كل العباقرة الذين ولدتهم هذه الدنيا . . كانوا يعانون من الضنك والشظف آلاما فظيعة أورثتهم عقدا نفسية ظلوا يقاسون منها حتى بعد أن مدت لهم الأيام يد التوبة والصلح .
ان العبقري الفقير جوهرة يغطيها الوحل ويطمسها التراب . . فما هى إلا أن تتخلص من الادران حتى تشع على الدنيا فيضا من النور يحطم الظلمات ويرسل الى القلوب والالباب قبسا من شررها العبقري فيتجه العالم اليها بكل مجامع احساساته وقد أحنى الزمن وخفض البصر تقديسا واعترافا بهذه العبقرية الرفيعة أو يتطلع اليها باعجاب باهر مشدوها مذهولا من هذا النور الذى يخترق السجف وينفذ الى الاعماق .
ذهب المؤلف الشاب ( أميل زولا ) الى أحد الناشرين وسأله بمرارة تنضح منها رائحة العوز .
- سيدى - هل تستطيع أن تقرضني مبلغ عشرة فرنكات ؛ عشرة فرنكات ، ارجوك اريد أن ادفع بها هذا الخباز اللحوح الوقح الذي لا يزال ممسكا بتلابيب زوجتى يطلب ان تدفع ثمن الخبز الذي أفطرنا به هذا الصباح .
ودهش الناشر ؛ وظن ان هذا الشاب مجنون أو متسول محتال ولكنه كان رقيقا رفيقا فسأل هذا الواقف أمامه بثيابه التى نهشتها اظافر الفقر :
- ولكن من أنت يا سيدى - أنا . . أنا ( زولا ) . . ألا تعرفني . . لقد بعثت اليك قبل شهر واحد برواية للنشر اسمها ( نانا ) . وهتف الناشر من اعماق روحه .
- اذن فأنت هو ؛ لقد تمزق حذائي يا هذا وأنا أبحث عنك فى شوارع باريس حتى اعتقدت انك تكتب إلى من الآخرة . . تعال . . تعال يا مسكين .
وتبعه أميل إلي غرفة مكتبه . . فناوله الناشر ظرفا خفيفا . . فعاد أميل يسأل : - حسنا .. حسنا سوف اقرأ آراءك فى روايتى عندما انفرد بنفسى فى البيت ؛ اقرضني فقط المبلغ المطلوب .
- ولكن افتح الظرف يا سيدى تجد فوق المطلوب . - وفتح أميل الظرف " فاذا بداخله صك بمبلغ خمسة آلاف فرنك واذا بالناشر يقول : - هنيئا لك يازولا هذا هو ثمن روايتك في الطبعة الأولى وقد وزعت منها ثلاثين ألف نسخة وبذلك نفدت هذه الطبعة ولا تزال لدينا طلبات محتشدة وسنطبع الرواية مرة أخرى لنعطيك ثمنك العادل ، هنيئا يا بني .
وخرج زولا من دار الناشر وهو يكاد لا يمشي على الارض من الفرح . . ورآى الشارع الذي يمشي فيه ملطخا باوراق الاعلانات . . اعلانات ضخمة . . تعلن عن روايته ( نانا ) التى غزت القلوب وافتتحت المشاعر وسيطرت على العواطف . واذا بزولا الذي يجلس خلف مكتب محطم الألواح فى بيته قد طار اسمه فى الآفاق . . ينبئ عن زولا العبقري زولا العظيم . . زولا الانسان . بدل زولا الخامل الفقير المنكود .
من هي نانا ؟ ! ومن هو زولا ؟ !
بشران خاملان ، شريدان يقتاتان من التعاسة والألم والجوع ويشربان الظمأ والدموع والغصص . . تطاردهما الأيام باوجاعها وأتعابها وارزائها . . فلا يكادان يعرفان طعما للقمة الهنيئة . . الدسمة . ولا للفراش الوثير . . ولا للنوم الحالم .
أما ( نانا ) فكانت أتعس حظا من صاحبها زولا فهي غانية تقتات من كد العرض تقتات من اشلاء الشرف الذبيح من الأذى تقتنص اللقمة من دماء الفجرة والبغاة ؛ ومن اصلاب رجال طلقوا الضمير وراحوا يجرون وراء المتعة الحسية واللذة الحرام ينتزعونها من المعذبات التعسات ليدفعوا بعد اشباع رذائلهم ما يسد رمق هذا القطيع المنهك .
وأما ( زولا ) فشاب . . أراد أن يقتات من قلمه . . واراد أن يعرض للعالم عصارة قلبه وفكره وعواطفه ولكن صناعة القلم لا تمنح الذهب دفعة واحدة ، والألفاظ والافكار والآراء لا يمكن أن تتحول إلى لآلئ ودرر وارصدة فى المصرف إلا بعد أن يأكل الكاتب من التراب حتى تتخم معدته . . وصادف ( زولا ) مرة فتاة يطاردها البوليس مطاردته للبغايا وساقطات الليل ، ودخلت الفتاة حانة كان يجلس فيها زولا مع بعض اصدقائه المعدمين واستغاثت الفتاة به . فاسعفها وخلصها من المطاردين ، ونظر فى وجهها فاذا بعينيها الحزينتين المتعبتين تومضان باسرار مغلقة عميقة . . مجهولة . . كضمائر النجوم وجذبت قوة مغناطيسية خفية " زولا " الى استكناه قصة حياة هذا الجسد هذا الرأس الذي
يحمل هاتين العينين
وما هي إلا ساعات . . حتى خرج " زولا " من بيت ( نانا ) وفي يده حزمة من الرسائل والصور . . والخطابات . . وبعض خصال الشعر . . كانت مادة خصبة اجتمعت لتعطى ( زولا ) عناصر انسانية . . لينسج منها الرواية التى خرجت به من عالم المجهول الى عالم الشهرة والذيوع . ( نانا ).
وهناك . . من بعيد . جلس ذلك الأصم العبقري الموسيقار بيتهوفن ، الذي صنع نبوغه من انبل المشاعر واخصب الآهات ، موسيقى نابضة . . ذلك الذي حول احاسيس الانسانية إلى انغام . بتهوفن .. الفقير المنكود التعس .. صار الآن ملء إسماع الدنيا وابصارها .
وفاجنر الموسيقى الألماني الكبير كان غارقا فى الديون كما كان غارقا فى الانغام . . لم يولد وفي فمه معلقة من ذهب .
ابو عريش - جازان
