الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

الطيور الحزينة

Share

ذلك الحصان ! لو يتخيل المرء تلك الدابة الهرمة التى تتقدم ببطء فى اتجاه كومة الضباب الجاثمة على حاشيتى الطريق

لقد نسينا دائما قبل السفر أن نتوجه بكلمات وداع الى المحيط الذى نهم بمغادرته " .

أما الحصان فهو يشق طريقه دون تألم ، كأن العربة التى يجرها ، والثلاثة اجسام الملقاة المتهالكة فوقها لا تعنى بالنسبة اليه شيئا . لا أحد يلوك في دماغه قليلا أو كثيرا من الذكريات كأننا فرغنا من كل شىء نظراتنا لا تلتقي إلا صدفة ، وضربات حوافر الحصان ، وقزقزة العجلات الخشبية تزيد من استسلامنا ا الى الحياد . ليس هناك أى هدف سوى الوصول الى ورشة الاصلاح .

كنا رجلا وامرأتين نناهز جميعا الثلاثين دون تحديد ، اذ لا أحد منا باستطاعته ضبط عمر الآخرين . منذ بداية الرحلة تولت احدى المرأتين قيادة العربة ، وهي كأنما فعلت ذلك عن قصد ، كأن تقطع الصمت عندما يصبح لا يطاق بكلمة تطول أو تقصر حسب الاقتضاء

هذه الطرق ! مهزلة أيامنا هذه . أوف !

عندما لا يتكلف أحد منا بالتعليق يستمر السير كأن العربة تنتقل وحدها في ذلك الليل . كان وضعنا غريبا . فقد كانت قائدة العربة بعيدة عنا الى الامام بما لا يقل عن ذراع ، وكنت أنا والمرأة الأخرى جالسين في المؤخرة كأنما نحن فى استعداد دائم لتقبيل بعضنا .

فجأة أخذت القائدة تضحك ضحكا متواصلا غريبا ، وتوقفت العجلات عن الدوران ، وتجمد الحصان دون سابق انذار .

- لماذا فعلنا هذا ؟ . تف وعاودها الضحك من جديد - ليس هناك تفسير ! أوه ! أهناك تفسير ؟ أوه ! لم أكن مستعدا للاجابة ، فى حين تململت المرأة الجالسة بجانبي - لقد فعلنا ذلك . . - اسمحي اذن أن أقهقه . لماذا لا تتكلم أنت ! تف . . اسمحا اذن إنها لفرصة أخيرة . . أيها الضباب! - لكأن الضباب يتجمع على كبدى . أحس بالمغص.

: استلقيت على ظهرى ، وغرزت نظرى فى الفضاء . السماء داكنة ، والنجوم غارقة فى اكداس الغيوم ولعلى لم أعد أشعر بمصير العربة والطريق

القائدة امرأة شجاعة . . عصبية المزاج ، نبرات صوتها خافتة أحيانا ، وجادة أحيانا أخرى ، ولكنها لا تخلو من بعض الجمال ، وكم تمنت أن تصل الى قمة السعادة عن طريق زوجها . هذا الرجل الغارق فى الوحل حتى أذنيه إنه نموذج الانسان الشرس ، المتحفز دائما ، حتى إنه كان باستمرار على استعداد لفتح باب أو غلقه دون موجب . فالدار التى يسكنانها عرضة الى الخبط والنفض في كل لحظة . يدفع امرأته أمامه ، ويجبرها على الركض من زاوية الى اخرى ويكلفها بأعمال متفرقة متلاحقة ، اعتبرته فى بعض الاحيان طفلا لاهيا ، وأحيانا أخرى حيوانا فظا ، وقد لا تفكر فيه أياما طويلة

قالت له ذات مرة : - لن أغسل أقمصتك وسراويلك ثم استمرت تنظف له ثيابه ، وقد تعيد غسل القميص الواحد مرتين فى اليوم . - إن غسل الأقمصة يرطب قشرة اليد لم تترك أبدا النقاش يتواصل بينهما ، وتفاديا لكل شكل من أشكال العنف تقضى قيلولتها مستلقية فوق كومة من التبن المعد للحصان ، رغم

ما يسبب لها ذلك من اشتعال خانق ، رغم هذا أعطى لها زوجها شيئا ثمينا تفخر به أمام الاجوار.

- يمكن لك أن تغادرى المنزل ، وأن تعودى اليه متى شئت .

القائدة لا تعود اذا طاب لها السهر الا مع طلوع الفجر ، تعود منهكة وتتهالك فى ركن من أركان الدار ، وزوجها لا يوقظها الا اذا أراد أن يدخل معها الفراش ، آنئذ يتقدم منها ويركلها برجله مرات متتالية ، ويجرها من يدها الى حيث يريد . هكذا تبدو فاقدة لحريتها عندما تكون فى المنزل . من أجل ذلك تسرع دائما فى الخروج ، وهي باستمرار على أهبة السفر.

هى التى تجلب العلف للدابة ، وتشرف على علاقات البيع والشراء ، وتسدد الديون ، وتقترض المبالغ التى تنقصها ، وتجهز البيت ، وتشغل البنائين والعمال اذا كانت فى حاجة الى ذلك.

عندما تستلقي على كومة التبن ، يظل نظرها عالقا بالدابة لحظات طويلة تتفرس فى حوافره وفي شعره الاحمر المتساقط وفي أذنيه المتهدلتين . إنه رمز الانهيار . وعندما يشرع فى التقاط الشعير لا يستطيع أن يحافظ على الحب داخل فمه فيظل متساقطا باستمرار.

" لقد هرمت الدابة " ومع ذلك تصر على إدخال رأسها فى السطل لابتلاع الشعير ، وما من احد يشك في أنها تلاقي ألما كبيرا فى معدتها أثناء الهضم . لقد شحب وجه الدابة . . مسكينة الدابة . . هذه الدابة ! . وفي الصباح يبدو جليا أن الشعير قد سقط من جوفها حبا كاملا.

- لماذا لا تعود الى غربلته ، وتقديمه من جديد اليها ؟ هذه الدابة حيوان غبي . . غبي الى اقصى حد . . إنه الوهم يا زوجتى . . لقد انهارت قوائمها يا زوجتى.

أيام الشتاء تبزغ الشمس متأخرة ، ولا نستطيع طرد الضباب ولا مقاومة البرد ، وقد تتهاطل الريح بسرعة وبعنف.

- سوقى الدابة الى ساحة " البروتوكول " . هنا تبدأ عملية وضع " الالباد " على ظهر الحصان ، وشد العربة اليه مع لغط كبير متواصل " أوه . . أوه . . ووه " وتضحك الزوجة فى داخلها وتظهر أسنانها صافية بيضاء .

- إنك جميلة وذات أسنان رائعة ما تأثرت القائدة مرة واحدة بكلمة من هذا القبيل ، فكلمة جمال لا يطلقها زوجها الا عندما ترفع طرف فستانها أو تنفرج رقبة قميصها قليلا.

إنك جميلة وذات ساقين رائعتين . . إنك . . وذات شعر فاحم . أتصدقه ؟ هذا الوجه اللاهث ، وهذه النظرات الخاسرة . إن ما يميزه عن الدابة هو أن هذه الاخيرة صامتة لا تصهل ولا يركبها الجنون ليس لاول مرة يبرز اعوجاج هذا الرجل الى اليسار . فكلما اقترب من الدابة وشرع فى ترتيب الاحلاس تبين انه مائل الى الجهة اليسرى وان يعانى شذوذا بدنيا . كيف لا تتذكر دخوله المستشفى وكان الوقت صيفا ؟ كيف لا يعود الى ذاكرتها إقباله بنهم على الماء يعب منه كميات مهولة كالدابة . وكانت بطنه تبرز أمامه قذرة مزعجة . كل شىء بدأ بتناول الماء لمقاومة العطش . كل شىء كان طبيعيا . . ثم جاء العطش ، وشرع ينهل وهو لا يدرى أن ذلك سيطبعه الى الابد .

دخل المستشفى وهو يدفع بطنه أمامه . . ثم خرج منه مائلا الى اليسار بكل قامته .

- إنهم أوغاد . . أية معاملة . . أدخلت المستشفى أم السجن - لقد مارسوا على سلطانهم كان الوقت صيفا ثم خرج عند حلول الخريف. - المستشفيات شبيهة بالاصطبلات.

عندما ابتعد عن المستشفى عرف أن حرارة الطقس قد انخفضت ، فالعرق لم يسيطر على جبهته ورقبته . ساده نوع من الاطمئنان ، وكانت هى تتأبطه من ذراعه وتحس بأنها تعرج معه رغم أنفها الى اليسار .

- أأخرجوا الماء من بطنك ؟ تغرز عينيها فى ساقه اليمني ، وتحاول التسلل بنظرها الى المكان المصاب من بدنه ، ولكنها لا تعثر عليه فتستطرد - أحقا أجروا عليك أكثر من عملية ؟ لقد كنت رائعا وانت تتناول الماء باستمرار ، كنت كالشاة أو كالجمل . لا . . كنت حيوانا مفترسا .

لم يعد نسق خطواته طبيعيا ، إنها مدركة لذلك ولكنها لا تريد الاساءة اليه مباشرة .

- ماذا فعلوا معك فى المستشفى ؟ تحس عند التصاقها به أنها فى حاجة اليه ، وانه لم يباشرها احد غيره حتى إنها كانت هائجة الاعصاب متوقدة. - لقد اعددت لك شيئا مما تحبذ ، سنتعشى الليلة ، ونرقص على انغام العودة احمر وجهها ، لقد ارتكبت خطأ ، أهو فى حاجة الى الرقص ، وهل يستطيع أن يبدل خطواته وهو يعرج ، هل أدرك أنها أساءت اليه ؟ - اذا شئت سوف ننام باكرا.

التصقت به اكثر . إن رطوبة الخريف تسمح لها بالانكماش والاستناد على كتفه ، وهما يقطعان المسافة الفاصلة بين المستشفى والمنزل ، معه حق . إن المستشفى يشبه ورشة كبيرة ، ولا تكون الورشة الا مصدر قلق وتعذيب  وبعد ، لقد قضت مدة غيابه فى وحدة خانقة . . وكانت تضع صورته أمامها وتتخيل آلاف الاشياء . . ثم تنام وهى خائفة غاضبة . لكنه يعود اليوم وسيحتلان الفراش معا ، ويأنسان لبعضهما.

أفكرت في المنزل ، أفكرت في شىء طوال هذه المدة ؟ لم تعرف حتى ذلك الوقت لماذا يعرج ، وما سبب ذلك ، فهو يتكلم فى كل شىء ولكنه لم يذكر مرة واحدة ماذا حدث له ، ولم تجرؤ هي على الالحاح في السؤال . عندما أخذه النعاس كان يئن ، واستمعت هي الى أصواته الحانقة فى حرج ، ثم أرادت أن توقظه ، ثم استقر رأيها على ألا تفعل ذلك . كانت الغرفة هادئة لولا تلك الأنات . والسماء تظهر من خلال النافذة المفتوحة زرقاء تبرق فيها نجوم صفر وفى الخارج لا شىء . حتى الحصان كف منذ لبال عن الصهيل ، وأصبح ينام باكرا . إن معاشرتها لهذه الدابة تبدو أكثر متانة من معاشرتها لزوجها ، ولعل لزوجها نفس الرأى فكلما غضبت من زوجها دخلت بيت الدابة ، واستلقت ساعات طويلة فوق كدس الحشش اليابس . لا . لقد كانت الليلة غير هادئة لان النجوم صفراء أكثر من اللازم ، ولان الصمت فى الخارج مقلق ، وزوجها لا يكف عن الأنين.

" ماذا فعلوا له ؟ مستشفيات اليوم كالاصطبلات المهملة ".

عادت الى ذاكرتها قصص كثيرة عما يحدث فى المستشفيات . الممرضات لا يهمهن أمر المصابين ، وقد يموت الواحد مرتين فى اليوم دون أن تقدم اليه قطرة ماء . " هذا المجتمع الخنزير " وأحست أنها تمشى الى الوراء بذاكرتها مثلما تمشى كل القطاعات العامة فى منطقتها . ومع أنها لا تقرأ الجرائد الا يوما واحدا فى الاسبوع حتى توفر لنفسها شيئا من المال ، فإنها تعرف بالبداهة أن الامور فى كل القطاعات فاشلة ، أو هي فى طريقها الى الفشل . لقد ارتفعت أثمان الخبز وكل المواد المختلفة .

"مرفصل كامل دون أن أذوق طعم الغلال ، مسكين أترى قدموا له شيئا من الفاكهة أثناء إقامته بالمستشفى . هل نحن فى زمن الحرب ؟ ".

تململت في فراشها ، وودت لو تضع سدادا على فم زوجها .

لقد عذبوه فعلا . المستشفيات اليوم ! وربما لم يكن له الحق فى التنفس ، وربما غادر بيت التمريض خفية بإعانة من اصدقائه . وربما هم بصدد التفتيش عنه ! " .

كم هي تحقد عليهم حينما يضعون ملابس بيضاء مصطنعة ، ويتظاهرون بمباشرة مرضاهم ، وكم هم يكذبون ويلصقون الاعلان تلو الآخر على جدران المدينة " المستشفى فى خدمة الجميع ".

تذكرت كيف حملوا منذ شهور جارهم دون سابق إنذار ، مدعين أنه مصاب بمرض خطير لا بد من معالجته حتى لا يتسرب الى الاجوار ، ومن ذلك اليوم لم تره ، وكلما سألوا عنه قالوا : إنه فى غرفة خاصة . إنه مريض أليس كذلك ! والمرضى فصيل يجب أن يعامل على حدة . يقينا ان زوجها يعرف الآن أشياء كثيرة عن هذه " الورشة " الحقيرة . فقد خرج منها وهو يعرج نتيجة الرعاية الفائقة . بصوت خافت شكرت السماء على أن زوجها يعرج الى اليسار وليس الى اليمين.

حين تململت مرة أخرى بجانبه ، وضعت كفها على ذراعه ، فشعرت بعرق بارد لزج يغطي كامل قشرته ، وأحست كأنه يلهث لهاثا متواصلا فاختنقت فجأة ، ولم تدر ما إذا كانت تود البكاء أو هي على أبواب الغثيان .

أفقت حين حركتني بقوة المرأة القريبة منى ، وأشارت بإصبعها فى اتجاه الظلام . . لم أميز شيئا فى البداية . . ثم ادركت.

- إنه كلب - عجبا ! - ولم ؟ - كنت أظنه ممرضا - ممرض فى هذه الناحية ! فى هذا الوقت ! - إنهم فى كل مكان . . إن مهنتهم . . أوه . . الشريفة كما يقولون تدفعهم الى تتبع المرضى - أى مرض تعنين ؟

- معك حق أنت بائع حلويات . . لم تفكر أبدا فى غير الحلوى . . انت بائع حلويات . . أنت رجل لا يشك فى صحته . . هل تحدثت مرة واحدة مع ممرض ؟ ثم أصبحت بعدئذ نادلا فى مقهى " المستقبل " . آه . . أما زالت حيطان ذلك المقهى على حالها من السواد والرطوبة . . والكراسى مهددة بالسقوط ، والماء يتجمع كل مساء تحت الطاولات ويكون بركا متعفنة ، وما زال الناس يلعبون الورق المهترئ اللزج.

كان حقا بائع حلوى ، ومن أجل الكميات التى ابتلعها مجانا نخرت اسنانه ، واشتكى أمراضا مختلفة بمعدته . هرب بجلده وظل شهورا يخيل اليه انه مريض بالسرطان أو بوباء الكوليرا ، أو بالتيفوس ، ويقضى ساعات فى البكاء والتأوه . لقد خرج صفر اليدين من معمل الحلوى . إنه وهم . كان يظن أنه سيصبح ثريا ، أو على الاقل صاحب منزل فى ناحية محترمة من المدينة . يتذكر جيدا كيف كان يضع اصبعه على بطنه ، ويمررها برتابة " هذه البطن التى دفعتنى الى الافلاس " ويقيم المشاريع للانتقام من هذه المعدة . حاول أن يدخل فيها مسمارا ، ثم عدل عن ذلك خوفا من أن تتسمم امعاؤه . وعاد فهددها ودلكها بالزفت والوحل وعرضها للريح والبرد ولكن النتيجة كانت سيئة . كان حقا بائع حلوى ، وجلبه ضجيج المقهى . فغرس رجليه فى بركة ماء وانتظر وقتا طويلا ، وخطرت له فكرة . قال له صاحب المقهى :

- هل أنت منخرط فى الضمان الاجتماعى ، وهل لك طموح سياسي ،  وهل تؤمن بالرب ، وكيف اعرف أنك لست شيطانا ، ولست فوضويا كيف أتصور أنك مواطن صالح وتنتمي الى الاغلبية .

أجاب بأنه مواطن صالح اذ لم يضع مرة واحدة قنبلة زمنية فى سوق الغلال والخضر رغم ارتفاع الاسعار ، وافلاس قدرته الشرائية ، ولم يعر نفسه أمام البورجوازيين الذين يدفعون بطونهم أمامهم فى ساحة المدينة ، لم يفعل شيئا . . لم يتكلم . . لم ينبح . أغلق فمه وحافظ على ذلك ، الا يعتبر مواطنا صالحا . سأله :

- هل أقسمت يمين الوفاء ؟ وكم من مرة .

بدأت اعصابه تنهار وكاد يتفوه بكلمة بذيئة . لكن المسألة تعنى إيجاد عمل . وعادت مسألة الانتقام من بطنه تملأ دماغه " هذه البطن " . وجه اليها إصبعه كالسكين " هذه البطن الكلب " ثم غمغم " يمين الوفاء " . . لمن له ! . لو كان الامر يتعلق حقا بحفنة تراب الوطن لفجر دمه من شرايينه وصبه فوقه . إن المسألة تتعلق بالبطالة . أحنى رأسه.

- أقسمت يمين الوفاء . ضحك ضحكة صفراء ، عض شفته . قال له صاحب المقهى - شكرا . هل تملك بطاقة ؟ - بطاقة ! نعم . . لا . - نعم . . لا ٠٠ لا يهم . النادى قريب من هنا . وسنمكنك من بطاقة . كانت الفكرة ناجحة ما دام قد دخل هذه الحفرة ، وأصبح نادلا . ناجحة دفع ثمن البطاقة .

- لقد أصبحت مواطنا صالحا . . خذها . أنت مؤمن الآن بالرب . . أنت مؤمن الآن بالرب . عند اجتيازه عتبة المقهى ، أخرجها من جيبه ، ونظر فيها " فلان بن فلان . . مولود . . " بصق . " هذا المرض " . مزقها ورمي بها فى احدى البالوعات أمامه ، بعد أيام عرف أن غضبه كان طامة على مستقبله ، فقد وجهت له دعوة لحضور اجتماع طارئ مع الاستظهار بالبطاقة ، قال إنها ضاعت .

- وكيف ؟ - سقطت لا أعرف كيف ؟ - وكيف لا تعرف كيف ؟ - وكيف أعرف كيف ؟ انهال عليه البصاق والشتائم.

- لقد خسرنا من جرائك صوتا يا سى فلان . . لعنة الله على هذا الشكل يا سي فلان

عحبا أليس هناك مواطن واحد معرض فى هذه المدينة لضياع أدباشه ، أليس من المحتمل أن تسقط من جيبه أمواله ، وقد يسقط هو . الا يدركون هذه الامور . بقى رغم هذه الحادثة فى المقهى بعد أن خفض من مرتبه ورضى بالتخفيض.

" إنها هى التى تجرنى . . هذه الفاجرة " . بصق أمامه كأنه يبصق تجاهها.

" سأبقرك ذات يوم ". كانت الايام والليالي متشابهة ، ولكنها سائرة نحو التعقيد . سقطت منه ذات مرة آنية القهوة معبأة بالكؤوس . كان يرتعش ، وكان يعرف أن مثل هذه الحادثة لابد منها . رفع صاحب المقهى كأسا ورمى بها على وجهه.

- أضعت البطاقة لا يهم . ولكن محاولة افلاسى شىء آخر .

حين شعر بالدم يجرى من جبهته عبر حاجبه وخده ، لم يمسحه ، بل اكتفى بالوقوف لحظة أمام المرآة ، بعد ذلك تجاوزت قطرات الدم وجهه ورقبته ووصلت لثيابه ، ولكنه لم يكف عن التنقل رغم أن الزبائن بدأوا يشمئزون منه .

راقب صاحب المقهى المشهد ، وتجاهل بعض لحظات . ثم ضرب بقبضته على الطاولة .

- أخرج . ببطء شديد وضع آنية القهوة على " الكونتوار " واتجه نحو مقعد خال وجلس . صفق بيديه وطلب قهوة.

- ماذا تريد ؟ - أريدها مرة . . مرة كالدفلي - ألا تريد أن تغتسل وتواصل عملك ؟ - أريد قهوة يا فرسون.

كان يتحدث هكذا الى صاحب المقهى . . وتعالت القهقهات . بدأ الدم يجف ويتخذ شكل أديم تراب مقشر ، ولا شك أن صاحب المقهى كان يشعر بخوف اسود . فقد يثور هذا الوحش ذات لحظة ، ويقوم بأعمال تخريبية ، وقد يسدد اليه لكمات . حمل اليه كأسا .

- خذ . . إنها مرة . . مرة كالدفلى . تناولها فى جرعة واحدة ، وأدار وجهه نحو المرأة ، ثم ادار ظهره للكونتوار وخرج . فى حين توجه صاحب المقهى الى الزبائن بلهجة آسفة - لم أكن أعرف أنه فوضوى.

- للقصة بقية -

اشترك في نشرتنا البريدية