الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

الظرف بالحجاز في العصر الاموي ، النادرة والمندرون

Share

لم يكن الحجاز فى العصر الأموي بلد الشعر والغناء والترف والاناقة فحسب ؛ لقد كان ايضا ، على ما فيه من جد ونسك وعبادة ، بلد المزاح والفكاهة . وكما كان ثمة مجالس تعقد للشعر والغناء كذلك كانت هنا مجالس خاصة تعقد لسماع النوادر تتصدرها فئة من الناس اختصوا بخفة الروح وقوة البديهة والقدرة الفائقة على الاضحاك أولئك هم المندرون

ليس " الاندار " ) 1 ( أمرا بدعا بالنسبة الى العرب . ظاهرة دخيلة ، كما قد يتوهم بعضهم ، برزت فجأة فى البيئة العربية بسبب اتصالهم بالأعاجم العريقين فى الحضارة الذين اعتنقوا الاسلام ، أحرارا كانوا أو موالي . لقد كان للنادرة " وهي ما أضحك من قول أو فعل او هيئة أو موقف مع حرص على  الطرافة والامتاع ) 2 ( جذور فى الطبيعة العربية ، فلم يؤثر عن العرب انهم كانوا فى جاهليتهم أهل عبوس وكآبة ، استبدال بهم الجد وغلب عليهم الوقار  ففي اثار الجاحظ ، وهو أعرف الناس بالنفسية العربية وأعمقهم خبرة  بخصائصها وأسرارها ، ما يشهد بخلاف ذلك

يقول ابو عثمان منوها بشأن الضحك مبينا مكانته عند العرب :

. ولو كان الضحك قبيحا من الضاحك ، وقبيحا من المضحك لما قيل للزهرة والحبرة والحلى والقصر المبنى : كأنه يضحك ضحكا . ولفضل خصال الضحك عند العرب تسمى أولادها بالضحاك وببسام وبطلق وبطليق . وقد  

ضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ومزح ، وضحك الصالحون ومزحوا . واذا مدحوا قالوا : هو ضحوك السن ، وبسام العشيات ، وهش الى الضيف :  وذو اريحية واهتزاز ، واذا ذموا قالوا : هو عبوس ، وهو كالح ، وهو قطوب ، وهو شتيم المحيا ، وهو مكفهر أبدا ، وهو كريه ، ومقبض الوجه ، وحامض الوجه ، وكأنما وجهه بالخل منضوح " ) 3 )

وقد روى لنا فى " البيان والتبيين " نادرة شفعها بتعليق يدل على أن الفكاهة والمزاح سليقة فى العرب ) 4 ( وأن حظهم منهما ليس بقليل :

ولا نعرف شعرا يشبه معنى شعر غنية ) أعرابية شاعرة ذكرها  آنفا ( لا يغادر منه شيئا ، ولكن زعم أصحابنا أن أعرابيين ظريفين من شياطين  الأعراب حطمتهما السنة فانحدرا إلى العراق ، واسم أحدهما " حيدان "  فبينا هما يتماشيان فى السوق فاذا فارس قد أوطأ دابته رجل حيدان فقطع  اصبعا من أصابعه ، فتعلقا به حتى أخذا منه أرش الاصبع - وكانا جائعين  مقرورين - فحين صار المال فى أيديهما قصدا لبعض الكرابج ) 5 ( فابتاعا من  الطعام ما اشتهيا . فلما أكل صاحب حيدان فشبع انشأ يقول :

فلا غرث ما كان فى الناس كربج    وما بقيت في رجل حيدان اصبع

وهذا الشعر وشعر غنية من الظرف الناصع الذي سمعت به ، وظرف الأعراب لا يقوم له شئ " ) 6 ( .

وكذا كان شأنهم في صدر الاسلام ، حينما كان الدين فى عنفوانه قد ملأ  على الناس حياتهم واستقطب جهودهم وهممهم لبناء مجتمع جديد قد أولى الجانب الروحانى فى الانسان أعظم العناية فخصه بالافضلية وركز عليه   فلسفته . فهناك أخبار تفيد أن القوم كانوا ، مع جدهم وصلاحهم وتقواهم  يجدون وقتا للهزل والدعاية ، وأن من بين الصحابة من كان يتذوق الفكاهة

ويتعاطاها ، بل ان النبي - صلى الله عليه وسلم - نفسه كان بعيدا عن تكلف الوقار والزماتة ، ولم يكن يرى بأسا ببعض المزاح

. كان نعيمان بن عمرو أشهر الانصار بالدعابة ، لا يقبل منها أحدا ولا يراه النبى فيتمالك أن يبتسم . وربما قصد النبى ببعض هذه الدعابات لطمعه  فى حلمه وعلمه بموقع الفكاهة من نفسه : جاء أعرابي الى رسول الله فدخل  المسجد وأناخ راحلته بفنائه ، فقال بعض الصحابة لنعيمان : " لو نحرتها  فاكلناها ؟ فانا قد قرمنا اللحم ، ويغرم النبى ، صلى الله عليه وسلم  حقها " فنحرها نعيمان . وخرج الأعرابي فرأى راحلته فصاح : " واعقراه يا محمد " فخرج النبي يسأل : " من فعل هذا " ؟ قالوا : " نعيمان . فاتبعه النبى حتى وجده بدار ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب قد اختفى فى  خندق ، وجعل عليه الجريد . فأشار اليه رجل ورفع صوته : " ما رأيته يا  رسول الله " وهو يشير باصبعه الى حيث هو ، فأخرجه رسول الله وقد تعفر  وجهه بالتراب ، فقال : " ما حملك على ما صنعت ؟ " قال : الذين دلوك على يا رسول الله هم الذين أمروني " فجعل رسول الله يمسح عن وجهه التراب ويضحك . ثم غرم ثمن الراحلة . " ) 7 ( .

على أن الجديد الطريف ، فيما يخص النادرة بالعصر الاموي ، نشوء ظاهرة الاختصاص ، أعني التفرغ لهذا اللون من النشاط الفني والعناية البالغة باثرائه وصقله وتنويعه وضبط أصوله وخصائصه حتى امكن تلقينها والتنافس فى إحكامها ، فاذا هو فن قائم بنفسه قد وضحت معالمه وتميزت مقوماته ، ولئن استمد من الفنون الاخرى كالشعر والخطب والامثال والغناء والرقص فهو

يؤلف بينها ويجعل منها كلا موحدا ، روحه وشكله واطاره من صميم روح النادرة وشكلها واطارها ، واذا هو حرفة رابحة تدر على أصحابها رزقا كثيرا .

وسبب ذلك ولع الناس ولا سيما أعيان القوم وأثريائهم ، بالنوادر ولعا مفرطا دعاهم الى بذل الكثير من المال والوقت والجهد فى سبيله فانتشر هذا الفن وأصبح للمندرين ، على الرغم من ضعة نسب الكثير منهم ، مكانة كبيرة فى المجتمع .

ولقد ساعد على بروز النادرة فى وضعها الجديد عوامل وظروف من اهمها ) لعلاقته المباشرة بظاهرة الاندار ( : الاتصال الوثيق بالموالى من فرس وروم وغيرهم من المنتمين الى حضارة عريقة راقية بلغت أقصى تطورها وغاية نضجها فغلب عليها الترف واللهو وعشق الملاذ إلى حد الاباحية والتفسخ نخص بالذكر منهم فئة كان لها دور فعال فى نشأة الظرف ولا سيما على مستوى الغناء والنادرة تلك هى فئة المخنثين

أما العامل الثاني فهو تشجيع بني أمية لتيار الترف واللهو بالحجاز حتى يصرفوا أعيان قريش عن السياسة ويأمنوا منافستهم . وكان هذا المسلك منهم خطة مدبرة مرسومة جرى عليها معظم خلفائهم ) 8 ( . وقد وفقت مساعيهم الى حد بعيد فأقبل أشراف القوم على متع الفن ولذات الحياة وأولعوا خاصة بالغناء والفكاهة والمزاح ، سدا للفراغ وتعويضا عن الحرمان من السلطة بحيث يصح القول إن القرن الاول بالحجاز كان عصرا ضاحكا ) 9 ( مرحا ، على  ما فيه من جد وعلم وعبادة .

اشترك في نشرتنا البريدية