك مستشفى خاصا بالنساء . لقد نسيت ، وأضعت شيئا من عقلى .
