الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 6الرجوع إلى "الفكر"

الظرف بإلحجاز في العصر الاموي

Share

( 5 ) *

لم تكن مشاركة الشعراء في نشأة الظرف بالحجاز متمثلة فى اناقة الزى وحسن المظهر ولطف الشمائل وآداب السلوك ولا حتى فى خفة الروح وحذق فن التندر بقدر ما كانت تتمثل فى الجانب الادبى الفنى من الظرف ، وقد كان لهم فى هذا المجال أبعد الاثر اذ ساهموا مساهمة كبرى ) لا يدانيها الا اسهام المغنيين ( فى اذكاء حساسية القوم وتغذية عواطفهم وتهذيب أذواقهم ولا سيما فى نطاق النوادى والمجالس الادبية الفنية ، وذلك بفضل ما امتازوا به من ذوق وابداع

الذوق الفني عند الشعراء :

الشعر - وكذا الفن عامة - هو أساسا طبع ثم صناعة أى تصفح جاد للآثار الشعرية الممتازة ، وممارسة دائبة للقريض بغية الاقتداء بالفحول من الشعراء أولا . ثم منافستهم والخروج عليهم بانتهاج مذهب خاص مستقل يبتكر ابتكارا .

على أن للظروف الاجتماعية أثرا كبيرا فى توجيه قريحة الشاعر وتحديد مذهبه الشعرى ، فضلا عما لها من دعم وتوكيد واخصاب او عرقلة لطبيعته الفنية .

لقد كان الوضع الحضاري الجديد في الحجاز فتحا على مستوى الفكر اجمع ولا سيما الشعر ، فازدهر خاصة فى مكة ، وشب بين قريش من الشعراء افذاذ ذاعت قصائدهم وزادها شهرة وانتشارا ترددها على أفواه المغنيين .

لم يكن بمكة فى الجاهلية شعراء معدودون وإذا هي - بفضل هذا التحول الحضارى وتزعمها لحركة التجديد فى الشعر - تحظى بالصدارة وتضحى مركزا ادبيا قوى الاشعاع

لقد سبق ان قلنا ان العوامل الحضارية الطارئة فى الحجاز - من ثراء وفراغ وأمن واستقرار واتصال بالاعاجم العريقين فى الحضارة - قد أثرت فى حياة الناس تأثيرا عميقا تأثيرا بلغ أحيانا من العمق حدا يصح القول معه انه حول نقطة ارتكاز الشخصية الحجازية واعطاها وجهة جديدة ، فانصرف الناس الى الاستمتاع بطيبات الحياة ، وعنوا باللهو شعرا وغناء ومزاحا .

والشعراء ) وكذلك المغنون ( بطبعهم وبحكم حساسيتهم المرهفة ونمط حياتهم الخاص أشد الناس تأثرا بهذه البيئة الجديدة ، وأكثرهم تجاوبا وتفاعلا معها .

وكان من أثر هذه البيئة المترفة اللاهية ان ضاعفت ما خص به الشعراء من حس جمالى فهاموا بالحسن فى شتى صوره هياما ، واروع الحسن عندهم حسن المرأة فانهمكوا فى عشقها ، كل على طريقته ، دون مبالاة بما يعترض طريقهم من عوائق ومخاطر ، قد هانت في سبيل الحب الانفس واثمن ما يعتز به وجوه القوم يومئذ من منزلة وجاه

وبلغ الولع بالجمال وسلطان الحب على النفوس مبلغا أصبح الشعراء معه - بعض الشعراء على الاصح - ينظرون الى الحياة نظرة جمالية صرفا تتسم عند بعضهم بوعى واضح دقيق ، فروعة الحياة عندهم وفتنتها وقيمتها ومعناها فيما تنطوى عليه من جمال سواء كان مصدره الفن او الانسان

جاء فى الاغاني : " قال مصعب بن عروة بن الزبير : خرجت أنا وأخي عثمان الى مكة معتمرين او حاجين ، فلما طفنا بالبيت مضينا الى الحجر نصلى فيه ، فاذا شيخ ) عمر بن ابي ) ربيعة ( قد فرج بيني وبين أخي فأوسعنا له فلما قضى صلاته أقبل علينا فقال : من أنتما ؟ فاخبرناه فرحب بنا وقال : يا بني أخي انى موكل بالجمال أتبعه ، وانى رايتكما فراقني حسنكما وجمالكما . فاستتمتعا بشبابكما قبل أن تندما عليه . . " ) 1 ( .

وجاء أيضا : " . ان عمر بن ابي ربيعة كان يساير عروة بن الزبير ويحادثه فقال له : وأين زين المواكب ؟ يعنى ابنه محمد بن عروة ، وكان سمى بذلك لحماله ، فقال له عروة : هو أمامك ! فركض يطلبه ، وقال له عروة : يا أبا الخطاب اولسنا أكفاء كراما لمحادثتك ومسايرتك ؟ فقال : بلى . بأبى أنت وأمي - ولكنى مغرى بهذا الجمال أتبعه حيث كان ؛ ثم التفت اليه وقال :

اني امرؤ مولع بالحسن اتبعه

لاحظ لي فيه الا لذة النظر " ( 2 )

وهناك خبر آخر يتصل بالشاعر الحارث بن خالد المخزومي أبلغ دلالة على هذه النظرة الجديدة الى الحياة وادق تعبيرا عنها ، فلقد قرن الحارث بين الحياة والفن ورأى فى الجمال جوهر الحياة

قال مخاطبا الغريض وقد طرب لغنائه : . يا غريض لو لم يكن لي فى ولايتى مكة حظ الا أنت لكان حظا كافيا وافيا ! يا غريض انما الدنيا زينة فأزين الزينة ما فرح النفس ، ولقد فهم قدر الدنيا على حقيقته من فهم قدر الغناء ( 3 ) .

وقد يشتد الكلف بالحسن عند بعضهم فيلتقى الحس الجمالى بالروح الديني ويمتزجان ، واذا الحب ضرب من العبادة واذا العاشق ، وقد أخذه الوجد ، فى حال اشبه بحال المتصوفة ، أعجب به من متصوف استخفه الطرب فانطلق لسانه بالتجديف

جاء فى الاغاني " ان الثريا واعدت عمر بن ابي ربيعة أن تزوره ، فجاءت فى الوقت الذى ذكرته ، فصادفت أخاه الحارث قد طرقه وأقام عنده ، ووجه به فى حاجة له ، ونام مكانه وغطى وجهه بثوبه ، فلم يشعر الا بالثريا قد ألقت نفسها عليه تقبله ، فانتبه وجعل يقول : اغربى عني فلست بالفاسق أخزاكما الله ! فلما علمت بالقصة انصرفت ورجع عمر فأخبره الحارث

؟ بخبرها فاغتنم لما فاته منها وقال أما والله لا تمسك النار ابدا وقد القت نفسها عليك ! فقال له الحارث : عليك وعليها لعنة الله " ) 4 ( .

ويطغي عشق الجمال والانس بالمراة أحيانا ، فيعترض العاطفة الدينية ويعرقلها منافسا اياها ، مستأثرا بنفس الشاعر دونها ، وقد حرص الشاعر ذاته على خلوص نشوته من الشوائب ، أيا كانت ، يريدها ذكرى تنطبع في النفس صافية فتبقى غضة مشرقة على مر الايام لا تمسها يد الفناء أبدا .

يقول صاحب الاغاني : . . اجتمع نسوة فذكرن عمر بن ابي ربيعة وشعره وطرفه ومجلسه وحديثه فتشوقن اليه وتمنيه ، فقالت سكينة : أنا لكن به فبعثت اليه رسولا . فوافاهن على رواحله ، فحدثهن حتى طلع الفجر وحان انصرافهن ، فقال لهن : والله انى لمحتاج الى زيارة قبر النبى ، صلى الله عليه وسلم ، والصلاة فى مسجده ، ولكني لا اخلط بزيارتكن شيئا

وقد يقترن الطرب للحسن والاعجاب بالفن فيتحدان ويستحيان عاطفة ود وصداقة رباطا نبيلا يصل بين شاعرين التقيا عرضا ، وكأن بينهما لحمة من قبل وقرابة ، فيأنس بعضهما بالآخر

" رأى عمر بن ابي ربيعة رجلا يطوف بالبيت قد بهر الناس بجماله وتمامه فسأل عنه فقبل له : هذا مالك بن أسماء بن خارجة فجاءه فسلم عليه وقال له يا ابن أخي ، مازلت اتشوقك منذ بلغني قولك :

ان لى عند كل نفحة بستا ن من الورد أو من الياسمينا

نظرة والتفاتة أتمنى أن تكونى حللت فيما يلينا " ) 6 (

ويبلغ الشاعر مرحلة الشيخوخة وتضعف قواه على ان الجسم نفسا لا تشيب بشيبه " فالروح فتى ، والقلب أخضر ريان ، لا يزال يهفو الى الحسن ويتحرق عليه .

جاء فى الاغاني : " كنت مع عمر وقد أسن وضعف ، فخرج يوما يمشى متوكئا على يدى حتى مر بعجوز جالسه فقال لي : هذه فلانه و كانت الفا لى فعدل اليها فيسلم عليها وجلس عندها وجعل يحادثها ، ثم قال : هذه التى أقول فيها :

ابصرتها ليلة ونسوتها  يمشين بين المقام والحجر

قال : وجلس معها يحادثها . فأطلعت رأسها الى البيت وقالت : يا بناتي هذا أبو الخطاب عمر بن أبى ربيعة عندى ، فان كنتن تشتهين أن ترينه فتعالين . فجئن الى مضرب قد حجزن به دون بابها ، فجعلن يثقبنه ويضعن أعينهن عليه يبصرن ، فاستسقاها عمر . فقالت له : أى الشراب أحب اليك قال : الماء . فأتى باناء فيه ماء ، فشرب منه ثم ملأ فمه فمجه عليهن وفي وجوههن من وراء الحاجز ، فصاح الجوارى وتهارببن وجعلن يضحكن ، فقالت له العجوز : ويلك ! لا تدع مجونك وسفهك مع هذه السن ؟ فقال : لا تلوميني فما ملكت لما سمعت من حركاتهن ان فعلت ما رأيت " ) 7 ( .

وبديهى أن هذا الميل الى تعشق الجمال ما كان ليبرز بمثل هذه القوة والاندفاع لولا تفتح البيئة الاجتماعية ، ولا سيما المرأة بحبها الشديد للغزل ورغبتها الملحة فى التشبيب . ومما لا شك فيه أن هذا التجاوب والتعاطف من قبل الجمهور عامة والمرأة خاصة قد استفز قائح الشعراء وأخصب الهامهم وهذب اذواقهم وكان من أقوى الدواعي الى الاجادة والابتكار

كانت جميع الظروف المناسبة لازدهار الادب والفن قد توفرت ، سواء منها المادية أو الاجتماعية ، بحيث أصبح الشاعر فى هذه البيئة " كالسمكة فى المآء " طلاقة وانسجاما .

وقد وجد الشعراء عند الجمهور الذواق ، من أعيان القوم وفضلائهم خاصة ، من التفهم والعطف والعون والتأييد ما جعلهم يتشبثون بحرية القول حقا مشروعا لكل فنان لاحياة للفن بدونه ، فازدادوا ايمانا بأنفسهم واعتدادا بأديهم ، فاستطاعوا بذلك أن يتحدوا الموانع والقيود ، ويواجهوا دون تهيب تنديد المحافظين المتزمتين

جاء فى الاغاني " بينا ابن عباس فى المسجد الحرام وعنده نافع بن الازرق وناس من الخوارج يسألونه اذ أقبل عمر بن أبى ربيعة فى ثوبين مصبوغين نموردين او همصرين حتى دخل وجلس . فأقبل عليه ابن عباس : فقال أنشدنا . فأنشده

أمن آل نعم أنت غاد فمبكر

غداة غد أم رائح فمهجر

حتى أتى على آخرها . فأقبل عليه نافع بن الازرق فقال : الله يا ابن عباس ، انا نضرب اليك اكباد الابل من أقاصى البلاد نسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل عنا ويأتيك مترفى من مترفى قريش فينشدك :

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت

فيخزى وأما بالعشى فيخصر

فقال : ليس هكذا قال : قال : فكيف قال ؟ فقال : قال :

رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت

فيضحى وأما بالعشى فيخصر

فقال : ما أراك الا قد كنت حفظت البيت ! قال : أجل وان شئت أن أنشدك القصدة أنشدتك اياها . قال : ولامه بعض أصحابه فى حفظ هذه القصيدة فقال : انا نستجيدها . فكان ابن عباس ، بعد ذلك ، كثيرا ما يقول : هل أحدث هذا المغيري شيئا بعدنا ؟ " ) 8 ( .

ومن أبرز انصار الشعراء ) والمغنين ( وأكثرهم تفتحا للفن وطربا له ، وأوفرهم بذلا لمختلف أنواع المساعدة والمواساة لهم - مادية كانت أو معنوية وحتى العاطفية - شخصية عرفت بالصلاح والذكاء وجودة الثقافة ، فزاد . ذلك فى نجاعة مساعيها الرامية الى حماية الفن ونصرته ، وساعد على غلبة نزعة التحرر والتجديد على نزعة المحافظة والجمود . انها شخصية ابن ابي عتيق حفيد الخليفة أبى بكر الصديق أكبر صديق للشعراء والمغنيين ، ولقد بلغ من عطفه على الشعراء انه أصبح ، مع عفافه وتقواه وعلو منزلته فى المجتمع

يتوسط فى غير ثورع ولا تحرز بين الشعراء وحبيباتهم اكبارا للشعر وايمانا بقيمته ، ووعيا لعظم خطورته فى الحياة الاجتماعية ، وكأنه يريد بفعله هذا أن يذكى شعلة الفن ويضمن لها النماء والاستمرار

" انشد ابن ابي عتيق قول عمر ابن ابى ربيعة

من رسولى الى الثريا فانى

ضقت ذرعا بهجرها والكتاب

فقال ابن أبى عتيق : اياى أراد وبى نوه ؛ لاجرم والله لا اذوق اكلا حتى اشخص فأصلح بينهما . . " ) 9 (

وان صداقنه لعمر ونصرته لشعره لهى عن وعى تام بما فيه من اباحية يقرها فى الادب ولا يقرها فى الحياة ، لان صاحب الذوق فيه ، البصير بطبيعة الادب وخصوصيته لا يرى باسا فى تحرر الفن - الى حد ما - من الاخلاق ، فهناك ، أعني في هذا التحرر وما يترتب عليه من جرأة وصراحة روعته وقيمته و ) مبرر ( وجوده وجدواه

جاء فى الاغاني : " ذكر شعر الحارث بن خالد وشعر عمر بن ابي ربيعة عند ابن أبى عتيق فى مجلس رجل من ولد خالد بن العاصي بن هشام ، فقال صاحبنا يعنى الحارث بن خالد - أشعرهما ؛ فقال له ابن ابي عتيق : بعض قولك يا ابن أخى ! لشعر عمر بن أبى ربيعة نوطة فى القلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر ، وما عصى الله - جل وعز - بشعر أكثر مما عصى بشعر ابن ابى ربيعة ، فخذ عنى ما أصف لك : أشعر قريش من دق معناه ولطف مدخله . . " ) 10 ( .

وثمة عامل آخر لا يقل تأثيرا وجدوى عن تشجيع الجمهور الواعي الذواق هو المجالس والنوادى الادبية الفنية ، وقد ساهمت مساهمة فعالة فى تهذيب ذوق الشعراء واستنشاط قائحهم . وهذه المجالس والنوادى منازل ودرجات تختلف ويتفاوت مستواها ، ومن ثم جدواها ، بحسب شخصية الحاضرين

فيها وحظهم من الثقافة الشعرية ومدى تفتحهم وبعدهم عن التحيز والتعصب .

فمن هذه المجالس ما يجتمع فيه الشعراء للمباراة فيسعى كل جهده للاجادة والتفوق ، فاذا هي فرصة يثبت الشاعر فيها شخصيته الفنية ، ويفرض طريقته الخاصة ، متحررا من قيود المحاكاة والتقليد ، التزاما للصدق وحرصا على تصوير تجربته الحية .

يقول أبو الفرج : " ان عمر بن ابي ربيعة والحارث بن خالد وأبا ربيعة المصطلقى ورجلا من بني مخزوم وابن أبى أخت الحارث بن خالد خرجوا يشيعون بعض خلفاء بني أمية ، فلما انصرفوا نزلوا بسرف ، فلاح لهم برق فقال الحارث : كلنا شاعر : فهلموا نصف البرق ! فقال أبو ربيعة :

أرقت لبرق آخر الليل لامع

جرى من سنناه ذو الربى فينابع

فقال الحارث :

أرقت له ليل التمام ودونه

مهامه موماة وأرض بلا قع

فقال المخزومى :

يضئ عضاه الشوك حتى كأنه

مصابيح أو فجر من الصبح ساطع

فقال عمر:

أيا رب لا آلو المودة جاهدا

لاسماء فاصنع بي الذي انت صانع

ثم قال :

مالى وللبرق والشوق " ) 11 ( .

وثمة نوع آخر من الجلسات واللقاءات تنطوى التعالق فيها على نواة من النقد الا انه نقد ذاتي مغرق فى الذاتية الغرض منه تعيين الشاعر الافضل بل والبيت الافضل فى مختلف فنون الشعر دون ما يبغى لذلك من الاحاطة والشمول ودقة الدرس والتحليل وهذا النوع من المناقشات الذى قد يؤول أحيانا إلى أحكام مجانية لهيمنة روح التعصب والتحدى عليها أصبح سنة متبعة بين الادباء وطريقة تقليدية فى تصفح الشعر وتقويمه نجد اثرا منها فى مؤلفات كثيرة من نقاد العصور التالية . مثل هذه المناقشات على ما فيها من سلبية لا تخلو من فائدة لانها تساعد على اجتلاء خصائص الشعراء ومواطن الاحسان والابداع فى شعرهم : كما أنها بعرضها لنماذج مختارة من أشعارهم توجه النظر الى جانب الجودة والروعة فيها فتمهد بذلك للنقد الحق ، فضلا عن كونها وسيلة امتاع تغذى الشعور وتشحذ الذوق

جاء فى الاغاني : " . . قيل لكثير : ما انسب بيت قلته ؛ قال : الناس يقولون .

أريد لانسى ذكرها فكأنما  تمثل لى ليلى بكل سبيل

وانسب عندى منه قولى :

وقل أم عمرو داؤه وشفاؤه ..لديها ورياها اليه طبيب " )13(

ويقول أبو الفرج : " . . قيل لمحرز بن جعفر : أنت صاحب شعر ، ونراك تلزم الانصار ، وليس هناك منه شئ ؛ قال : بلى والله ان هناك للشعر عين الشعر ! وكيف لا يكون الشعر هناك وصاحبهم الأحوص الذي يقول

يقولون لو ماتت لقد غاض حبه

وذلك حين الفاجعات وحيني

لعمرك انى ان تحم وفاتها

بصحبة من يبقى لغير ضنين

.

وهو الذى يقول :

وانى لمكرام لسادات مالك

وانسى لنوكي مالك لسبوب

وانى على الحلم الذي من سجيتى

لحمال أضغان لهن طلوب " ) 13 (

ثمة نوع ثالث من النوادى والمجالس أرقى مستوى واوفر نفعا للشعراء وللجمهور الادبى كله لانه اوثق صلة بالذوق الفني وأعظم أثرا فيه

وتتمثل هذه المجالس فى كونها ملتقى ممتازا يضم نخبة من الشعراء وأهل الذوق والبصراء بالشعر المتعشقين له والموثوق برأيهم ، فيجد فيه الشاعر إطارا اشبه بالمرآة يشاهد بها شعره على حقيقته ، وقد وقف على مسافة منه يراه أو يكاد يراه بأعين الآخرين ، فيمكنه فى حال التجرد أو شبه التجرد هذه ، وقد ازداد بصيرة وصفاء ذهن ، أن يختبر وقع فنه ويقس مدى توفيقه ، ويستبين ب من خلال هذا الاستجواب الصامت والاستشارة غير المباشرة وبفضل المقارنة باشعار نظرائه - خصوصية أدبه وجوانب القوة والضعف فيه ، فيتلافى النقص ويلزم طريق الاحسان ، ويتسنى له أيضا أن يدرك وزنه الفني والمكانة التى له أن يدعيها بين سائر شعراء عصره

جاء فى الاغاني : " أنشد كثير ابن أبى عتيق كلمته التى يقول فيها

ولست براض من خليل بنائل    قليل ولا أرضى له بقليل

فقال له : هذا كلام مكافئ ليس بعاشق القرشيان اقنع وأصدق منك

ابن أبى ربيعة حيث يقول :

ليت حظى كلحظة العين منها

وكثير منها القليل المهنا

وقوله أيضا :

فعدى نائلا وان لم تنيلي

انه يقنع المحب الرجاء

وابن قيس الرقيات حيث يقول :

رقي بعيشكم لا نهجرينا    ومنينا المني ثم امطلينا

عديا فى غد ما شئت إنا   نحب وان مطلت الواعدينا

فاما تنجزى عدتى واما     نعيش بما نؤمل منك حينا "

وفي خبر آخر ذكره راوية كثير قال : كان كثير مديونا ، فقال لى يوما ونحن بالمدينة اذهب بنا الى ابن ابي عتيق نتحدث عنده ؛ قال : فذهبت اليه معه ، فاستنشده ابن أبي عتبق ، فانشده قوله ابائنة ستعدى نعم ستبين " حتى بلغ الى قوله :

وأخلفن مبعادى وخن أمانتي      وليس لمن خان الامانة دين

فقال له ابن ابي عتيق : أعلى الامانة تبعتها ؟ فانكف واستغضب نفسه وصاح وقال :

كذبن صفاء الود يوم محله   وانكدننى من وعدهن ديون

فقال له ابن ابي عتيق : ويلك هذا أملاح لهن وادعى للقلوب اليهن ! سيدك ابن قيس الرقيات كان اعلم منك وأوضح للصواب موضعه فيهن ، أما سمعت قوله :

حبذاك الدل والغنج      والتي فى عينها دعج

والتي ان حدثت كذبت   والتي فى وعدها خلج

وترى فى البيت صورتها    مثلما في البيعة السرج

خبروني هل على رجل    عاشق فى قبلة حرج

قال : فسكن كثير واستحل ذلك ، وقال : لا ! ان شاء الله ؛ فضحك ابن أبى عتيق حتى ذهب به " ) 15 ( .

" ونقد " ابن أبى عتيق ، كما نرى فى هذه الاخبار ، يقوم على خبرة,  بالنفس الانسانية ، ومعرفة بطبيعة الحب وخصائص أحوال المحبين فهو اعتمادا على هذا المنطلق النفسانى ، يدعو الشعراء الى التزام الوفاء لحقيقة الحب ) وقد عبر عن ذلك بكلمة صدق " ( ومراعاة " منطق العواطف "

وتقتضى طبيعة الحب وسنته التفاوت بين الحبيبين لا ) التكافؤ ( فى طلب أحدهما للآخر والحرص على الاتصال به . ويترتب على هذا خضوع المحب لحبيبته ووقوفه موقف الطاعة والتوسل والضراعة . وموقف الضراعة ازاء المعشوق صفة محمودة ليس بها فى عرف الحب من هجنة ، ولا يرى العاشق بها بأسا ، فتجده يشقى وينعم بها معا ، ولا يتورع من ذكرها

الى هذه الحقيقة عينها نبه ابن أبى عتيق عمر بن أبي ربيعة اذ قال له بعد أن أنشده قوله :

بينما ينعتني أبصرننى

دون قيد الميل يعدو بي الاغر

قالت الكبرى : أتعرفن الفتى

قالت الوسطى : نعم ! هذا عمر

قالت الصغرى وقد تيمتها

قد عرفناه وهل يخفى القمر

انت لم تنسب بها وانما نسبت بنفسك . كان ينبغى ان تقول : قلت لها فقالت لي ، فوضعت خدى فوطئت عليه " ) 16 ( .

ومن خصائص الحب الصادق القناعة ، فالقليل فى الحب كثير ، وهذا ما يرمي اليه ابن ابى عتيق فى تعليقه على شعر كثير : " هذا كلام مكافئ ليس بعاشق ، القرشيان أقنع وأصدق منك " ) 17 (

جانب آخر من " نقد " ابن ابي عتيق ، وفيه يتجلى تفتحه وادراكه لجوهر الفن وحفيفته ، عدم تخرجه مما فى شعر الشعراء من نزعه تحرريه ازاء الضغوط الاخلاقية

فهو يعرف - مع صلاحه وعفافه وتقواه شأنه فى ذلك شأن ابن عباس وعبد الله بن جعفر ومصعب بن الزبير وغيرهم - بحدسه وذوقه الاصيل ان لا حياة بغير فن ولا فن دون حرية ؛ هذه الحرية هي الثمن الذى ينبغى للمجتمع ان يؤديه إذا شاء أن يكون بينه أفراد مبدعون يعبرون عن روح الجماعة ، شخصتنا ، ويعملون على ابراز اصالتها ودعمها ، ويضمنون بدلك وحدتها وتماسكها وقدرتها على التحدى والاستمرار ، ولامر ما قال القدامي الشعر ديوان العرب .

والشعر عند أين ابي عتيق ، كما رأينا ، ليس ترفا سحرا مجانا مجرد تسلية ، انه صدق فى تصوير النفس الانسانية وكشف لاسرارها وتبصير بحقائقها ؛ لذا وحب التفريق بين واقعين متمايزين متباينين على ما بينهما ما نسبة وقراية واقع الفن وواقع الحياة ، فلكل خصائصه وشروطه وقوانينه

ومن أهم العوامل التى ساعدت على فتق قرائح الشعراء واذكاء حساسيتهم ، تهذيب أذواقهم وبعثهم على الاجادة والابتكار وتوكيد صفه الظرف فيهم الغناء

تقدت بى الشهباء نحو ابن جعفر....سواء عليها ليلها ونهارها

قال ابن ابي عتق لعبد الله بن قيس الرقيات وقد مر به فسلم عليه فقال : وعليك السلام يا فارس العمياء ؛ فقال له : ما هذا الاسم الحادث يا ابا محمد بأبي أنت ؟ ! قال : أنت سميت نفسك حيث تقول :

تقدت بى الشهباء نحو ابن جعفر      سواء عليها ليلها ونهارها

فما يستوى الليل والنهار الا على عمياء ؛ قال : انما عنيت التعب ؛ قال : فبيتك هذا يحتاج الى ترجمان يترجم عنه . " م 4 ( قسم رابع ( ص 315 .

والغناء فى صورته التى عرف بها ) 18 ( فى تلك الفترة هو الحادث البدع الذي لم يسبق للعرب ان عرفوا مثله ، وكان بمثابة الاكتشاف العظيم بهر النفوس وهزها هزا واستهوى القلوب طربا وفتنة ، فأولع به الناس كافة وكان أشدهم حرصا عليه وشغفا به الشعراء

وبلغ من افتتان بعضهم بالغناء وعمق انفعاله به وحسن تذوقه له ووعيه البصير بحقيقته وشرف فضله ان اعتبره ذروة الفن وخلاصة نعيم الحياة مفضلا اياه على الشعر ) 19 ( ، وقد رأي فى تذوق الغناء ومعرفة قدره مقياسا للادراك الصحيح لمعنى الحياة وقيمتها .

قال الحارث بن خالد المخزومي للغريض معبرا عن اعجابه بفنه . يا غريض ، انما الدنيا زينة ، فأزين الزينة ما فرح النفس ، ولقد فهم قدر الدنيا على حقيقته من فهم قدر الغناء " ) 20 ( .

وهكذا يكون الغناء تجربة فذة ممتازة كشفت لنخبة من الشعراء عن أبعاد مجهولة فى نفوسهم وكأنما أضافت أوتارا جديدة الى حساسيتهم الفنية فرادتهم خبرة بذواتهم وبصرا بالحياة والفن معا .

ومما ضاعف حرصهم على الغناء التزاما له وتعلقا به حاجة المغنيين الى الشعر اذ هو المادة الاولى لفنهم ، ثم ما كان للغناء من فضل كبير فى ترويج الشعر والعمل على شهرة صاحبه وتخليد فنه على مر الايام ، لا سيما وقد كان المغنون يحرصون على تخير أجود الشعر لاغانيهم ليزداد اللحن حسنا

بجمال الشعر ) والعكس أيضا ( وحتى أصبح الغناء فى شعر ما عنوان جودته وكاد أن يكون التلحين مقياسا لقيمة الشعر المتغنى فيه .

جاء في الاغاني : لما ولي عبد الملك بن مروان الحرث بن خالد المخزومي مكة بعث الى الغريض فقال له : لا أرينك فى عملى ؛ وكان قبل ذلك بطلبه ويستدعيه فلا يحبه . فخرج الغريض الى ناحية الطائف ، وبلغ ذلك الحرث . فرق له فرده ، وقال له : لم كنت تبغضنا ؟ وتهجر شعرنا ولا تقربنا ؟ قال له الغريض : كانت هفوة من هفوات النفس ، وخطرة من خطرات الشيطان ، ومثلك وهب الذنب ، وصفح عن الجرم ، وأقال العثرة ، وغفر الرلة ! وليست بعائد الى ذلك أبدا ! قال وهل غنيت فى شئ من شعرى قال : نعم . قد غنيت في ثلاثة أصوات من شعرك . قال : هات ما غنيت فغناه . . " . ( 21 (

وجاء أيضا : " . كانت سلامة وريا أختين ، وكانتا من اجمل النساء واحسنهن غناء . فاجتمع الاحوص وابن قيس الرقيات عندهما . فقال لهما ابن قس الرقيات : اني اريد أن أمدحكما بأبيات وأصدق فيها ولا أكذب فان انتما غنيتمانم بذلك والا هحوتكما ولم أقربكما . قالتا : فما قلت ؟ قال : قلت :

لقد فتنت ريا وسلامة القسا     فلم تترك للنفس عقلا ولا نفسا

فغنته سلامة واستحسنتاه وقالتا للاحوص : ما قلت يا أخا الانصار ؟ قال : قلت :

اسلام هل لمتهم تنويل

أم هل صرمت وغال ودك غول

لا تصرفي عني دلالك انه

حسن لدى وان بخلت جميل

فغنت الابيات . فقال ابن قيس الرقيات : يا سلامة ! احسنت والله ! وأظنك عاشقة لهذا الخلق ! فقال له الاحوص : ما الذي أخرجك الى هذا ! قال : حسن غنائها يشعرك ، فلولا أن لك فى قلبها محبة مفرطه ما

جاءها هكذا حسنا على هذه البديهة . فقال له الاحوص : على قدر حسن شعري على شعرك هكذا حسن الغناء به ، وما هذا منك الا حسد . . " ) 22 (

ويقول أبو الفرج الاصبهانى : . . قال أبو نافع الاسود - وكان آخر من بقى من غلمان ابن سريج : إذا أعجزك أن تطرب القرشى ، فغنه غناء ابن سريج فى شعر عمر بن ابي ربيعة ، فانك ترقصه . . " ) 23 ( .

ومن دواعي حرص الشعراء على أن يغنى فى أشعارهم رغبتهم فى النسيب البالغ التأثير ، فكان الشعر ) هكذا استشعروا وخيل اليهم في بعض الاحيان ( لم يعد كافيا وحده للتشبيب بالنساء فأضحى فى حاجة الى سند اللحن وسحره ليدخل - بلا اذن - الى قلوب الحسبان ويفضل فعله الجبار فيها

يقول صاحب الاغاني : . لما أن قدمت عائشة بنت طلحة أرسل ليها الحارث بن خالد وهو امير على مكه : اني أريد السلام عليك ، فاذا خف عليك اذنت . وكان الرسول الغريض ، فقالت له : انا حرم ، فاذا أحللنا اذناك . فلما أحلت سرت على بغلاتها ولحقها الغريض بعسفان او قريب منه ، ومعه كتاب الحرث اليها : ما ضركم لو قلتم سددا - الابيات المذكورة - فلما قرأت الكتاب قالت : ما يدع الحرث باطله ثم قالت للغريض : هل أحدثت شيئا ؟ قال : نعم ، فاسمعي ؛ ثم اندفع يغنى فى هذا الشعر . واستحسينته عائشة . وقالت : زدني ؛ فغناها فى قول الحرث بن خالد ايضا :

زعموا بأن البين بعد غد     فالقلب مما احدثوا يجف

ثم قالت له : غننى فى شعر غيره ، فغناها :

أجمعت خلتى مع الفجر بينا    جلل الله ذلك الوجه زينا

أنعم الله بالرسول الذى ار      سل والمرسل الرسالة عينا

قال : فضحكت ثم قالت : وانت يا غريض ، فأنعم الله بك عينا ، لقد تلطفت حتى اديت الينا رسالته ، وان وفاءك له لما يزيدنا رغبة فيك وثقة بك . وقد كان عمر ) بن ابي ربيعة ) سأل الغريض أن يغنيها هذا الصوت لانه قد كان ترك ذكرها لما غضبت بنو تميم من ذلك ، فلم يحب التصريح بها ،

وكره اغفال ذكرها ، وقال له عمر : ان ابلغتها هذه الابيات في غناء ، فلك خمسة آلاف درهم ؛ فوفي لك بذلك ، وأمرت له عائشة بخمسة آلاف درهم أخرى . . " ( 24 )

ومما لاشك فيه أن هذه الصلة الحميمة والتفاعل العميق والتعاون الوثيق المثمر بين الشعراء والمغنيين كان من أهم العوامل التى ساعدت على استحداث شعر طريف لاءم بين المعنى والشكل بين النظرة الجديدة الى الحياة واسلوب التعبير فانعكس أثر ذلك فى اللغة الشعرية فى صورها الجريئة الموحية وخفة الاوزان ورشاقتها ورقة الالفاظ وسلاستها ، كما ساهمت في تطور الشعر الغزلي واتجاهه نحو التخصص والاستقلال بصفته فنا على حدة وغرضا قائما بنفسه ) اذ أن أغلب ما يترنم به المغنون من أصوات يقوم على النسب خاصة ( ، فأصبح الشعراء ) والجمهور الذواق أيضا ( لذلك اكثر تطلبا للطابع الغنائى فى الشعر وأشد تنبها له واحتفالا به ، وذلك بفضل ارهاف الذوق الفنى وتهذيب " الاذن الموسيقية " لديهم

جاء فى الاغاني : . قال : سمعت المسور بن عبد الملك يقول : ما ضر من يروى شعر كثير وجميل أن لا تكون عنده مغنيتان مطربتان . " ) 25 (

ومجمل القول ان مشاركة الشعراء في نشأة الظرف ونموه واستمراره قد كانت مشاركة مزدوجة . عاشوا الظرف متجسما فى مختلف مظاهر حياتهم وسلوكهم حرية خلافة ترفض التبعية والتقليد وتأبى التزمت والجمود عشقا للحياة وكلفا باللهو والجمال فى شتى صوره حتى لقد جهدوا أن يحبوا حياة خالصة للفن ؛ ثم صوروا ظرفهم هذا ، ومثلوه تمثيلا فى أشعارهم ، تجربة حية . وجد فيها معاصروهم بعضا من حقيقتهم ، وصورة مما يتوقون اليه من نعم الحضارة وملاذها الحسية والروحية ، فكانوا بذلك ( هم والمغنون ( سدنة الظرف ورعاته مثالا يحتذى ، على الدهر ، قوى الاشعاع دائم الاثر

اشترك في نشرتنا البريدية