الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "المنهل"

الظفير كما عرفتها

Share

- الحلقة الاولى -

انا فى الظفير ، واذا قلت الظفير فانني اعبر بالجزء عن الكل اعبر بها عن منطقة الباحة وتوابعها ، أي انني فى ربى غامد وزهران فى منطقة الجمال والسحر الحلال

على أي حال انا فى الظفير والباحة بالمجاورة وقد اتيت اليهما (( مجبر أخاك لا بطل )) كارها لا راضيا ( وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون )

وعندما قدر لى النزول بالظفير لأول مرة ضقت حتى صار صدرى أضيق من سم الخياط . . ووددت توديعها فى أسرع من لمح البصر ( لو كان باليد حيلة ) ولكن :

إذا لم يكن الا الأسنة مركب

فما حيلة المضطر الا ركوبها

وقد ركبت الأسنة وأي أسنة امضى من أسنة مرتفعات غامد وزهران . . وأي اغتراب أقسى على النفس من اغترابى بين أهلى وفى وطنى ؟ :

وما تغربت عن اهلى ولا وطنى

لكن تنازعني أشواق مغترب

ولقد اتفقنا بحمد الله ، ولو لم يك الا المعرفة بأننا جميعا فى الظفير ، لكان هذا غاية الاتفاق (( وكل عند صاحبه مكين )) هويه ؟ (١) هل انا غريب حقا ؟ اننى اشعر بالغربة ! وزادت حساسيتي هذه المئات من الدفاتر :

حسب المعلم غمة وكآبة

مرأى الدفاتر بكرة وأصيلا

انه يضايقنى ولا سيما عندما انهمك فى التصحيح ولا أشعر الا بانبلاج الفجر . فاتذكر شوقى وبيته :

قم للمعلم وفه التبجيلا

كاد المعلم أن يكون رسولا

وأتذكر طوقان ومعارضته لشوقى فى قوله :

شوقي يقول وما درى بمصيبتى

قم للمعلم وفه التبجيلا !!

لو جرب التعليم شوقى ساعة

لقضى الحياة شقاوة وخمولا

اقعد فديتك هل يكون مبجلا

من كان للنشء الصغار خليلا ؟!

مئة على مئة فان هى صلحت

وجد العماء الى العيون سبيلا

ولو أن فى التصليح نفعا يرتجى

وأبيك لم اك بالعيون بخيلا

لكن أصلح غلطة نحوية

أيضا واتخذ الكتاب دليلا

مستشهدا بالغر من آياته

او بالحديث مفصلا تفصيلا

وأكاد ابعث سيبويه من البلى

وذويه من أهل القرون الأولى

فارى حمارا بعد ذلك كله

رفع المضاف اليه والمفعولا

يا من يود الانتحار وجدته

أن المعلم لا يعيش طويلا

لا تعجبوا أن صحت يوما صيحة

ووقعت ما بين البنوك قتيلا !!

هكذا قال إبراهيم طوقان رحمه الله ، وكان معلما (( ولا يعرف الشوق الا من يكابده ))

وكل معلم يعرف صدق قول ابراهيم ويعرف عظم الامانة التى أنيطت بعنقه والمسؤولية التى تقلدها وهى تربية وتعليم وتقويم براعم الامة وأمل المستقبل وعتاده لهذا فهى شاقة تحتاج لعمل متواصل فى الدوام وخارجه بخلاف غيرها فمهنة التدريس ليست كغيرها ولا يمكن أن يقارن بها غيرها .

لهذا كثيرا ما تبرم بها المعلمون ومنهم طوقان الذى قال : أن التعليم يقصر العمر (( أن المعلم لا يعيش طويلا ))

كذلك سخر منهم الجاحظ - سامحه الله - وقال : أن معلمى الصبيان لا شهادة لهم لأن عقل المعلم ينقص كل سنة ، لأنه ينزل من مستواه الى مستوى طلابه ، واستدلوا على نقص عقول المعلمين (( بقصة أم عمرو ))

ثم ماذا ؟ ألا ترون أن الحديث جر بعضه وخرجنا من الظفير الى التعليم ؟ لا جرم فان كاتب هذه السطور له شرف الانتماء الى التعليم . وقد قال قصيدة يؤيد بها شاعر فلسطين منها :

ذوبت نفسى مدادا بين اسطرها

فى هداة الليل واسحقا لأحلامى

وقد نال الظفير منها رش هو :

كانت تراودني كل المنى زمرا

فطلقتني وحيدا فى الهوى (( الطامى ))

واودعتنى ظفيرا كنت أحسبه

تاج الممالك من نجد إلى (( شام ))

لهذا لم تكد عطلة عيد الفطر المبارك تطل حتى فرحت فرحة لا تقدر وودعت المنطقة الى حين وأنا أعبث بقول الشاعر :

ودعتها وبودى أن يودعنى

صفو الحياة واني لا أودعها

وعبثى هو :

ودعتها وبودى أن يودعني

صفو الحياة واني لا اعاودها

ولكن بحمد الله قد عاودتها ولم يودعنى صفو الحياة كما تمنيت وسرعان ما تغيرت نظرتي للحياة وهدأت نفسى بعض الهدوء وتفتحت بعض الانفتاح ورأت الحياة (( الغامدية )) على سجيتها والحياة الطبعية على أبهج صورها وهذا هو فصل الربيع سيد فصول السنة والربيع فى غامد كل شئ ، فالناس لا يزرعون الا عندما يأتي والدنيا لا تكتسى حللها القشيبة الا فيه وهذا هو الربيع قد ورد - متاخرا - فمرحبا بوروده ، وهذا هو الرعد يلعلع ويدمدم وهذه هى السماء تهمس ببنات العيون التى لا تقف الا لتبدأ ، وهذه هى عذراء السماء قد تملكها الحياء فاحتجبت والناس يتمنون طلعتها البهية ، وهذه هى الثلاثة التى قيل أنها تذهب الحزن وهى (( الخضرة والماء والوجه الحسن )) .

فأما الخضرة فحدث ولا حرج وأما الماء

فحدث وانت تسبح فيه من قمة رأسك الى أخمص قدميك . وأما الثالث وهو الوجه الحسن فالدنيا كلها جمال فى جمال وبيت القصيد جمال الارواح وأما الوجوه فيكفى أن اقول : (( شم الأنوف من الطراز الاول )) ولا أزيد ويكفى أن أقول أن المنطقة محافظة محافظة ما عليها من مزيد . واذا كان المتنبى قال قديما :

أفدى ظباء فلاة ما عرفن بها

مضغ الكلام ولا صبغ الحواجيب

ولا برزن من الحمام مائلة

اوراكهن صقيلات العراقيب

حسن الحضارة مجلوب بتطرية

وفى البداوة حسن غير مجلوب

فان الحسن غير المجلوب ، هنا فى منطقة الباحة ولا يعنى هذا أن المنطقة بدوية قحة كلا . . فان أكبر مذمة توجهها لأي غامدى أو زهراني هى أن تقول له : (( يا بدوى أو يا تهامى ))

فهم حاضرة منذ القدم وهم فى الواقع بمنزلة بين المنزلتين بين البادية والحاضرة فعندهم من البادية شهامتها ومروءتها وكرمها ، وعاداتها القبلية وليس عندهم من الحاضرة ميوعتها وتفسخها وببلهنيتها ، فظباء غامد تسمع ولا ترى , وظباء الحاضرة قد ترى وقد تسمع وأشهد أننى منذ وجودى هنا لم أر ظبيا من ظبيات الحى . فحيا الله الشيم الغامدية المحافظة وحيا الله بلاد الجمال والسحر الحلال .

والى اللقاء - أن شاء الله - فى الحلقة الثانية : (( ايليا ابو ماضي فى غامد )) ( متوسطة التوفيق بالظفير )

اشترك في نشرتنا البريدية