اشتهر الحجاز بالظرف فى العصر الاموي شهرة واسعة حتى لقد نسبت اليه هذه الصفة خاصة وضرب به المثل فقيل : " ظرف حجازى " ( 1) ، وذلك لان الحجاز كان موطن الحضارة الاسلامية العربية الناشئة وأهم مركز للحياة الادبية الفنية فى ذلك العصر ، تقتبس منه الامصار العربية الاخرى أسلوب العيش وفن الحياة وتنسج على منواله بحيث يصح القول انه تفرد بميزة الظرف دون سائر الاقطار الاسلامية لامتيازه الحضاري عليها (2) .
على أن الظرف الحجازى لا يعدو أن يكون منزعا من منازع النفس يتسم بشئ كثير من العفوية نظرة الى الحياة وموقفا منها أقرب الى البساطة والسذاجة - ويتمثل هذا الموقف فى اقبال القوم على مباهج الحياة وطيباتها
الى حد الولع والعشق كما يتمثل فى افتتانهم بمظاهر الجمال - ولم يصبح مذهبا مرسوما مقننا (3) كما هو الشأن بالعراق فى القرنين الثالث والرابع للهجرة ) له شروطه وغاياته وطرائقه يتقيد بها وتلتزم التزاما ، ويجهد اصحابه فى التحلى بفضائله حتى لكأنها عندهم بل هى قوام معنى الوجود ومقياس الانسانية مذهبا يصح اعتباره " فلسفة " فى الحياة ينضوى تحت لوائها طائفة خاصة من المجتمع متميزة - ذوقا وثقافة وتفكيرا واخلاقا وسلوكا- تؤلف ضربا من " الارستقراطية الفكرية "
لم يبلغ الظرف الحجازى هذه الدرجة من الوعى والتعمق والنضج ، ولم يستوف بعد مميزات الظرف العراقي ، سواء على مستوى الفكر أو الشعور والاخلاق ، وهي مميزات متعددة كثيرة متداخلة متشابكة ، وان بدت كلالا يتجزأ وحدة لا انفصام لها هي وحدة الشخصية الاصيلة الحق
كان قوام الظرف فى الحجاز عشق الحياة كما قلنا - والكلف بالجمال حيث ما كان ، فكان التأنق والتفنن فى الزينة واللباس ومرافق العيش . وكان قوامه تلك الخاصة التقليدية التى عرف بها العرب ، وهى وليدة ما خصوا به من ذكاء فطرى ، أعني الفصاحة والبلاغة وما يقترن بها من براعة فى الاحتجاج وحسن التخلص ، وقدرة على الجواب المسكت افحاما للخصم . ثم خاصية ثالثة زادها الترف والتحضر قوة ونماء هي روح الفكاهة والمزاح والميل الى الهزل والدعابة
أبعاد ثلاثة مجتمعة متآلفة في الشخص الواحد ، أو مفترقة بحيث تكفى الخصلة الواحدة لاضفاء صفة الظرف على صاحبها . تلك هى خلاصة الظرف فى الحجاز طيلة العصر الاموى
أما العوامل التى ساعدت على نشأة هذا الظرف فيمكن اعتبارها صنفين : عموامل تمهيدية ، وكانت بمثابة التربة الصالحة لبروز ظاهرة الظرف ونموها ، وعوامل مباشرة .
فمن العوامل الممهدة لنشأة الظرف : - طبيعة العرب الفنية ، والشاهد عليها ما خصوا به من موهبة البلاغ والقدرة الفائقة على فنون القول من شعر وخطابة وأمثال .
- ومنها عامل الدين الذى هذب النفوس ورفق المشاعر وأهلها للسمو وتجاوز الذات بازالة الشقاق والتناحر ، وتأليف أمة متماسكة يسعى أفرادها فى التجلى بمكارم الاخلاق فى نطاق الاخوة والمحبة الشباملة
- ومنها ايضا التطور الاخلاقي العظيم الذي يلحظ ابتداء من اخر العهد الراشدى ، ويتمثل فى تحضر الشخصية العربية بصورة حثيثة نتيجة للثراء والأمن والاستقرار والفراغ ( 4 ) الذي عقب الفتوحات ، ونتيجة ايضا لاتصال عرب الحجاز بالاعاجم العريقين فى الحضارة والتأثر بهم خاصة عن طريق الزواج والرق:
ويتمثل هذا التطور الاخلاقي بصفة خاصة فى تغير نظرة القوم الى الحياة تغيرا أشبه بالتحول بحيث أخذوا ينبذون تقشف السلف ويتخففون من ضغوط الدين شيئا فشيئا ، وينزعون الى الاستمتاع بالحياة فى لهفة وشغف . فاتسمت لذلك نفسية أهل الحجاز وخاصة الاثرياء منهم بكثير من التسامح والتفتح .
أما العوامل المباشرة ، وكانت فى غاية الاهمية ، فهى النوادى والمجالس الادبية الفنية وما كان للمرأة ( سواء الحرائر أو الاماء ) وللشعراء والمغنين من دور فعال فيها ؛ ثم موقف الجمهور - ولا سيما الخواص - وما كان له من تشجيع للفن وعطف على الفنانين
النوادى والمجالس الادبية الفنية وأثرها فى نشأة الظرف
المجالس والنوادى الادبية الفنية ، كما عرفها الحجاز فى العصر الاموى ، ظاهرة جديدة لا عهد للعرب بمثلها ظاهرة بالغة الاهمية قد أحدثت تحولا فى حياة الحجازيين
ووجه الجدة والاهمية يتمثل أولا في مشاركة المرأة مشاركة فعالة فيها حتى أصبحت تقوم بدور الاشراف على بعض من هذه المجالس والنوادى ، وكانت بمثابة المحرك لها والباعث على نشاطها ، نذكر على سبيل المثال نادى جميلة ونادى سلامة ، ونادى سكينة بنت الحسين ، ومجالس عائشة بنت طلحة وغيرها من نساء الطبقه " الارستقراطية " وهن كثر . -
كما تتمثل الجدة والاهمية فى اتصال الشعراء والمغنين بعضهم ببعض اتصالا وثيقا وتضامنهم ضمن اطار هذه المجالس والنوادى تضامنا ( 5 ) قويا نتج عنه ذلك التفاعل العميق والتلاقح المثمر بين الشعر والغناء .
فالشعر كما هو معلوم ، مادة الغناء الاصلية ، وكان ، فضلا عن ذلك ، بمثابة اللقاح يستحث قائح المغنيين ويحفزها للتلحين . أما الغناء فقد ساعد على ترقيق الشعر وتسهيله واكسابه كثيرا من الخفة والمرونة ليستجيب لمقتضيات التلحين وينسجم مع شروط الايقاع والتنغيم حتى لقد أصبح الشعر نبعا لذلك أو كاد أن يصبح غناء ( 6) .
وتتمثل أهمية هذه النوادى فى كثرتها مما زاد فى مدى اشعاعها ومكنها من بث الذوق الفنى على نطاق واسع حتى تجاوز أثرها الخاصة الى العامة وشمل فئات عدة من المجتمع . ولعل الفضل الاكبر فى نشر هذه الحساسية الفنية التى كانت ظاهرة شائعة عامة يرجع الى الغناء لانه قد استحوذ على مشاعر القوم ، ولهج به الناس جميعا وأحبوه حبا يعتبر في حد ذاته حدثا جديدا بديعا . وقد نقل لنا ابو الفرج الاصبهانى اصداءه فى أخبار كثيرة من كتابه الاغاني تثير الدهش والاستغراب ، فكأن النفس العربية بما لها من طبيعة فنية خاصة ونزعة موسيقية أصيلة وجدت ضالتها أخيرا فى هذا الفن الذى احتضن الشعر واحتواه وتجاوزه فى آن واحد ، فكان غاية ليست بعدها غاية.
يقول صاحب الاغاني : قدمت رسل يزيد بن عبد الملك المدينة فاشتروا سلامة المغنية من آل رمانة بعشرين ألف دينار . فخرجت حتى نزلت سقاية سليمان بن عبد الملك وشيعها الخلق من أهل المدينة . فلما بلغوا السقاية قالت للرسل : قوم كانوا يغشوننى ويسلمون على ، ولا بد لى من وداعهم والسلام عليهم ، فأذن للناس عليها فانقضوا حتى ملأوا رحبة القصر ووراء ذلك ؛ فوقفت بينهم ومعها العود ، فغنتهم:
فارقونى وقد علمت يقينا ما لمن ذاق ميتة من إياب
قال عيسى : وكنت في الناس ، فلم تزل تردد هذا الصوت حتى راحت وانتحب الناس بالبكاء عند ركوبها ، فما شئت أن أرى باكيا الا رأيته " (7) وخاصية ثالثة تمتاز بها هذه النوادى هي انتفتاحها للتيارات الثقافي الدخيلة ، وخاصة على مستوى الغناء ،(8) تنهل منها وتقتبس ما تطعم به الغناء العربى القديم ، فتطوره وتصوغه صياغة جديدة وتخلقه خلقا ثانيا .
دور المرأة في نشاة الظرف 1 - شخصية المرأة الحجازية
كان للمرأة ، كما قلنا آنفا ، مشاركة بعيدة الاثر فى هذه النوادى والمجالس ومن ثم فى نشأة ظاهرة الظرف ؛ ولم يكن ليتم لها مثل هذه المشاركة لولا ما ظفرت به من حرية وثروة وثقافة وقوة شخصية.
لقد حظيت المرأة الحجازية ، من بنات الاشراف أو من القيان المحسنات المشهورات ، بقدر كبير من الحرية يستغرب حقا إذا وضع فى اطاره التاريخى
المحدود ؛ فلقد تم مثل هذا التحرر الذى كان شبه طفرة أو انفجار بعد كبت فى مدى جيل واحد ، ومن الصحابة من لا يزال بعد على قيد الحياة
وكان بين هؤلاء النسوة شخصيات فذة جمعت فألفت بين خصال ونزعات يعسر اجتماعها لانها تكاد تكون فى حكم المتناقضات من ترف وحب للفن والغناء وميل إلى الدعابة والتندر من جهة ، وحرمة واستقامة ومتانة خلقية بحيث أجمع الناس على اكبارها وتقديرها ، ولم يتطرق الشك الى سمعتهن ، بالرغم من مواقفهن الجريئة المتحررة والمتسمة أحيانا بروح المغامرة .
يقول ابو الفرج : " كانت سكينة ( بنت الحسين ) عفيفة سليمة برزة من النساء تجالس الاجلة من قريش وتجتمع اليها الشعراء ، وكانت ظريفة مزاحة " (9)
ويسوق لنا هذا الخبر الطريف الذي يصور سكينة فى موقف المتزعمة لمظاهرة سياسية " صغيرة دفاعا عن حرمة أسرتها ومبادئها : " كانت سكينة تجئ يوم الجمعة فتقوم بازاء ابن مطير وهو خالد بن عبد الملك بن الحارث بن الحكم ، إذا صعد المنبر ، فاذا شتم عليا شتمته هى وجواريها ، فكان يأمر الحرس يضربون جواريها ، (10)
وهذا خبر آخر تمتزج فيه المعارضة السياسية بالسخرية والدعابة : وبعثت سكينة الى صاحب الشرطة أنه دخل علينا شامى فابعث الينا بالشرط . فركب معه ، فلما أتى الى الباب أمرت ففتح له وأمرت جارية من جواربها فأخرجت اليه برغوثا . قالت : هذا الشامى الذى شكوناه . فانصرفوا يضحكون " ( 11) .
وقد جاء فى كتاب الاغاني ما يشهد بأن بعضا من هؤلاء النسوة كن ، فى علاقتهن مع ازواجهن ، حريصات على اثبات شخصياتهن يفرضنها فرضا فيتصرفن بطريقة لا تخلو أحيانا من تحد حتى كأنها معاملة الند للند
جاء في الاغاني : " كانت عائشة بنت طلحة لا تستر وجهها من أحد . فعاتبها مصعب فى ذلك ، فقالت : ان الله تبارك وتعالى وسمنى بميسم جمال
أحببت أن يراه الناس ويعرفوا فضله عليهم ، فما كنت لأستره ، ووالله ما فى وصمة يقدر أن يذكرنى بها أحد " . ( 12 )
وجاء ايضا : " ذكر أن زيد بن عمرو بن عثمان خرج الى مال له مغاضبا لسيكنة ، وعمر بن عبد العزيز يومئذ والى المدينة ، فأقام سبعة أشهر فاستعدته سكينة على زيد ، وذكرت غيبته مع ولاائده سبعة أشهر ، وانها شرطت عليه انه اذ مس امرأة ، أو حال بينها وبين شئ من ماله ، أو منعها مخرجا تريده فهي خلية . فبعث اليه عمر فأحضره وأمر ابن حزم أن ينظر بينهما . . . " . ( 13)
وبلغ استقلال الشخصية وحرية التصرف عند بعضهن حد اللامبالاة والاستهانة برأى الاهل والاولياء ؛ يطالعنا هذا السلوك عند نموذجين طريفين من النسوة امراتين مسترجلتين ( Amazones) من عشاق الفروسية ، على ان احداهما قد دفعت الثمن غاليا لهذه الحرية
" كان الدلال ( وهو من المخنثين ) ملازما لام سعيد الاسلمية وبنت ليحيى ابن الحكم بن ابي العاصي ، وكانتا من أمجن النساء ؛ كانتا تخرجان فتركبان الفرسين فتستبقان عليهما حتى تبدو خلاخيلهما . فقال معاوية لمروان بن الحكم : اكفني بنت أخيك . فقال : أفعل . فاستزارها ، وأمر ببئر فحفرت فى طريقها ، وغطيت بحصير ، فلما مشت عليه سقطت في البئر ، فكانت قبرها . وطلب الدلال فهرب الى مكة ؛ فقال له نساء أهل مكة : قتلت نساء أهل المدينة وجئت لتقتلنا . . " ( 14 )
وقد يطغي روح العبث والمزاح على بعضهن فتعمد الى المغامرة تلذذا بالمغامرة ، غير مكترثة بما قد ينتج عن فعلها من عاقبة فإذا الجد واللهو سيان . وبطلة هذا الخبر الذى يسوقه صاحب الاغاني ( وهى سكينة بنت الحسين ) حدثتها نفسها يوما بأن تنسج خيوط مسرحية هزلية صغيرة يمكن أن يكون عنوانها " العرس الكاذب " ( 15) .
ومن مظاهر هذا التحرر والتفتح اتصال النساء نساء الخواص - بالشعراء والمغنين اتصالا حرا وشدة ولعهن بالشعر الغزلي وبالغناء ؛ ودفعت هذه الروح الجديدة ببعضهن الى التعرض لغزل الشعراء يتلطفن فى ذلك لينوه بجمالهن ويجرى ذكرهن على ألسنة الناس ( 16 )
وكان للمرأة من الثقافة الادبية والفنية ما أهلها لان تحضر هذه النوادى والمجالس حضورا ايجابيا مثمرا يتعدى مجرد التذوق والاستحسان الى النقد حتى لقد اتخذ بعضهن أحيانا حكما بين الشعراء أو بين المغنيين
جاء فى الاغاني : " اجتمع بالمدينة راوية جرير وراوية كثير وراوية نصيب وراوية الاحوص ؛ فافتخر كل رجل منهم بصاحبه وقال : صاحب أشعر فحكموا سكينة بنت الحسين بن على ( عليهما السلام ) لما يعرفونه من عقلها وبصرها بالشعر ، فخرجوا يتهادون حتى استأذنوا عليها ، فأذنت لهم . . " ( 17)
ويقول أبو الفرج " : كانت جميلة ممن لا يشك في فضيلتها فى الغناء ؛ ولم يدع أحد مقاربتها فى ذلك ، وكل مدني ومكى يشهد لها بالفضل " . ( 18 ) وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه ، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة . فنزلوا عليها . فخرجوا يوما الى العقيق متنزهين فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا اليهما فتحدثوا ساعة . قال معبد : أما اذ قد اختلفنا وأصحابنا المكيون وسكوت لنجعل بيننا حكما . فأجمع رأيهم على الاجتماع فى منزل جميلة من غد . " (19)
وقد برزت الجوارى المولدات فى الغناء فضلا عن روايتهن للشعر والاحاديث وأوتى بعضهن من الموهبة ما ارتفعت به الى مرتبة الامامة فى هذا الفن ( أعني الغناء) ، وأن تكون بحق صاحبة مدرسة فيه اذ قد أخذ عنها وتخرج على يده أفذاذ من المغنيين
يقول صاحب الاغاني : " وهي ( أى جميلة ) أصل من أصول الغناء ؛ وعنها أخذ معبد وابن عائشة وحبابة وسلامة وعقيلة العقيقية والشماسيتان خليدة وربيحة " . ( 20 )
وجاء أيضا : " كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء ، وكان معبد يقول أصل الغناء جميلة ، وفرعه نحن ، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين . . ( 21 )
كانت مثل هذه المرأة - بشخصيتها التى حاولنا أن نرسمها اجمالا - حرية بأن تؤثر فى معاصريها تأثيرا كبيرا بمظهرها وسلوكها وذوقها وطريقتها فى التعبير
( يتبع )
