الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 8الرجوع إلى "الفكر"

العبور عبر حلقة مفزعة وجريئة

Share

1) لمحة :

سمعوه يقول :

حين تنفصم عروة الحلقة الادمية ، فتتشتت اعضاؤها ، عليكم ان تكشفوا عما بداخلها ، فان كان امرا عجبا فلا تحرقوه ولا تشهروا به ، بل ادفنوه كما دفنتم من قبله انبياءكم ورسلكم. طوى الكتاب ، ثم استغفر عبده وعبد عبده.. الكتب المقدسة تلوح فى اعلى الرف الببلغرافي على التوالى : التوراة، الانجيل ، القرآن ، اصل الانواع.

2 ) قفزة إلى الماضي :

اراد ان يعبر الممر الا انه عجز كان ممرا ضيقا محجوزا من قبل حزمه متسابكة من اللحم البشرى ... رؤوس مفروشة على الارض الخرشاء واخرى يلوح منها الخلف النخاعى . . . وايد ممدودة فمعقوفة وارجل متداخلة متراصة . . شئ ما يبدو حالبا للانتباه والفضول ... فهو لا يدريه والدراية تتطلب منه مغامرة جريئة وقوة انفعالية خارقة .

" أرأيت ان شكله سيكون على غاية من الروعة ماذا ؟ " أهم يصنعون انسانا تكنولوجيا ؟ دفن انتباهه . . .

واراد ان يعبر الممر ، وهذا هدف الانسان البدائى ، رجل في منتهى الرجولية مفتول العضلات ، قوى البنية لا يحمل بداخله هما من الهموم ولا صرفيا من

الصروف ولا مهزلة درامية ... كل شئ كما يبدؤه عادى الى مرحلة لا محدودة وتفكير مركز في حزمة متراصة مكثفة من اللحم ، أى لحم بشرى لا محالة . . . أرأيت ؟ " ان شكله يتدرج سلم البدعة ... " ارتكست بعض تعاليمه ، ذبلت ، وهو لا يذكر شيئا والزحام امامه يشتد فيتكاثف . . . قوافل ادمية تتهاطل على ساحة الفضول لمعرفة شئ ما يعد انجازه ... هل ستلد الارض ؟

لا أحد يدري ما سينجز .. أقلعة ؟ أقصرا من القصور الملكية ؟ أصاروخا عابرا للقارات أو سد مياه طبيعية . . . شئ لا يعرف والادميون حوله يلتئمون دون ان يلوح على احد منهم صيغة من صيغ الاعجاب أو الدهشة . " مدوا أيديكم أيا مواليد المزابل يدا بيد وساعدا بساعد فالارض لكم ، وهي حصنكم وهي امكم منها خلقتم واليها ستؤوبون . . . "

وبلا خجل تتناطح الرؤوس ، تتعالى القرقعات . . . ضجيج يشبه القرع على النحاس .. وبلا جدال ولا مقومات مسبقة تتشابك الايدى ولا تبقى غير الاصابع تلوح لا اخلاقية الى أبعد حد .. وبلا كبير عناء يتدحرج شئ ما وسط الحلقة فيسمع له شحيح وقرقرة ، قيل : إنه شئ غريب لم نعهد له مثيلا .. جاس الارض ثم غمرها جيئة وذهوبا واضعا يديه على وضع عناقي خلفه ... دافعا بطنه الى الامام ومؤخرته الى الخلف وجعل فوق وهده راية معكوسة مخطوطة بخط كوفي غير واضح.

(لا يفت فى عضدكم غير الانسلاخ عن الدائرة المغلقة التى خلقتم لاجل حصانتها وارضاعها كما ارضعتكم امهاتكم من قبل ...)

ثم شمر عن ساعديه وزعق في الحاضرين الملتئمين حول المولود الجديد : (أنا نبيكم ولا نبى بعدى..)

وانزاح الجمع تحت وطأة المفاجاة ... نبى جديد فى وقت لا يسمح فيه للانبياء بالمجيء ولا بالظهور ... وتعالى الشحيح وبدت وجوه المحلقين مباءة الشظف والجهل . . . وسمات مخشوشبة لا مقر لها وسط الجموع المهيضة الجناح ...

ولجمت بعض الالسنة وتعالى هتاف متحزب : "فليحى النبئ ..."

الايدى ممدودة الى الفوق تطلب رحمة وتقرأ للشئ الراكن هناك آيات استغفارية ومرحمية أما الصورة الوضعية فما تزال كركاتية وهزلية إلى ابعد حد يحددها المطلق الرهيب . . .

علامات غير واضحة تدل على ان هنالك وسط الزحام المفاجئ عبر ممر ضيق ومتكاسل شئ ما يحدث . . . والآدميون الذين جذبتهم رائحة الفضول والتطلع العفنة التحموا في دائرة مغلقة لا يعرف ما بداخلها نبىء أم ابليس بعث لهذه الارض.. ؟

" يدفعك الصمت حيث لا تريد ، وتفهم من خلال قوة اندفاعك انك آدم يتجول فى جنة عذراء بغياب حواء والتفاح الذى يجلب الفضول وبذلك تحقق وجودك الذاتى دمية فى يد طفلة عابثة ، اى انك شئ لا يطاق ، لا لون له ولا طعم ولا رائحة ... "

- الم يبعث فى ارضكم نبىء ؟ - انما بعث ابليس ليهدى الناس الى ما هو ابغض مما هو على ارض.

3 ) دفعة الى الامام بعنف ...

وكذلك اراد ان يعبر ...

ان يعبر الممر الضيق وعلى رأسه عمامة بيضاء ويرتدى الجلباب الفضفاض والسرووال البغداد ويتوسطه حزام اسود صناعته يبانية ويغطى عورة اقدامه حذاء متحفى اصله عربى وجده يهودى وامه فارسية ولذلك اراد ان يعبر . . . لانه هجين حضاري . . ان يعبر ولو كانت الطريق مسدودة بحلقة آدمية ملتئمة حول وليمة لا معروفة ، أو حول شئ لا يقدر على تحديده او تخيله وانما بحكم وجوده خلف الممر يضمن لنفسه جهله لكل ما يدور هناك وسط الحلقة المفزعة والهتاف الناعق ...

ولم يحاول المعرفة ، اذ ان الضباب الكثف يعشي عينيه الكستنائيتين ويحول له العفاريت الى ديكة هائجة والديكة الى عفاريت نبيلة . . وملامحه الفيزيائية لا تدل على انه استقي خمرة معتقة او مستوردة من دير العذارى او الكنيسة ذاتها فملامحه لا تدل على تصوف ما يعتريه أو شعور انسانى يفيض

عنه ، الا انه قبة عمامية واشياء دينية كالجلباب والقبقاب الخشبى والسبحة الارجوانية وسيمات من الرجولة والنزاهة والشهامة. تزاحمت الاصوات المحلقة ارتد .. يا هذا . ارتد .

- لا ترعد .. لا تزيد.. لا تغضب .. ما هكذا فعل الانبياء من قبلك - لا ترفع حذاءك في وجوه بني جلدتك .. ولا تقل شيئا غير قادر على قوله، ولا تحلق لحية بشفرة غير قادرة على حلاقتها. - لا تعتد لا ترفع اكتافك اكثر مما ينبغي ولا تصرف بحلقاتك سدى هكذا فى اشياء لا عينية . انظر حولك ، وابسط ارادتك على الذين يرغبون فى ذلك ، وارفعها عن الذين لا يرغبون فيها : ولا تقل شيئا غير سوى .. - اعلم ايها النبيء ان الحياة مزبلة يدخلها البطارقة والسوقة على حد السواء ويغادرها المخادعون والصادقون على حد السواء ولما دخلتها انت يدخلها العفاريت والابالسة عين بعين وظفر بظفر ...

ارتفعت التهليلات ، فيها النبيء يا قوم :

المهم ان يعبر . . والادميون متراصون مزبدون حانقون ويلوح عليهم التفكك والاختلال يبدو أن الحالة على غير ما يرام . . يقول النبيئ - ويل لكم يا اوغاد الزمن العاقر لقد ضللتم الطريق فالسير. فوق القبور مغبة وهو بالتالي انتصار بشع للتعمية ...

4 ) جذبة من اطراف أفقه ...

بدت اسراب من الفلاحين قاصدة الحلقة حيث تجمع القوم وعلى اكتافهم وضعت عدة الحصاد والحفر والزرع . . مظلات تستر شعرات رؤوسهم البيضاوية وبدلات متنافرة تبرز الفوارق النسبية فيما بينهم . . بعضهم يرتدى اللباس الفضفاض وآخرون جمازة الحضيرة الزرقاء وبنطلون غرة ماي وارتدى جلهم سراويل تقليدية فلكلورية وسترة مفتوحة من الامام كابواب المدينة القديمة . .

الفلاحون مصطفون نظام ما يسير مسيرتهم نحو الفضول والاطلاع . .

ماذا يحدث داخل هذه الدائرة من اللحم البشرى أهى اسطورة نرجسية او مدينة فاضلة يقع تشييدها الساعة ؟ ولماذا هم محلقون هكذا فى همجية وضوضاء رايات مرفوعة بيضاء فصفراء فزرقاء فقزحية اللون رؤوس متداخلة واخرى لا شعر فيها . ؟

الفلاحون يعشبون الارض يحصدونها وعليهم الآن ان يحصدوا هذه الدائرة المغلقة حتى يتسنى للذين يرغبون عبور الممر أن يعبروا بلا قيد ولا شرط ..

وتنفس الصعداء وخرجت انفاسه على شكل حلقات دائرية غازية فى الخواء المربد .

ثم نشطت تعاليمه وامتدت اخاديده وغضنت سماؤه وأمطر فرحا وشفافية لقد انتهت الانشودة الشعائرية وسوف تحدث المفاجأة أى ان العالم غير مبنى على المجهول وان فى الامكان معرفة ما هو مخفى وراء الحصون الآدمية ..

لا شئ .. غير الدوران وسجف غيم بليد وروعة زحام بغيض لا طعم له ولا رائحة .

تداخلت الصفوف تعالى غبار فصياح فعويل فزلزلة ارضية ماذا حدث ؟ . . الفلاحون جذبهم مغناطيس الفضول ودخلوا الحلقة وعوض ان تزال الحلقة كبرت وسمنت وامتزجت الرؤوس مع الارجل والايدى والبدود وتتطايرت فى السماء المظلات النخلية وآلات الحصاد والفؤوس والمعاول وكان المحلقون فى رقصة من رقصات الفودو ( * ) فى اعنف فتراتها التخديرية والبناديرو والطمطام تصهل

على نغمات حيوانية بهيمية مقتضبة فمتفاعلة فمموسقة مع كل حركة من حركات المحلقين المنفعلين رؤوس تسقط منحنية مقبلة الارض المخدودة ثم تعلو مضطلعة فى نمو متزايد الى فوق حيث تقيم الالهة الطيبة.

- سنحقق لكم امنية العبور ونرسم لكم رسوم السلام البغيض حيث لا حرب ولا ضوضاء غير الذوبان في الاغلال الادمية الصامتة والطائفية والحزبية المصنوعة منكم واليكم ..

ولكى تكون حياتكم افضل اشياء من اللحم الآدمى الطازج تبخرون بها وتعطرون اجواءكم . فهي ابدع وسيلة للاعلام .. يريد ان يعبر

ولكن ما تجرى المياه بما تشتهى الميازيب.. رياح هوجاء صقيع .. ثلوج ووسط الدائرة لا نعرف بالضبط ما هنالك ..

بعضهم يقول :

" صورة جميلة وعلامة فأل حسن " عينان مرشوقتان خلف دماغ آلى ، ومن بين الاذنين امتد هوائى يشبه عين الحلزون ... انه فال حسن . . حسن . . "

وآخرون صامتون يرقصون في جنون وهستيريا متعسفة ، ما يزالون فى صعود وهبوط مستمرين بلا توقف و"الأخ الاكبر" اى "النبئ الاكبر" الراغب فى العبور يتساءل كيف ولماذا ولد نبىء قبله وسط هذه الحلقة ؟ ! تلك الدائرة اللحمية الملونة..

هذا جمع مزبد يتسربل فى ديباج ديانة وضعية ، فتداخلت الحلقة تداخلا عفويا ، والنبىء المزعوم ينهال على الذين حوله بمنجل يسوى به الرقاب ، انه يسعى الى شيوعية فى القامات . .

" لا تزحموا فلكل نصيبه من الحصاد . . " وتحفز القوم . وتعالت الصيحات المدوية . . هبوا يا قوم لقد انبلج الفجر اصحوا

النبيء خرج من خدره عاريا لا يستره غير الضباب والهواء البارد ، دثروه بالتبن والحشيش اليابس وأوقدوا فيه النيران حتى يسخن فيدفأ ..

نعم لقد مات النبئ . . ولد ومات فى وقت واحد ، هكذا اتفق القوم ، لقد حرقوه ثم قتلوه .. ولا يصح القتل بعد الحرق . ولكن التعاليم تنص على ذلك واقام القوم المراسيم الجنائزية اللائقة لدفن النبئ . . لقد تساءل احد الفلاحين عن حاجة الارض الى نبىء لا يحمل معه خبزا ولا شعيرا . الا انهم اختلفوا فيما بينهم ، اين سيدفنوه .؟

وفجأة علا صوت النبىء المحروق .. " انا اقول لكم

عندما كنت حيا . . كنت اسلك هذا الطريق لا غيره (مشيرا الى الارض) .. اما الآن فعليكم ان تختاروا دون ضوضاء او تشويش اى طريق ستسلكونها ولكن لا تنسوا مشورتى فأنا لازلت الى جانبكم .. "

وزعق أحد الحاضرين - " الم تقل : ان النبي مات ؟ الا ان احد الفلاحين اسعفه بجواب الزامى - " لا تقل مات النبيء أيها الوغد ، بل قل مات النبىء فليحى النبيء " .

5 ) دائرة مغلقة :

اراد ان يعبر الممر والممر ضيق في منتهى روعة الانغلاق . . لا " اخ اكبر " ولا " نبى اكبر " والاصرار على العبور مغامرة بديهية يبدعها الكائن الانسانى لا مزارع هو ولا كادح ولا رجل بدين له بطن منتفخة وجيوب مورمة وبيده كأس حمراء وفي فمه انبوب النارجيلية . .

ثم سقط مغشيا عليه . .

اشترك في نشرتنا البريدية