2 - أثر المرأة في نشأة الظرف
١ ( على مستوى المظهر ) الزينة ، اللباس ( لقد كان للمرأة الحجازية من أهل الشرف أو من شهيرات القيان وحذاقهن - فضلا عما أوتيته من حس فنى بحكم غريزة الانثى فيها - من المال والمنزلة والفراغ ما جعلها تنصرف الى العناية البالغة بحسن المظهر والزينة ، وبذل المال والجهد فى ذلك ، سواء فيما اتصل بشخصها أو بيتها أو بالمحيط الذي تحيا وتتصرف فيه
وكان مما يدفعها الى ذلك الولع بالحسن ، أنى تكن صوره ومظاهره ، وخاصة ما تعلق بشخصها ؛ فلقد كانت المرأة الحجازية الحسناء - بدافع من العوامل التى ذكرناها آنفا من مال وترف وفراغ أضف اليها طبيعة العرب الفنية ومزاجهم الدقيق الحس القوى الانفعال - معتدة بجمالها معجبة به الى حد الافتتان
ونجد صدى لهذا الاعجاب " النرجسى " فى خبرين مفادهما واحد رويا عن شخصيتين من أشهر حسان زمانهما جاء فى الاغاني : " قالت سكينة : أدخلت على مصعب وأنا احسن من النار الموقدة " ) 22 ) وفي رواية أخرى أقوى بيانا وأكثر ايحاء : " قالت سكينة : دخلت على مصعب وأنا احسن من النار الموقدة فى الليلة القراء " ) 23 ( .
وهذا الخبر الثاني : " قال أبو هريرة لعائشة بنت طلحة : ما رأيت شيئا أحسن منك الا معاوية أول يوم خطب على منبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت والله لانا أحسن من النار فى الليلة القرة فى عين المقرور " ) 24
وكان من شأن هذا الاعتداد بالحسن أن دفع بعض الحسناوات الى الغيرة والتحاسد والتنافس والمباراة رغبة فى التفوق والفوز بأعلى مرتبة من مراتب الجمال ، والاختصام أحيانا الى حكم مشهود له بسلامة الذوق والبصر بمحاسب النساء ، فيصدر هذا القاضي حكما يميز فيه بين الجمال والملاحة ) أى الظرف دالا بذلك على دقة الاحساس والملاحظة والخبرة بأسرار الحسن
" قالت سكينة لعائشة بنت طلحة : أنا أجمل منك . وقالت عائشة : بل أنا ، فاختصمتا الى عمر بن أبى ربيعة ، فقال : لاقضين بينكما ، أما أنت يا سكينه فأملح منها ، وأما أنت يا عائشة فاحمل منها . فقالت سكينة : قضيت لى والله . ( 25 (
ويرسم لنا شعر عمر بن أبى ربيعة مثل هذا الاهتمام المفرط بالحسن فى مشهد لطيف ظريف فيبرز فى ايجاز قوى الايحاء حيرة المرأة النهمة بالجمال وحرارة تساؤلها عن مبلغ حظها منه :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد وشفت أنفسنا مما تجد
٠٠٠٠٠
٠٠٠٠٠
زعموها سألت جاراتها ذات يوم وتعرت تبترد
اكما ينعتني تبصرننى عمركن الله ام لا يقتصد
فتضاحكن وقد قلن لها حسن فى كل عين من تود
حسدا حملنه من أجلها وقديما كان فى الناس الحسد " ) 26 (
وكان مما يذكى ولع المرأة بجمالها ويدعمه دعما تجاوب الرجال العميق وشدة طربهم للحسن ؛ حتى أهل الصلاح والتقوى منهم - فضلا عن الشعراء
والفنانين ومباسير الفتيان - لم يضعف الدين ونزعة الزهد فيهم حب الجمال واكبار شأنه وقوة التأثر منه والاهتزاز له يقول صاحب الاغاني : " . . ان عائشة نازعت زوجها الى ابى هريرة : فوقع خمارها عن وجهها ، فقال أبو هريرة : سبحان الله ! ما أحسن ما غذاك أهلك ! لكأنما خرجت من الجنة " ) 27 (
ويقول أيضا فى نفس المعنى : " . فصارمت عائشة بنت طلحة زوجها ، وخرجت من دارها غضبي ، فمرت في المسجد وعليها ملحفة تريد عائشة أم المؤمنين ، فرآها أبو هريرة فقال : سبحان الله ! كأنها من حور العين " ) 28 (
على أن الحسناء الحجازية - وان كانت واثقة من أن حسنها أحسن من كل زينة - فهى ككل أنثى لا تشبع من الحسن ولا تنى تطلب المزيد ، جادة في التفنن ، حريصة على الابتكار الذي يزيد فى جمالها وفتنتها ، ويرفع من شأنها بين النساء والرجال على السواء حتى لكأنها تريد أن تجعل من نفسها تحفة فنية تحفة تملك ضروبا وألوانا من الحسن لا حسنا واحدا ثابتا ، واذا لتفننها فى زينتها تأثير شديد قاهر حتى فى هيئة الرجال وزيهم فيعمدون الى تقليدها دون مبالاة بما يحمه فارق الجنس من اختلاف فى الزى والهيئة
" كانت سكينة أحسن الناس شعرا ، وكانت تصفف جمتها تصفيفا لم ير أحسن منه ، وكانت تلك الجمة تسمى السكينية ، وكان عمر بن عبد العزيز ) وكان واليا على المدينة اذ ذاك ( إذا وجد رجلا يصفف جمته السكينية جلده وحلقه " . ( 29 )
ومن صور هذا التفنن فى الزينة ابتكار الشعور الصناعية ضفائر محكمة لترتيب والتنسيق : " جلست جميلة يوما للوفادة عليها وجعلت على رؤوس حواريها شعورا كالعناقيد الى اعجازهن والبستهن أنواع الثياب المصبغة ووضعت فوق الشعور التيجان وزينتهن بأنواع الحلى ، ووجهت الى عبد الله ابن جعفر تستزيره " ) 30 (
وقد تفتن فى أمر لباسها ولباس من يحضر ناديها فتكثر من التنويع الى حد اللعب والعبث أحيانا ، وكأنها تمارس ضربا من التمثيل وتجرب أدوارا مختلفة تقيس حظها من الملاءمة والحسن ، أو هي الحسناء تختال فى معرض للازياء اختيالا
يقول ابو الفرج : " جلست جميلة يوما ولبست برنا طويلا ، والبست من كان عندها برانس دون ذلك ، وكان فى القوم ابن سريج ، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه ، وأحبت جميلة أن ترى صلعته فلما بلغ البرنس الى ابن سريج قال : دبرت على ورب الكعبة ! وكشف صلعته
ووضع القلنسية على رأسه ، وضحك القوم من قبح صلعته . ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل ، وعلى عاتقها بردة يمانية وعلى القوم امثالها . وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالك وفي يد كل واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها فغنت وغنى القوم على غنائها :
ذهب الشباب وليته لم يذهب وعلا المفارق وقع شيب مغرب
ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها ، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا . ثم ضربت بالعود وتمشت وتمشى القوم خلفها ، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد
يمشين مشى قطاع البطاح تأودا قب البطون رواجح الاكفال (31)
ومن غريب ما يذكر في أمر اللباس ، وهو التقاء طريف للفن والظرف والتحارة أن يعرض الفن ) أعني الشعر والغناء معا ( لبعض الازياء فيسوغها ويحسنها فى أعين الظريفات ، ويعمل على اشهارها ورواجها وهو شاهد بليغ ودليل حى على تأثر الظرف بالفن وتفاعل على هاتين الظاهرتين وتجاوبهما تجاوبا بعيد الاثر . ) 32 (
وكذلك شأنها فى عنايتها بترتيب مجلسها تخيرا لآلته واحكاما لنظامه ، فالاطار والمجلس ) أعني الحاضرين ( كل لا يتجزأ بعضه يزين بعضا وحدة
ووثاما . ومن الظرف الاصيل أن يهيأ المجلس ويرتب على حسب شخصية الحاضرين ويصاغ وفق أذواق الضيوف والزائرين ، فالملاءمة بين طبيعة المجلس وبين شخصية الحاضرين من صميم آداب الظرفاء
جاء فى الخبر السابق عن جميلة أنها : " جلست يوما للوفادة عليها وجعلت على رؤوس جواريها شعورا مسدلة كالعناقيد الى أعجازهن ، واللبستهن انواع الثياب المصبغة ، ووضعت فوق الشعور التيجان ، وزينتهن بأنواع الحلى ، ووجهت الى عبد الله بن جعفر تستزيره وقالت لكاتب أملت عليه بأبى أنت وأمى ! قدرك يجل عن رسالتى ولكن كرمك يحتمل زلتى . . وبالكتاب نسألك وبحق الرسول ندعوك ، ان كنت نشيطا ، لمجلس هيأته لك لا يحسن الا بك ولا يتم الا معك ، ولا يصلح أن ينقل عن موضعه ، ولا يسلك به غير طريقه . فلما قرأ عبد الله الكتاب قال : انا لنعرف تعظيمها لنا واكرامها لصغيرنا وكبيرنا . وقد علمت أنها قد آلت اليه أن لا تغنى أحدا الا في منزلها . فنظر الى ذلك الحسن البارع والهيئة الباذة فأعجبه ووقع من نفسه فقال : يا جميلة ! لقد أوتيت خيرا كثيرا ، ما أحسن ما صنعت ! فقالت يا سيدى ، ان الجميل للجميل يصلح ، ولك هيأت هذا المجلس . فجلس عبد الله بن جعفر ، وقامت على رأسه وقامت الجوارى صفين ؛ فأقسم عليها فجلست غير بعيد . ثم قالت : يا سيدى ، ألا أغنيك ؟ قال : بلى . فغنت . ثم دعت لكل جارية بعود وأمرتهن بالجلوس على كراسى صغار قد أعدتها لهن فضربن وغنت عليهن هذا الصوت وغنى جواريها على غنائها . فلما ضربن جميعا قال عبد الله : ما ظننت أن مثل هذا يكون ! وانه لما يفتن القلب ... 33
فلا بد من هذا الاطار الجميل الملائم ، سواء كان مصطنعا أو طبيعيا ) أعني فى الهواء الطلق ( ، تستند اليه الظريفة ) وكذلك الظريف ) وتتفاعل معه وتتغذى منه حسيا وروحيا ، إنه ضرورى لبروز صفة الظرف ونموها واستمرارها . وثمة أخبار تدل على احساس لطيف بجمال الطبيعة توفق الظريفة بفضله الى اختيار المكان والموقع والوقت الانسب للمجلس والادعي للأنس والصفاء والمتعة والسرور ، ومن أحب هذه الاماكن الى ظريفات المدينة وظرفائها وادى العقيق
جاء فى الاغاني : " ان سكينة ناقلت ما لها بالزوراء الى قصر يقال له البريدى ببطن الحمار ، فلما سال العقيق خرجت ومعها جواريها تمشى حتى جاءت السيل ، فجلست على حرفة ومالت برجليها فى السيل ، ثم قالت : والله لهذه الساعة فى هذا القصر خير من الزوراء " ) 34 (
ويروى عن عائشة بنت طلحة " أنها لما تأيمت كانت تقيم فى مكة سنة وبالمدينة سنة ، تخرج إلى مال لها بالطائف عظيم . وقصر لها فتتنزه وتجلس فيه بالعشيات ، فتناضل بين الرماة ، فمر بها النميرى الشاعر . . " ) 35 (
لقد سارت المرأة الحجازية - كما رأينا - شوطا لا يستهان به فى طريق الحضارة الراقية احكاما لبعض من جوانبها المادية ، وآية ذلك ما شاهدناه من محاولات موفقة ، وان محدودة ، للتعبير عن شخصيتها - بمظهرها وزينتها ونوع لباسها - تعبيرا حرا متميزا ، ملائمة بين ذوقها الخاص وما تقدمه لها الحضارة الدخيلة من أسباب الزينة والترف
على ان هذا الذوق - والذوق قوام الحضارة وبعض من روحها الحى - لم يزل قريبا من الفجاجة بعيدا عن النضج يطغي عليه عامل " الكم " ، شأن اذواق الحديثي العهد بالنعمة والحضارة لم يتأصلوا فيهما بعد ، يبهرهم الثراء ويستخفهم الترف الى حد السخف والبطر
ولعل هذا تفسير بعض من سلوك احدى سيدات نساء قريش ) سكينة بنت الحسين ( أرادت أن تبرز جمال ابنة لها ، فأساءت اليه من حيث لا تدرى اذ هي أثقلتها بالحلى ، وقد ذهب عنها أن احسن الحسن ما كان طبيعيا ، أو ما اقتصادت فى تجميله يد الصناعة
عن سعيدة بنت عبد الله بن سالم : " لقيت سكينة بين مكة ومنى فقالت : قف يا ابنة عبد الله ، فوقفت ، فكشفت عن بنتها من مصعب ، واذا قد أثقلتها بالحل واللؤلؤ فقالت : ما ألبستها اياه الا لتفضحه . " ) 36 (
كما تفسر طبيعة هذا الذوق الحجازى الذى لم يستو بعد لطافة وتهذيبا ما نلاحظه عند بعض نساء علية القوم من تنافس فى طلب الابهة والبهرج وتفاخر بالمال والمتاع ، وكما قيل " آفه الظرف الصلف " ) 37 (
جاء فى الاغاني : ان عائشة بنت طلحة حجت وسكينة بنت الحسين ) عليهما السلام ( معا . وكانت عائشة احسن آلة وثقلا . فقال حاديها :
عائش يا ذات البغال الستين لا زلت ما عشت كذا تحجين
فشق ذلك على سكينة ، ونزل حاديها فقال
عائش هذه ضرة تشكوك لولا أبوها ما اهتدى أبوك
فأمرت عائشة حاديها أن يكف فكف . " ) 38 ) ولعل الخبر التالي أدل على التفاخر وأقوى بيانا :
استأذنت عاتكة بنت يزيد بن معاوية عبد الملك فى الحج ، فأذن لها وقال ارفعى حوائجك واستظهرى فان عائشة بنت طلحة تحج . ففعلت ، فجاءت بهيئة جهدت فيها . فلما كانت بين مكة والمدينة اذا موكب قد جاء فضغطها وفرق جماعتها . فقالت : أى هذه عائشة بنت طلحة ، فسألت عنها ، فقالوا هذه خازنتها ثم جاء موكب آخر أعظم من ذلك . فقالوا : عائشة ! عائشة ! فضغطهم ، فسألت عنه ، فقالوا : هذه ماشطتها . ثم جاء مواكب على هذا أى سننها . ثم أقبلت كوكبة فيها ثلاثمائة راحلة عليها القباب والهوادج فقالت عاتكة : ما عند الله خير وأبقى " . ) 39 (
) للبحث صلة (
