الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

العالم الموبوء

Share

" إلى نجيب محفوظ عن قصته العالم الآخر "

سار متباطئا تباطؤ السلحفاة ، العمامة زادته ثقلا على ثقل ، انتهى به المطاف الى بناية ضخمة انبعث من بين ثلمات نوافذها وابوابها عزف جوقة ، ترنح قليلا ليرى الداخل والخارج ، ادرك على عجل انه لا يدخل هذا المكان الا ذو سعة ، حدجه من بعيد حارس الباب بنظرة فيها اغراء ثم أشار اليه بالدخول .

دخل صاحب العمامة الى المحل والقى على الدرب نظرة استغراب ، ظل يرفع رأسه يلقى تارة نظره هنا وتارة هناك . جميع المقاعد خالية فى تلك الساعة الا اربعة أو خمسة جلست عليها نساء متبرجات فى ازياء متهتكة يدخن ويضحكن ويتغامزن كلما دخل زبون جديد . فرقة تعزف بهدوء تحت اضواء بنفسجية باهتة . تردد ثم جلس على كرسى وثير . قدم اليه القرسون مترنحا تدغدغه نشوة قديمة .

ـــ  وسكى ، برجيه ، كونياك .

سكت صاحب العمامة قليلا ثم قال فى لهجة الوقور : ــــ  من فضلك فنجان من الحليب فيه شىء من البن .

وتمتم القرسون بين شفتيه الغليظتين : حكاية فارغة ولايرجى منها نفع .

بدأ الزبائن يتقاطرون ، الجوقة ترسل نغمات جميلة ومنسقة ، النسوة يتململن ، ظهر فجأة بالبهو رجل قوى البنية طويل القامة يظهر انه الحارس ، وأشار الى الفرقة فكفت عن العرف ثم قال بجدية :

ـــ  ان الجماعة سيتغيبون هذه الليلة لامر ما فاحذروا الشغب .

ثم سار فى اتحاد صاحب العمامة . حياه تحية " بلدية "  ، ثم سأله فى لهجة مائعة :

ـــ حضرتك زبون جديد ؟ تفحصه صاحب العمامة بامعان ثم اجاب  :

ـــ وهل هذا مما يهم قليلا او كثيرا ؟

ـــ  العفو العفو يا سيدى هو مجرد سؤال . ضحك صاحب العمامة ضحكة صفراء مقتضية ثم سأل الحارس :

ـــ  من عساها تكون هذه الجماعة التى ستتغيب هذه الليلة ؟

ــــ انهم ارباب البلد  .

ـــ  أتعني اثرياء هم ؟

ــــ  أجل ولكنهم يعتلون اسمى المناصب فى الدولة الفانية .

بهت الذى سأل وظن أن صاحبه قلب الجد الى مزاح او لعله يسخر منه . فليست كل العمائم تغطى رأسا مربوطا كما يقول أهل الحاضرة وليس كل سروال فضفاض يلبسه فلاح من الريف  .

سكت صاحب العمامة ردحا من الزمن ثم عاد يسأل مستزيدا من الاستفسار :

ـــ وما هو دور كل من هذه الجماعة فى هذا المكان ؟ لم يتردد الحارس فى الاجابة وتهيأ لسررد الادوار كما يسرد الاطفال السور فى الكتاتيب .

ـــ اى الادوار تريد . . دور ال . . العفو يا سيدى من اسرار المهنة ان لا ننطق بالاسماء على كل فالجميع لهم نعوت خاصة واسماء وقتية لا يعلمها الا الله والمتكلم وافراد قلة على شرط ان لا نتفوه بها خارج المقهى والا . . . قضينا على مستقبلنا وعلى مستقبلهم . فنحن نعيش كل ليلة ساعات كل شىء اثناءها مباح وتكثر فيها الهفوات والنكت ويزيغ اللسان . لا تهم كل هذه التفاصيل ، على كل فدور من تريد ، النمر ، الذئب ، الديك لكن اعلم ان كل هذه الاسماء تمثل قسما من الدولة الفانية اما الاستاذ والمحامى والموظف وغيرهم فاسماؤهم لم تتغير  .

وقاطعه صاحب العمامة :

ـــ  على فكرة . هل ستشرفكم الشخصية الاولى بزيارة ؟ ـــ وهل يدرس التلاميذ بدون معلم ؟ يجلس بجانب الاركستر وتجلس الى جانبه حسناء الحسناوات ، لا يقضى مع الناس الا ربع ساعة يتناول اثناءها مشروبه الخاص ثم يقصد غرفته تتقدمه الحسناء .

ـــ والشخصية الثانية ؟؟ ـــ يطلق على نفسه القولة : كن ذئبا قبل ان تأكلك الذئاب محتال داخل المقهى وخارجه ، لا يسلم احد من اذاه يجلس مباشرة وراء الشخصية الاولى ووظيفته تهييج الاركستر والتصفيق ، يرمى بمنديله الى السقف للتعبير عن فرح عارم .

ــــ والشخصية الثالثة .

ـــ ديك ولكنه لا يتسردك عل اترابه ، يجلس الى جانب الشخصية الثانية ولا يتحرك الا باذن منها .

كشف صاحب العمامة عن رأسه فبدا شعره أصفر فاقعا . حركه بأصابعه فتهدل الى رقبته ثم عاد يسأل فى حرص الطلاب :

ـــ رئيس القسم هل له الحق فى الحضور ؟ ـــ وجوده أكيد كالرابع " للبيلوت " يرتدى احسن ثياب . يرقص مع الفتيات . ويهيج اللذات البهيمية لبقية الحاضرين .

ـــ المهندس ؟ ــــ لا يدخن الا السجائر الرفيعة . لباسه منسق ويربط كرافاته ربطة حسنة لا شئ يعاب عليه . يقدم فى بعض الاحيان قبل كل الناس ليعين الامكنة ويحفظ الوضع .

ـــ الاستاذ المربى ؟ ـــ يجلس في المؤخرة دوره الحياد ، لا يتكلم جهرا وليس له الحق فى الانتقاد والتعليق يصفق خلسة اذا صفقت الجماعة ولا يسهر الى ساعة متأخرة الا ليلة الاحد .

ـــ الموظف ؟ ـــ الموظف والفلاح الكبير والتاجر كلهم يجلسون مع بعض فى صالون ثان يطل على الصالون الاول لهم الحق فى الضحك والقهقهة والتصفيق ما داموا

بعيدين عن الفريق الاول . بقى المحامى فقد اطرد طردا باتا . لا يسكت ابدا ويتكلم عند الكلام وعندما تسكت الجماعة . رموه بالرجعية والتخلف الذهنى . ثم يتحرج ذات يوم من ان يشتم النمر امام كل الحاضرين وخوفه من ان يكشف السر . يريد أن يجلس الصنف الاول مع الصنف الثاني ويأكلون من طبق واحد . لكن هذا مستحيل فالنمر يخاف على نمرته وعلى سمعته . لذلك كان المحامي منبوذا من طرف النمر وحاشيته . لكن اعلم ان النمر يترك له في كل ليلة صكا ماليا !

وفجأة كف صاحب العمامة عن السؤال وكف الحارس عن الاجابة لطلوع الراقصة عليهما . كانت على جانب كبير من الجمال والرشاقة . سمراء ذات سمرة خفيفة يزينها شىء من المساحيق الكيمياوية . تقدمت نحوهما تبعثر خطاها وتتمطط كأن جسمها قد من العجين ثم قالت في لهجة الطفل المتلعثم : ـــ هل تأذن لى حضرتك بالجلوس ؟

حدجها صاحب العمامة بنظرة من اسفل الى فوق ثم لم يجد بدا من التبسم فقالت الراقصة لحينها :

ـــ اذا كان السكوت من علامات الرضى فما عسى يكون التبسم ؟

ضحك فى هذه المرة صاحب العمامة ملء شدقيه وتمطط على كامل الكرسي بعد ان كان جالسا كالجثة الهامدة وافلت زمام الجد ثم نبس :

ـــ اهلا بعالمة النفس !

ـــ اهلا وسهلا بالضيف الكريم ، انك نزلت فى ليلة القدر  .

قام الحارس من الكرسي ليفسح لها المجال وهمس في اذن الراقصة : ـــ انه وقع لقد أتى دورك الآن  .

لم تجبه الراقصة بل ضربت على مؤخرته كالعادة . واقتربت من صاحب العمامة ثم مررت يدها على شعره المتهدل وقالت :

ـــ عجيب  .

ـــ لم ينبس الآخر بل تركها تفعل ثم سألها فى حسرة : ـــ ما الذى أتى بك الى هنا ؟

ضحكت الراقصة ثم قالت :

ـــ الا يعجبك هذا المكان ؟

ـــ انك لم تخلقى لتعيشى فيه .

ـــ اذن هو لا يعجبك ؟

ـــ كلا  .

ـــ وأنا هل أعجبك ؟

ـــ كثيرا والله .

ـــ اذن الفضل يرجع الى هذا المكان الذي جمعنا فكيف لا يعجبك ؟

ضحك صاحب العمامة وقال : ــــ استنتاج منطقى ومقبول .

ثم خيم صمت خفيف فاتخذت منه الراقصة فرصة للتفكير ثم قالت فى لهجة خلت لأول مرة من المزاح :

ـــ اني غادرت أهلى ومنزل الى الأبد لأني سئمت الحياة معهم ، كرهت أن أعيش عالة على أبى ، حسبه ثمانية أولاد وزوجتان فى خصام مستمر لا يعرفان الهدنة أبدا .

ثم سكتت وأطرقت برأسها كأن لم تعرف الجد الا اليوم فقال صاحب العمامة باصرار :

ـــ ما الذى حملك على أن تسلكى هذا السبيل بالذات ؟

فأجابت الراقصة بدون عناء :

ـــ انه لا يكلفنى مشقة .

ـــ لكن شرفك فى المرتبة الاولى .

ـــ انى أريد أن أعيش .

ـــ ليس بهذه الصورة .

ـــ ان الغاية تبرر الواسطة .

ــــ أماكن عديدة للشغل خارج هذا المكان  .

ـــ انها لا تضمن العيش .

ـــ لكنها مشرفة .

ـــ دفنت شرفى منذ زمن .

ـــ انه زمن طغت فيه الماديات على كل شىء .

ـــ الاداءات تقضقضنا في كل مكان في الادارة فى المصنع فى المتجر فى البيت ولاحقتنا حتى الى القبر .

ـــ هل تدفعون فى هذا المكان الاداءات ؟

ـــ اننا معفون منها ما دام ذاك بين ظهرانينا .

ـــ من ؟

ـــ فلان ، ألا تعلم سر المهنة ؟

لم يستفسر صاحب العمامة فى هذه المرة . انه تعلم بعض الرموز . كان المقهى فى تلك الساعة قد امتلأ بالناس وتعالى الضجيج ، وارتفع عزف الجوقة كانها الحرب فعمت النشوة كل الحاضرين .

رمقت الراقصة صاحب العمامة بنظرة فاترة معبرة ثم قالت له : ـــ ألا ترغب فى أن نختلى فى غرفتى ؟

وتظاهر الآخر بالتردد :

ـــ لماذا ؟

ـــ لقد كثر الضجيج .

ـــ أنت المجلس التشريعى وأنا المجلس التنفيذى .

ـــ لو عكست لأصبت .

وقامت الراقصة فى اتجاه الغرفة وتبعها صاحب العمامة مرتطما بالكراسى التى تعترضه بدون مبالاة وولج الغرفة فأحكمت الراقصة غلقها ، نحت عنه العمامة ورمت بها بعيدا ثم قبلته من خده وقالت : ـــ إنك أجمل منهم .

استغرب صاحب العمامة وقال :

ـــ أجمل ممن ؟ ـــ أ ولائك .

ــــ ......

ـــ ألا تفهم سر المهنة ؟

أطرق الآخر برأسه وضحك ، فاستطردت الراقصة تقول :

ـــ اننى مللت أجسادهم القبيحة وكلامهم الزائف واستغلالهم الفظيع فتكوا بجسمى الحساس واستغلوه بقعة بقعة ، انه جسمى ولكنى لا أتصرف فيه قبلوا كل بقعة منه ، انهم ضعفاء ، حياتهم ومماتهم متوقفتان على ارادة امرأة . يقولون المرأة ضعيفة ، لكن الرجل أضعف منها أضعافا مضاعفة .

ربت صاحب العمامة على كتفها ثم قربها الى صدره وقال :

ـــ اننا ابتعدنا عن الطريق .

ـــ لنرجع .

وخيم على الغرفة صمت طويل ، ثم نهضت الراقصة على أصابع أقدامها وهي تتمتم انه كالآخرين لا يقاوم .

اتجهت نحو لباسه تفتش الجيوب . لم تجد شيئا ما عدا بطاقة تعريف كتب عليها من فوق سلك ديبلوماسى .

اشترك في نشرتنا البريدية