الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4 الرجوع إلى "الفكر"

الطيور الحزينة

Share

ليس هناك ما يدل على أننا نقترب من ورشة الاصلاح ، وقد بدأ الخوف يسيطر على أعصابنا . من الجائز أننا سلكنا طريقا آخر ، ودخلنا متاهة بلا نهاية . وستصبح الامور معقدة أكثر عندما تتآكل عجلات العربية ويتهالك الحصان الذى لم يذق علفا منذ ثلاث وجبات ، أخذ اللون الرمادى يكتسح المساحات المترامية أمامنا وعلى جنبات العربة ، وأدركنا بالغريزة أن الليل بدأ يتبدد ببطء ، وأن النهار سيدلنا على الاتجاه السليم . كنا نسمع أنفاس بعضنا تقطعها كلمات الزجر الخارجة بلا انتظام من فم الرئيسة ، وكلما تلكأ الحصان فى السير كلما اضطربت كلماتها اكثر .

ليس الحصول على عمل بالامر السهل ، فلا بد من اجراء عمليات حسابية لا حد لها ، وقد يخفق المرء آخر الامر . هكذا كنت أفكر ، وكان التفكير فى الايام السالفة التى قضيتها بلا عمل يريحنى من التفكير فى المستقبل ، وقد أنسى العربة والرئيسة ، والمرأة الهامدة قربى ، وورشة الاصلاح . الحصول على عمل يستوجب ضغوطا وتنازلات كثيرة ، أن تقف أمام الحاجب باحترام مبالغ فيه ، وأن تحنى رأسك فى المناسبات ، وأن تلبس ياقة نظيفة وقميصا

مكويا ، وحذاء لامعا . المهم هو ان تحنى رأسك مرات متتالية وتعلن عن هويتك ، وعن البلدة التى ولدت فيها ، وعن الناس الذين تعرفهم ، والمبادئ التى تؤمن بها ، وكذلك إرشادات إضافية عن زوجتك . إنه يعرف أن هذه المظاهر لا يضبطها قانون ، ولكنها موجودة كأنها الطبيعة ، أو الغريزة ، فكل الناس يمرون من هذا الطريق ، وقد نصحه الكثير أن يفعل ذلك . وفعلا كان يجرب أحيانا ، ولكنه فى كل مرة ينسى بعض الجزئيات ، فتسقط مساعيه وتبدأ المتاعب .

وجد نفسه صدفة فى ذلك المستشفى . قيل له بعد الفحوص المختلفة : ـــ أنت مريض .

قال لهم :

ـــ  طبعا . . لولا ذلك ما كنت هنا .

سألوه بخبث :

- أأنت متأكد من ذلك ؟

أجاب دون أن يعبر اهتماما لما يقول :

ـــ لست ادرى .

سألوه :

ـــ هل تعرف كثيرا من المصابين بهذا المرض ؟

ـــ كل الناس تقريبا .

ـــ كل الناس ! أوثق أنت . . أذكر لنا بعض من تعرف .

نظر فى وجوههم .

ـــ هل أنتم متيقنون بأنكم لستم مصابين ؟

ـــ كل اليقين .

ـــ إذن لقد كان كلامى مغلوطا .

تلقي العلاج ، خف اليه كثير من الممرضين ، تعاقبوا عليه . كانت سحناتهم تدل على أنهم لم يصابوا الا بمرض واحد لا يستدعى علاجا ولا فحوصا . كانوا يحتفظون به فى بيت مغلق بعيدا عن الآخرين . كانوا

يخافون من العدوى . الكلام ممنوع ، وكتابة الرسائل ، وتلقيها ، والحديث مع الزائرين . كل شىء يكاد يكون ممنوعا ، إنهم ممرضون من صنف عال .

هناك . . فى المستشفى تعرف عليه . . عرف زوج القائدة . . فى الآرية الميجة كانوا يجلسون على مقعد حديدى مستطيل . بدأ ذلك عندما أخذت الامور تنفرج ، وتسقط نسبة الداء . . ظهورهم متلاصقة فلا يرون وجوه بعضهم . هناك عرف زوج القائدة .

ـــ ما اسمك ؟

ـــ فلان .

ـــ ماذا تفعل هنا ؟

ـــ قيل إننى أتلقى علاجا .

ـــ هل جئت بمحض إرادتك ؟

ـــ لا .

ـــ كيف ؟

ـــ كنت مارا فحملونى .

ـــ ماذا قلت لهم ؟

ـــ لم أقل شيئا .

ـــ هل أحسست بأن حالتك تتحسن ؟

ـــ لست أدرى  .

ـــ هل أنت من العاصمة ؟

ـــ لا  .

ـــ سيطول العلاج ؟

ـــ لست ادرى . إن المرضى يأتون صدفة ، ثم يخرجون صدفه .

ـــ هل تؤمن بشىء   .

ـــ إن الاحداث قاسية جدا .

قالت لى المرأة : ـــ هل تظن أننا قطعنا شوطا من الطريق ؟

تصدت القائدة .

ـــ ليس هذا المهم .

ـــ لعلنا نصل قبل سقوط الليل الى الورشة !

ـــ إننا على أية حال لن نجده . لقد فات الموعد  .

ودون سابق انذار بدأت المرأة تسعل سعالا متواصلا :

ـــ ضع يدك على رأسك .

كانت ترتجف  .

ـــ إنها الحمى . . بوادر فقط . . عندى دواء .

ـــ هجمت على فجأة .

ابتسمت ثم عاودها السعال .

ـــ إنه لا شك يترقب .

قالت القائدة .

ـــ إنه زوجى أنا .

ـــ على أية حال . إنه يشغلنا جميعا . لكن المكان ليس آمنا . قد يكونون عثروا عليه . وقد يكون اعترف  .

ـــ إنه لن ينهار .

ـــ إنه زوجى أنا .

ـــ أجل .

بدأ التعب يهد قواى ، وكانت القائدة ما تزال ثابتة فى مقعد القيادة ، وكانت الاخرى تسعل بجانبى ولم أكن متيقنا فيما إذا كانت الدابة قد توقفت عن السير .

كان ذلك المستشفى من طراز خاص ، ومن الفظيع أن أحيا مرة أخرى ذلك النمط الوحشى ، وان أتذكر تلك المعاملة الخاصة . كانوا دائما لنا بالمرصاد . عيون بلورية ، وسحنات صلبة ، مستعدون لمدك بالمرهم اللازم ، فى آخر الليل ، وفى الفجر ، وحتى فى منتصف النهار تصلنا صيحات حادة مستنجدة فندرك أنها عملية جراحية ، ومن الغريب أن كل المدعوين الى المستشفى

تجرى لهم هذه العمليات . وكان هو . . فلان . . من أولئك الذين سقطوا تحت المبضع يخيل لى اننى سمعت استغاثاته فى آخر الليل . إنه هو ، وحق السماء . كان صوته يشبه حشرجة ثور يذبح . لا أدرى كم بقى تحت المبضع ، ولكننى عندما التقيت به بعد أيام ، كان يعرج دون منازع .

ـــ كل شىء على ما يرام .

ـــ كانت عملية ناجحة .

ـــ آه .

ـــ رأيت النجوم . كانت باردة ، وكانت خافتة . .

ـــ يخيل الى !

ـــ كنت تحلم . .

ـــ إنه حلم مزعج ، ولكنه واضح كالنهار .

ـــ لا تحاول أن تعرف .

ـــ عيناى كانتا مفتوحتين .

ـــ كنت تحلم .

ــــ كأنه عواء ذئب ، وكأنني فى صحراء .

ـــ هل مررت بقسم الجراحة ؟

ـــ إنى انتظر دورى .

ـــ سيكون ذلك بلا إنذار . وستكون الجراحة بلا تغييب .

لست خائفا .

ـــ إنه شىء لا بد أن يحدث ، كما يعوى ذئب فى الخلاء ، ثم إن الأنات تتفاوت . لكننا عندما نلتقى يسقط نظرنا على الارض ، ولا يتجاوز أقدامنا ، وكان فلان يجلس بجانبى بحذائه المهترىء ، وقميصه الفضفاض ، ولحيته الكثة .

ـــ لا يجب أن نتحدث .

ـــ  آه .

ـــ المستشفى كله آذان ، ثم ماذا ستقول ؟

ـــ أفكر فى الهرب .

ـــ أنت مجنون .

ـــ قسم الجراحة شىء فظيع .

ـــ ألم تسمع طيلة البارحة . لا . لا . عفوا . لم أقل شيئا . إنها الذئاب .

ـــ أجل إنها الذئاب .

ثم اختفى ، لم أره منذ ذلك الوقت . كان يعرج ، وكانت يداه هزيلتين ، وكان نظره باردا كالثلج ، لم يعد يأتى الى ردهة المستشفى . أخذ قسطه من العلاج ، ولن يعود الجنون الى رجل يعرج .

قلت للممرض خلسة .

ـــ  ألم تره ؟

ـــ من . إنهم كثيرون .

ـــ ذاك الذى به عاهة .

ـــ أنت أيضا لا تخلو من عاهة .

ـــ أعنى ذلك الذى يعرج .

ـــ إنهم كثيرون .

ـــ لكنه يرتدى قميصا فضفاضا ، ولحيته كثة ، ويعرج الى اليسار .

فهمت

ـــ أين هو ؟

ـــ قد يكون ذهب بدون رجعة .

عندما يسقط المساء فى الردهة الكبيرة ، وتبدأ الاضواء الآتية من بعض النوافذ العالمية الشبيهة بالثقوب فى الاختفاء ، نبدأ عملية الانسحاب قبل أن تطلق الصفارات العادية . كل النزلاء يقشعرون من صفارات الممرضين ، ويتجنبون النظر اليهم فهم مستعدون دائما لان يحققنوا الشخص أصنافا من الادوية النادرة .

حينما يتسلل كل النزلاء إلى الداخل تبقى الردهة فارغة ، وتهبط عليها ببطء ظلال المساء ، وسرعان ما تصبح سوداء معتمة .

صهلت الدابة ، ثم توقفت عن السير ، وأطلقت القائدة سيلا من الكلمات لا رابط بينها ، ونهضت مستعينا بيدى على لوح العربة . كانت الارض

جرداء ، وفى الافق تبدو خيالات كالسراب . نظرت الى المرأة المستلقية قربى . كانت جامدة كأن الامر لا يهمها . كانت لها مشاريع وبدأت تنهار ، كنت كلما مررت بجانب منزلها استوقفتنى .

ـــ أوف . . ماذا تنتظر . متى سنتزوج ؟

ـــ أنتظر الحصول على عمل .

ـــ نستطيع القيام بكل شىء ، ثم ننتظر .

ـــ لا بد من المال يا عزيزتى  .

ـــ المال ! الزواج شىء والمال شىء آخر .

ـــ هه !

ـــ إنها مماطلة !

ـــ وحق الرب . لا .

ـــ وحق الرب إنها مماطلة .

ـــ حين أجد عملا . . آه !

ـــ إنك لا تريد الرضوخ للطاحونة .

ـــ اهترأت الطاحونة ، ولا أحد يتوقف حتى لمجرد النظر اليها .

ـــ ولكنها باقية وهي لا تطحن .

ــــ إنها تطحن ، ونحن ننتظر . تف .

كانت تظن أن الانتظار لن يطول أكثر مما طال ، وفى الورشة ستبدأ حياة جديدة ، ونقوم باجراءات الزواج ، إنها تنتظر شيئا واحدا ، أن تقول القائدة : " أوف ! انتهت الرحلة ، وبلغنا الهدف " .

كنت اؤمن بأن القائدة ستجد فى النهاية حلا يمكننا من مواصلة الرحلة ، فبينها وبين الدابة اتفاق دائم ، وليس من الضرورى أن أغادر ظهر العربة لأعينها فى شىء ، فهى أولى بملاطفة الدابة وحثها على السير . شاهدتها وهى تثب من فوق العربة ، وتقترب من الحصان ، وتربت على عنقه ، وتدور حوله كالذبابة ، وهو متكاسل وأذناه مرتخيتان . ثم عاد يصهل . انفرج الامر . وثبت القائدة الى ظهر العربة وهى تبتسم " أى . أو . . أى . . " لم تتحرك العجلات ، ولم تتزحزح قيد انملة . عادت القائدة الى الصياح ،

والشتم . هبطت ، وصعدت . فى هذه اللحظة عمدت الى ركل المرأة الممددة بجانبى  .

ـــ إنك تعيسة حقا !

ـــ  لماذا تركلنى ؟

ـــ انتهت الرحلة .

تمططت فى مكانها ، رفعت رأسها ، وسقطت من جديد فى شبه غيبوبة ، عندما ركلتها مرة أخرى لم تتحرك ، ولم تعرفنى اهتماما . ركلتها ركلا متواليا . وكانت القائدة من ناحيتها تحث الحصان ، وترفع السوط بكل ضراوة ، وتنزل به على مؤخرته . تكررت العملية مرات متتالية . قلت لها :

ـــ إن الضباب ينتشر .

ـــ ولعل المطر سيعقبه .

ـــ ماذا نفعل ؟

ـــ إنه لن يترقب ، وربما ادركوه ، وحملوه مرة اخرى الى المستشفى .

ـــ أتظنين ذلك ؟

ـــ إنهم كلاب جائعة .

ـــ اعرف ذلك .

ـــ كيف سنقضى الوقت ؟

ـــ فرغنا من كل شىء ، ولم يبق الا هذا .

ـــ ألن تعود هذه الدابة الى السير ؟

ـــ كم يفصلنا عن الورشة ؟

ـــ  ثلاثون أو أربعون كيلومترا .

ـــ من الاحسن أن ننتظر .

ـــ سنواصل السير على الاقدام .

ـــ وهذه إن ساقها متورمة .

ـــ ستحملها على كتفيك ، وسأعينك .

ـــ أتظنين ذلك ؟

ـــ إنه حل مؤقت على أية حال .

ـــ أو سنجده ؟

ــــ أوه !

ـــ ربما بلغوه قبلنا .

ـــ جائز .

ـــ كل شئ جائز يا قائدة .

كان الاعياء يدب فى دماغى ، وكنت عاجزا عن تبديل خطواتى ، وتوسلت للقائدة أن نمكث هنا حتى تثوب الدابة الى رشدها ، ونسافر من جديد . كانت نظرتها قاسية ، وكانت مستعدة أن تتقدم وحيدة فى طريق الورشة . قلت لها :

ـــ أتحبينه ؟

ــــ إنها اللعنة .

ـــ متى أصيب ؟

ـــ هذه الأشياء لا بداية لها .

ـــ أهو مصر ؟

- . إنه رجل عنيد .

ـــ وعلاقتك به بعد أن أصيب ؟

ـــ إنه زوجى .

كانت الاخرى متمددة ، والضباب يدركنا بسرعة ، اقتربت منى القائدة .

ـــ ألا تسمع شيئا ؟

ـــ إنه الخلاء .

ـــ أتحبها ؟

ـــ كان لنا مشروع زواج .

ـــ أما زال قائما ؟

ـــ لست أثق فى احداث الغد .

- أنت خائن .

ـــ إنها هنا معي . أليس هذا دليلا على وفائى

ـــ آه . ! لو لم أتزوجه !

تمطط الوقت ، واقتربت من القائدة أكثر ، وانتفضت الاخرى ، والتصقت بناء صهل الحصان . قفزت القائدة . " الحمد لله " . كانوا أربعة يرتدون مناديل بيضاء ، ويحيطون بالعربة .

ـــ من هذه ؟

ــــ إنها خطيبتى .

ـــ إلى أين ؟

ـــ لتتمم مراسم الزواج .

ـــ وانت !

ـــ أقود العربة .

ـــ لست متزوجة ؟

ـــ متزوجة . أوه . . أعنى لست أدرى .

ـــ ماذا يشتغل زوجك ؟

ـــ لست ادرى . آه ! سائق عربات .

ــــ أنت مريضة .

ـــ أبدا .

ــــ ستذهبين معنا ، وانتما أيضا .

ـــ سنتمم مراسم الزواج .

ـــ سنستضيفكم جميعا .

قالت القائدة وكأنها تتحدث لنفسها .

ـــ إنى ذاهبة إليه .

ـــ من ؟

ـــ زوجى . اه . . أعنى . ـــ ستجدينه هناك .

سرنا . بدأت الرحلة الحقيقية . كانت ردهة المستشفى تعيش فى خيالى ، وتتسع مساحتها أكثر فأكثر . وذلك المقعد الذى جلس عليه زوج القائدة يكبر حجمه ويتضاعف . وتذكرت المساء وهو يهجم ، والضوء يتسلل ، والنزلاء  يهرعون الى الداخل خوفا من صفارات الانذار . وتعثرت . . تعثرت ، ونظرت الى القائدة . كانت نظرتها تشتعل فأدركت أنها مريضة . قلت لها :

ـــ لا تخافى .

ـــ كيف ؟

ـــ سنجده فى الردهة ، فى الاوقات المسموح فيها بالجلوس .

قالت :

ـــ بلغه تحياتى .

ـــ سترينه معى .

ـــ ساكون فى مستشفى النساء .

ـــ اه لقد نسيت أن هناك مستشفى خاصا بالنساء . لقد نسيت ، وأضعت شيئا من عقلى .

اشترك في نشرتنا البريدية