الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

العامل التاريخي في وحدة المغرب العربى

Share

انه لظرف تاريخي حاسم ، هذا الظرف الذي يعيشه شعب المغرب العربي اليوم ، يعيشه لا كما كان يعيش الظروف والازمان ؛ لانه يجرب اليوم اعظم تجربة مرت عليه فى حياته المليئة بالاحداث منذ آلاف السنين ، والذى كان فيها مسرحا هاما لجميع ما ظهر على حوض البحر الابيض المتوسط من حضارات وموجات تاريخية ، والتى كان فيها فاعلا حينا ومتفاعلا حينا آخر . ومن هنا تاتي عظمة هذا الشعب ومقامه الممتاز . وليست للشعوب قيم اعتبارية الا بمقدار مالها من اتصال بالعالم المحيط بها ، والامم والحضارات المتصلة بها.

واذا كان البحر الابيض المتوسط يتنزل من العالم منزلة الصدر فان المغرب العربى يتنزل من ذلك الصدر منزلة القلب . ومن هنا جاءت خطورة الموقع الذي يشغله المغرب العربى من العالم . ومن هنا ايضا اجتمعت عوامل الوحدة والاتحاد ، وروابط الالفة والتلاحم بين أجزاء هذه الرقعة من الارض . ولكن هذه العوامل - رغم مالها من مكانة فانها أقل اهمية من عوامل اتحاد ذاتية متأصلة لا تؤثر عليها عوادى الزمن ، وتقلبات الظروف ، واختلاف الاجيال ، وتنوع الحضارات

- عوامل اتحاد المغرب العربى

أطلق المؤرخون والجغارفة ( ١ ) العرب القدامى اسم " جزيرة المغرب " على المغرب العربى . وذلك أصدق إطلاق يحمل معنى الوحدة الترابية والجغرافية لهذا الوطن العزيز . وقد لاحظ الجغارفة والمؤرخون إحاطة الماء والصحراء بهذا القسم الشمالي من القارة الافريقية إحاطة تجعله أقرب إلى معنى الجزيرة منه الى شئ آخر فأطلقوا عليه في احيان كثيرة هذا الاسم " جزيرة المغرب " ان عوامل اتحاد المغرب العربى كثيرة ومتوفرة : فهناك العامل الجيولوجى والجغرافى ، وهناك العامل البشرى والروحى واللغوى والاجتماعى وهناك العامل الاقتصادى ، وهناك العامل التاريخي ، وهناك عامل المصلحة والبقاء والحفاظ . وماذا

ترجو بعد ذلك من عوامل اتحاد ووحدة ؟ فاذا كانت بعض المجموعات البشرية الاخري سعت الى الاتحاد ودعت الى الوحدة رغم ما بينها من تباين ، وما يعترضها من مشاكل ، فان المغرب العربي أولى بذلك الاتحاد وتلك الوحدة في زمن اصبح لا يرتضي فيه بالوحدات الاقليمية بل تخطاها الى ما هو ابعد واكثر تشعبا واتساعا

ان دراسة جميع اتحاد المغرب العربى لا يتسع لها صدر مقال في مجلة وانما هي موضوع رسالة او بحث مطول قد رسمت حدودها وحددت معالمها ، أرحو ان أتمكن من ابرازها ان شاء الله . وانما هذا عرض خاطف للعامل التاريخي في اتحاد المغرب العربي .

- في العصور القديمة

كان الجنس البربرى يمثل وحدة السكان في المغرب العربي منذ فجر التاريخ. وما تزال الدراسات التاريخية والبحوث والكشوفات الأثرية تكشف الحجب عما كان لهؤلاء السكان الاولين من معالم حضارة وتقدم انساني في تلك العصور القديمة .

ان هذه الحقبة التاريخية - وان كان الغموض ما يزال يحيط بالكثير من جوانبها الا أنها تحمل - دون ريب - وحدة سكان هذه المنطقة في تاريخها ومجتمعهم وعاداتهم . وهي الحقبة التى تكاد تخلص من الدخلاء والواردين .

ولكن استقرار الفينيقيين بالسواحل الافريقية وتكوين القرطاجنيين لدولتهم العظمي ، يسجل أولى الموجات التاريخية الواضحة التى لامست هذه المنطقة من خارج ، وتدخل " جزيرة المغرب " فى التاريخ العام ، وبعدها للعب دورها الحضاري الخالد . ومن هنا تسجل ظاهرة لا تكاد تتخلف الا قليلا هي ان الاحداث التاريخية القادمة سوف تمس جميع مناطق المغرب العربى ولو مسا متفاوتا فى الدرجة والقوة .

القد استطاع القرطاجنيون أن يستولوا على سواحل المغرب العربى من طرابلس الغرب شرقا الى اغادير غربا ، وأمكن اهم أن يحيطوا المغرب في سواحله الشرقية والشمالية والغربية بسياج من المستعمرات والمراكز التجارية . واذا كان هذا السياج لا يتخطى السواحل فى طرابلس والجزائر والمغرب الاقصي فقد كان النفود القرطاجني أكثر تغلغلا وشمولا فى القطر التونسى . وهذا يعود الى ان المركزية القرطاجنية كانت بتونس ، وان سلاسل الجبال التى عاقت التوغل القرطاجني فى الجزائر والمغرب الاقصى لم يكن وضعها بتونس ليعوقهم عن التغلغل والتوغل بالبلاد التونسية .

ولم يكن هذا الاختلاف في كيفية الاستيلاء ليبعد السكان المغاربة فى كامل مناطقهم عن الشعور بانهم خاضعون لسيادة قرطاجنية موحدة ما دامت سواحلهم كلها تحت نفوذ الدخلاء وسيطرتهم .

وظهرت دولة الرومان فى الحوض الغربي من البحر الابيض المتوسط . وكان اي اتساع تريده هذه الدولة صوب الجنوب والغرب يوجب الصدام مع دولة قرطاجنة . وتتابعت صور الصراع والصدام بين الدولة الناشئة ودولة قرطاجنة كانت نتيجتها ان اصبحت رومة وارثة للامبراطورية القرطاجنية ، وصاحبة النفوذ والسيادة على سواحل المغرب العربى . ومثل دولة قرطاجنة لم يتمكن الرومان من التغلغل بالدواخل فبقى الجنوب والمناطق الجبلية تحت سيادة الشعب المغربي مكونا هنالك الامارات والممالك التى اختلفت علاقاتها مع الرومان وكان لها صدر من التعاون والتنافر والتحالف والعداوة . وكان النفود الروماني أقوى صلة واكثر تأثيرا من النفوذ القرطاجنى لعوامل وظروف لا يقتضى هذا المقام عرضها وبسطها .

وكان من الطبيعى ان تكون لموجة الرومان آثار شعورية وتقليدية عميقة عند سكان المغرب امتدت بعض خصائصها ومميزاتها الى عصرنا هذا . وكان من الطبيعي ايضا ان يكون للعهد الرومانى اثر فعال فى وحدة الشعور المغربي نحو هذا الذي سيطر على حظوظ الشعب وامسك بزمامه ، أو فرض عليه ضروبا من السيادة والحماية والاستعمار ، او اجبره على ان يثور ضده وتتجاوب اصداء ثورته في سائر مناطق الوطن المغربي . ويعمل بعض ملوكه وقادته على تكوين مملكة تضم سائر اطرافه .

وتدخل الامبراطورية الرومانية فى عهد الاضطراب والانحلال عندما تهافتت عليها هجمات البربريين الواردين من شمال اروبا ووسطها واقتسموا القسم الغربى من الامبراطورية الرومانية الواسعة وأصبح غالب أرض المغرب ( الجزائر وتونس ) تحت سيادة الوندال ، وبقى المغرب الاقصى فى مناعة من الوندال . وبدا كأن المغرب الاقصى امتاز عن شقيقتيه فى هذه الموجة التاريخية الجديدة ولكن الزمن لم يطل حتى ظهر جوستينيان الامبراطور البيزنطي فامتدت فتوحاته الى أقطار المغرب العربى الثلاث على نسب متفاوتة من الاستيلاء فكان غالب تونس وسواحل الجزائر ومنطقة طنجة تحت سيادته ونفوذه .

ولم تكن الموجة البيرنطية الا تمهيدا لموجة تاريخية كبرى ، كانت وما تزال اعظم الموجات اثرا فى اتحاد المغرب العربى ، لما امتازت به هذه الموجة من مظاهر ثم توفق اليها الموجات الاخرى ، ولم تكن هذه الموجة التاريخية سوى ظهور الاسلام وانتشاره في أقطار المغرب العربى

(يتبع)

اشترك في نشرتنا البريدية