« الحلقة الثانية »
أمير المنطقة : « سعود بن عبدالرحمن السديرى » عندما أشرعت اليراع لأكتب عن « الظفير كما عرفتها » شعرت به يتوقف بين أناملى ويعاتبني بلسان حاله ويقول : « ان للقلم رسالة وللفكر كلمة يجب أن تقال ولا يهم بعدها ما يقال » .
واذا كان الرافعى « رحمه الله » يقول : « تحية الفكر للفكر رد كلمة بكلمة وتحية النفس للنفس هز يد بيد .. » فأن تحية الفكر تسطر تحيتها بمداد من نور لمحدث لبق وخطيب مفوه تعرفه المنابر خطيبا كما قال الشاعر :
خطيب به تعلو المناسب هزة
اذا خطب الاحجار توشك بالرد
فالأمير الأريب لم يصده عظم المسؤولية وضخامتها وثقلها عن النهل المتواصل من من منابع العلم والعرفان ، فقد كرع فيها حتى ثمل ووردها عللا بعد نهل فهو صاحب فكر مبدع ، وعقلية نيرة متفتحة ، هو المسؤول المصلح الذى يمثل المسؤولية خير تمثيل ويقدرها حق قدرها ، هو القوي
فى غير عنف ، السهل فى غير ضعف ، هو الذى يلبس لكل حالة لبوسها ويضع الامور فى موازينها ويعلم مدى عمق قول المتنبي :
ووضع الندى فى موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف فى موضع الندى
وقد وضعته الثقة فى منطقة غريبة الاطوار ، مختلفة المشارب ، متناثرة القرى، وعرة المسالك ، شائكة الدروب على كل قمة جبل . قرية ، وفى كل منخفض ، قبيلة ، فساسها حتى عاد صعبها ذلولا .
وقسا ليزدجروا ومن يك راحما
فليقس أحيانا على من يرحمه
وكما قيل بأن « ألسنة الخلق أقلام الحق » فان ألسنة أهالى المنطقة جميعا تلهج بشكره وتبدى اعترافها بأعماله الخالدة ، فيها ومنها تمهيد الطرق بين القرى فى قمم جبالها التى كانت قبلا لا يتأتى الوصول اليها الا بالرجل أو على الحمار .
صحيح أن حكومتنا الرشيدة لا تألو جهدا فى تقدم كل جزء من مملكتنا الفتية السائرة بخطاها الوثابة الى احتلال القمة ، ولكن كل مسؤول هو يمثل الحكومة ، هو عينها الساهرة ويدها العاملة وقلبها النابض المتحرك بالخير والأفضال . « واذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه » . وهكذا شاء الله لحسن حظ منطقة الباحة أن يهيء لها أميرا عاملا نشطا هو همزة الوصل بينها وبين الحكومة الراشدة فكل عمل اصلاحى لو تكلم لقال : « السديرى هو السبب فى وجودى ولفت النظر الي ، بعد أن كنت نسيا منسيا » .
وقدر كل امرىء ما كان يحسنه
وللرجال على الاعمال أسماء
وما أردت التدليل على كفاءة الرجل ..
فليس يصح فى الأكوان شىء
اذا احتاج النهار الى دليل
فقد عرفت بالسديرى أعماله ، وكل عمل فى المنطقة هو سديري يقف أمامك ويتحرك ..
والقمر ليس فى حاجة الى هالة تضاف الى هالته المحيطة به ، وانما رأيت من الحق أن لا أكتب عن المنطقة بدون التعريج فى كلمة عجلى على رجل ضحى براحته وبوقته فى اخلاص متفان من أجل المنطقة وخيرها وصلاحها « وما كل آلائه يا قوم أحصيها » وانما كلمة بقيت ، أقولها وأصمت وفى النفس حاجات اليه كما هى . هذه الكلمة هى أن الامير أديب متضلع قد أخذ من كل علم بأطراف وملك ناصيته حتى أساس له قياده فهو يحاور أرباب الاختصاص فى تخصصاتهم فيفحمهم فتضؤل معارفهم بجانب معارفه ، واذا كان حب العربية دينا على كل مسلم ، فان سعودا السديرى ، قد تشربت روحه بها وذابت نفسه فيها فكلف موظفيه تعلمها واتقانها ، وهكذا صار كل موظف مطالبا بالعربية الفصحى فى الكتابة على معاملة رسمية لتكون لغته سليمة، بعيدة عن العثرات النحوية والأملائية واللهجات المحلية .
والامير سعود السديرى ، أستاذ فى هذا الموقف السديد المفيد الحكيم .. وهذه الطريقة فيما أعلم يتبعها سعود السديرى وأضراب له قليل ، نشد على أيديهم ونطلب من الله أن يكثر من أمثالهم .
فالأعمال العظيمة مرهقة ولا تنال الا على جسر من المتاعب .. وصدق المتنبي اذ يقول :
وتصغر فى عين الصغير صغارها
وتصغر فى عين العظيم العظائم
لهذا جشم الامير موظفيه عناء الدرس والمطالعة حتى لا تصدر معاملة رسمية من امارة الامير وبها أى خطأ فى النحو أو الاملاء أو عثرة فى اللغة . وكأنى بالأمير قد وضع جائزة لمن يعثر فى معاملة صادرة من عنده على شىء من ذلك ، فله الشكر الجم على هذا العمل النبيل . فهو بحق دائرة معارف . وهو مدرسة بكامل هيئتها التدريسية ، وموظفوه هم طلاب المدرسة الذين يتلقون الدروس عليه كل دقيقة وساعة ويوم وشهر وسنة ، يتلقون المعرفة .. والمعرفة كما قال سقراط ، هى : الفضيلة . والفضيلة كذلك أن لا يخفى عن أى مسؤول احسان محسن ولا اساءة مسيء.
والامير لا يخفى عليه شىء من هذا ، فله نظر ثاقب يخترق اسدال الحجب الى أقصى مسؤولية علقت بعنقه . فحيا الله الامير فى جهوده وأعماله وأخلاقه الفضلى . حيا الله الامير الاريب الاديب ( سعود بن عبدالرحمن السديرى ) أمير منطقة الباحة.
« ولا يشكر الله من لا يشكر الناس » ومن أجل هذا سطرتها بمداد النور والحق والانصاف لرجل الحق والعدل والانصاف ، ومن يعمل فى صمت ، فاليه التحية مع التقدير من أهل المنطقة ومن كل من يقدر الرجال ويزنها بميزان أعمالها .
والى اللقاء في « الحلقة الثالثة »
متوسطة الظفير
بكالوريوس في اللغة العربية وآدابها

