الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

العبور ...

Share

1) القبض على ومضة من الماضى :

النهار يحتضر .. الشمس تؤذن بالأفول .. ها هو اليوم ينقضي بالسرعة التى انقضت بها كل الايام الاخرى .. بل الاعوام . أربعون سنة وهى قابعة فى كرسيها .. تورمت فيه .. غدت خلال هذه الاعوام اكثر بدانة .. عجيزتها باتت اكثر انتفاخا واستدارة من الصعب على الكرسى أن يستوعبها .. يتصبب العرق من كل جزء منتفخ فى جسدها وهى تحرك قدميها على آلة الخياطة .. يصدر عن الآلة صوت رتيب .. أصبح جزءا من حياتها .. الآلة تدور ورأسها يدور .

(( - كنت غاية فى الجمال .. وجهى الممتلئ الجميل كانت صورته نموذجا فنيا لمصور الحى يعرضها فى لوحة كبيرة داخل ( فترينته) مما حث الشباب على التسابق لنيل رضاي .. آه .. أما الآن . . فالشبان ينظرون الى باشمئزاز كلما خرجت ونادرا ما أفعل ذلك .. نعم حتى مظهرى الخارجى لم أعد أعيره اى انتباه .. شعرى المجعد ملتصق بعضه ببعض يتناثر على جبينى كالاشواك البرية .. وعيناى .. مالهما عيناى .. لا .. لا بأس عليهما ..)

وبسرعة مدت يدها الى درج طاولة الماكينة وراحت تبحث عن شئ .. استلت بقايا مرآة من حقيبة يدوية تقدم بها العمر وصار من الصعب على العين تمييز لونها .. أهو بني داكن أم أسود ؟

ألقت بنظراتها على المرآة وراحت تتأمل وجهها الكئيب .. صعقت لمنظر العينين الجاحظتين كعينى ضفدعة .. ألقت بالمرآة بعيدا .. تمتمت :

(( - مالى أفكر فى هذا ..؟ لا .. يجب أن أوجه كل تفكيرى الى الشغل )) .

تتناول مقصا .. تقطع الخيط عن القميص الذى انتهى .. ثم تشرع فى خياطة قمص آخر .. فراغ كامل فى أحشائها ينهشها من الداخل فينتشر فى أوصالها الى أن يستقر فى عينيها ويتشكل غيمة قلق تحجب عنها الرؤية .. تمتد صرخة من داخلها فتتكسر عند الحنجرة لتخرج من فمها بتمتمة نزقة غير واضحة .. تعود الآلة الى الدوران .. يعود رأسها الى الدوران .. فجأة وبصوت مسموع تقول وقد أوقفت الماكينة ووضعت رأسها بين يديها : (( سنون ..

سنون طويلة وأنا أخيط قمصان العرائس .. أعيش افراحهن .. متى أعيش فرحتى ..؟ تنتبه . تلتفت جزعة خشية أن يكون قد سمعها أحد .. يغمرها الارتياح وهى ترقب زوايا البيت الفارغ .. تتذكر أن أمها ما زالت فى زيارة أختها الصغرى .. لقد تزوجت هى الاخرى وانجبت وها هى الآن حبلى للمرة الرابعة .. إلا هى .. هذه الآلة الرهيبة دفنت وجودها كله .. شبابها .. قلبها .. أملها كأنثى ..!

تعود مرة أخرى الى تحريك قدميها .. رأسها يدور رغما عنها مع الآلة .

منذ أربعين سنة وحياتها سلسلة من مشاغل لا تنتهى .. الساعة الوحيدة التى تحس فيها بشئ من الراحة هى تلك التى تلقى فيها بجسدها المتعب فى أحضان السرير آخر الليل لتعود باكرا تحرك ساقيها على الآلة تعتصر قوت الاسرة .. منذ ذلك اليوم الاسود .. يوم عادت من مدرستها تحمل حقيبتها ..

ابتسامة لاهية فوق ثغرها .. قلبها يتغنى بالحب والربيع للشاب الوسيم الذى كرس مهمته فى الحياة السير خلفها من المدرسة الى البيت والعكس الامر الذى حرك حسد زميلاتها فأخذن يتغامزن عليها فى سخرية .. عند الباب فوجئت بحشد كبير ..

- ماذا حدث ..؟

دلفت الى الداخل .. أرادت أن تدخل حجرة النوم لكن النساء منعنها من دخولها .. لمحت والدها مسجى على بساط وسط الغرفة وقد غطى بلحاف ناصع .

- ماذا حدث ..؟

لا شئ .. لقد خرج والدها الى العمل وعاد مسجى فوق سواعد زملائه .. قالوا : انحرفت ساقه عن السلم بينما كان منهمكا فى عمله .. تصليح عطب الفوانيس الكهربائية .. فسقط من علوها وارتطم رأسه بحد الرصيف .. وكان نزيفا داخليا أودى بحياته قبل وصوله المستشفى .. وانتهى العزاء .. وجلست الأم معها :

(( - عائلنا مات .. انت كبرى أخواتك .. أريدك أن تكبرى مرة واحدة والى الأبد )) .

منذ ذلك اليوم الملعون ودعت الطفولة ومرحها منذ ذلك اليوم وهى جالسة تجتر أنفاسها الثقيلة وتحرك قدميها .. تزوجت أخواتها الثلاث وانجبن وهى قابعة ترفض كل خاطب حتى يكمل أخوها الصغير دراسته .. مسؤولية على عاتقها يجب أن تنجزها .. تف على المسؤوليات .. ها هو أخوها الآن فى سنته الاخيرة ليتخرج طبيبا ولم يطلب يدها طارق .. تنتبه .. تفرك عينيها .. تعود لتحريك قدميها .. مرهقة .. الحرارة شديدة والعرق بدأ يرشح بغزارة فوق وجنتيها .. تغمض عينيها .. تأخذها غفوة .. تستسلم .. صدغها الايمن يلتصق بنعومة لوحة الماكينة .. البرودة تتسلل اليها هادئة توقظ فى خيالها أحلاما جامحة .. غامضة .. اختلطت الصور .. أخذت تتلوى بجسدها قوة المقعد تحاول القبض على خيط من الصور الرائعة التى يضج بها رأسها .

2) الحلم :

انحرف تصورها فجأة .. قادها نحو مدينة جميلة حمرءا ذات واجهات ملوثة مشرقة .. دخلت فندقا مضيئا ذا طوابق متعددة .. جدرانه المغلفة بالمرايا تعكس باقات الزهور الموزعة على أرجاء البهو الفسيح .. فى هذا البهو كان فى انتظارها فارس أسمر .. فارع القامة .. ابتسم لها .. ابتسمت بحياء .. تلمسها .. شدها .. شدته هى الاخرى .. دلفا إلى المصعد الكهربائى .. ضغط على احد الازرار .. تحرك المصعد .. ارتفع .. تلمست وجهه فى عتمة المصعد الخفيفة .. ضمها بين ذراعيه بقوة .. توقف المصعد .. قذفهما فى دور من أدواره العديدة قبل أن يتبادلا الاشجان فى قبلة  .. توقفا عند بوابة غرفة .. أخرج من جيبه مفتاحها .. دخلا .

الحجرة فسيحة والسرير وسطها واسع مريح وجسدها محتشد بالانتظار.. اقتربت منه أكثر .. لهفى .. شمت رائحته .. اقترب من شعرها يشمه .. تسمع تنفسه المتسارع .. تلفح وجهها الحرارة .. تمتم :

(( - لماذا تأخرت طول هذه المدة ..؟ )) .

همت أن تنطق لكنه ضغط على كتفيها .. النار فى أصابعه تعبث بثورة جسدها فيغدو صرخة لهب .. يضمها .. يعتصرها .. لا تقاوم تهبه نفسها عن طواعية .. يحطم تمثالها .. يعيد صياغته من جديد بالشكل الذي يستسيغه .. تحرر قدميها من الحذاء ذى الكعب العالى وهو لا يزال يضغط على كتفيها .. جسمها يتضور جوعا .. تخلع ( الكولون ) .. قميصها .. تتناثر قطع ملابسهما الصغيرة مثل أوراق تالفة .. يأخذهما جنون العناق .. ترتعش رموشها ..

تتأوه .. أعصابها ترتخى .. تستلقى .. يرتمى فوقها .. شفتاه الملتهبتان تجوسان تحت عنقها .. تهبطان مفتوحتين الى ارتخاء الثديين النائمين تحث ثقل صدره . يلمهما .. يقبلهما ذراعاها تلتفان حول رأسه المدفون بين النهدين .. يده تتسلل الى الساقين المليئتين تقبض على كتلة الفخذ المدورة بينما ينحرف النهدان الى الجانبين قليلا .. تزحف يده حتى تستقر على انحدار التربة الهادئة الملساء تحت النبات الاسود الناعم .. يدغدغه .. يحفر فى جسدها ينابيع النور .. تزفر .

السكون المرفرف على الحجرة يقطعه من حين لآخر صوت استغاثة قطة .. المرارة تتسرب منها .. لم تسأل ماذا ألم بها .. كانت تعرف رائحة الجوع حين تتكاثف وتصبح سحابة قاحلة فى سماء المحروم لا ترحم .

تلهث .. تتمتم :

(( - جسدى اكتسب وجودا خاصا ! )) .

3) العبور :

فجأة يدق جرس الباب .. يدق .. يدق وهى غائبة فى لذة الغفوة .. يدق .. يطير الفارس .. تضيع منها كل الصور اللذيذة التى صنعتها هواجسها وخيالها .. يدق الجرس .. تتململ .. تتحسس جسدها ما زالت الرغبات الشيطانية مسكونة فيه .. تضغط بيديها على جفنها تقاوم صحوها ..

تحاول أن تستعيد الصورة .. أن تضبطها .. لكن الصورة غابت .. يدق الجرس .. يدق فى رأسها .. يمزق صيوان أذنيها .. لم تحتمل .. تنفلت من عقالها .. تنتفض واقفة بجسدها الضخم .. تخرج من الغرفة .. تفتح الباب .. يظهر وراءه ابن اختها مركزا نظراته على المدخل .. نظرت اليه بعينين ذابلتين لدرهة من الزمن .. حاولت أن تستنتج ما جاء به فى هذا الوقت المتأخر لكنه تجاوز عتبة الباب ودخل البيت قائلا :

(( - بابا انعرج بى الى هنا قبل الذهاب الى عمله .. سأنام عندك الليلة لان جدتى ستبقى مع أمى نظرا لحالة أمى الصحية )) .

علامات الهلع والخوف بادية على محياه .. الهلع والخوف من أن يصيب أمه مكروه وهو الابن الأكبر ذو السبعة أعوام .

(( - هيا )) .

قالت له ذلك وسحبته من يده .

كان يسير بجانبها بخطوات هادئة كاتما حزنه تاركا يده الصغيرة وسط يدها الكبيرة مرتخية بحنو تفرز عرقا .

دلفا إلى الغرفة .. أطبقت الباب فاحتوتهما العتمة .. أحس بالخوف يسكنه .. تصلب فى مكانه وهى تشد على يده .. أدارت زر المصباح فانبعث منه نور أحمر خافت .. وضعت فى فمه قرص شكلاطة .. أرخى اعصابه .. ترك جسده ينقاد اليها وهى تمدده على السرير قائلة :

(( - نم )) .

اطمأن وهو ينظر اليها ووجهه يلتصق بابطها المترهل .. امتدت أصابعها الثقيلة تتحسس شعره .. أغمض جفنيه وهو يحس بالسعادة تغمره وهى تتابع دغدغة جلدة رأسه الصغير .. غاب .. ذابت قطعة الشكلاطة فى فمه .. سال لعابه على الوسادة .. كان كل شئ ساكنا .. هادئا .. أنفاسه المستريحة تصعد بانتظام من صدره المرتخى تحت ذراعها وهى تحرص ألا تتحرك ذراعها فتزداد إلتصاقا بكيان جسمه الراسخ فوق السرير .

بدأت أحشاؤها تلوى بخواء مرعب .. تتشنج ملامح وجهها .. تلتفت حولها .. تتصلب نظراتها على فتحة بنطلونه .. تمر صور أخاذة بمخيلتها :

(( ماذا لو داعبت نعومة ما وراء الفتحة ..؟ انه نائم لن يشعر بى ..؟ )) .

تفرز حنجرتها لعابا مائعا ومتعطشا .. تنهض تطرد الفكرة من رأسها .. تقف وسط البيت حائرة تجد نفسها أمام المرآة وبدون ارادة تخلع ثيابها .. تكومها على الارض .. تتلمس لحمها المترهل .. تزداد اشتعالا .. تلتفت اليه .. نائما .. شفتاه زمردتان لهما بريق التوت المشتعل تناديانها ملحاحتين .. غمرها احساس بالمغامرة .. يجب أن تنتصر على كبتها .. لن تفقد هذه الفرصة الرائعة ..!

مسحت قطرات العرق من فوق جبينها .. فكرت باقتحام عوالم مخبأة .. انها لديها عشق غريب لرائحة الذكر لكن وضعها لا يخدم هذا العشق .. الليلة سوف تتخلص من هذه الانفصامية .

نظرت اليه اكثر .. أوسعت من حدقتى عينيها :

(( - رجل .. انه هنا معى .. أتحسس واياه وجه الفرح .. سوف يزرع فى مساماتى رائحة الرجال فيورق الفراش ويورق كل شئ ..! )) .

مدت عنقها بجموح تدفعه اللذة .. اقتربت بفمها من فمه .. التهمت شفتيه .. فمه لزج .. دافىء .. تقطعت أنفاسها .. امتلأت عيناها بالصرخة وهى تحصد من شفتيه زهور النار .. الكريات السابحة فى الدم تتراقص شوقا ولهفة على التماسك والالتحام الذى يبدد الحرمان فى نفسها . وبأظافر حديدية مزقت بنطلونه .. ارتمت فوقه .. جسدها العارى فوق جسده صار مملكة فضية تخفق الطيور فى سمائها بأجنحة أرجوانية .. الرمل ينبثق عن زهور برية رائعة الالوان .. ونباتات شيطانية وعشب أخضر .

مرت لحظات وهى غائبة فى لعنة الحبور واللذة والتصور .. لحظات طويلة مرت .. تململ بعدها الطفل .. كانت حملا ثقيلا فوق صدره الصغير .. فتح عينيه .. فغرفاه وهو يحدق فى وجهها الملتصق بوجهه مشدود اللسان .. لم ينطق بكلمة  .. كان شكلها غريبا وهى عارية فوقه تلهث وتبكى بحرقة .. انزعج .. أراد أن يصرخ لكن يدها أسرعت تكتم صرخته .. حاولت أن تضمه

راجية اياه أن لا يحرك جسده تحتها بهذه الفوضى المرعبة فتملص من بين ذراعها بقرف واستياء منتفضا .. ضرب فجأة بقدمه بطنها .. أخرجت صرخة .. انحرفت من فوقه تتحسس كرشها المندلق أمامها .. ربتت بيدها على موضع الضربة فأتاح له ذلك أن ينسل من تحتها .. اندفع يركض من زاوية الى اخرى وهى وراءه كالمجنونة تحاول مسكه .. قفز إلى الباب .. مسكت

بخصلة شعره .. صاح مستنجدا .. تعلقت أنامله بالقفل الحديدى .. تتحرك أصابعه بانبهار مرعب محاولا أن يفتح لنفسه مخرجا .. مدت يدها .. أطبقت على عنقه كالكماشة .. جسده الصغير يتموج تحت الاصابع الخشنة محاولا التخلص والفكاك ، لكنها كانت تضغط عليه بقوة .. صياحة زاد من ضغط يدها على رقبته .. تخور قواه .. يئن .. يخرج صوته متعرجا .. ممزقا يطلب النجدة .. ثم .. اسنانه الصغيرة تغرق فى الدم ..

نور الصباح يهبط من السماء عبر جمع من الغيوم الى باحة البيت ثم ينسل الى وسط الغرفة من خلال كوة عالية مغلقة بشبكة من حديد تصدأت بفعل الزمن .

الطفل ممدود عار مغمور وجهه بالدم وهى فوقه تضمه بقوة .. تصرخ بصوت تخنقه العبرات :

لقد عبرت هذه الليلة .. دخلت الحدود الصعبة ها هو رجلى عار أمامكم وها أنا فوقه أتنفسه .. أغسله بحرقة السنين العجاف والحرمان )) .

بيدين صلبتين تهز جسده .. تخض جثته خضا :

(( - سأحبك أكثر يا رجلى .. ستبقى لى وحدى .. سأقتل كل من يحيط بك .. كلهم كلاب مسعورة .. ابق لى وحدى .. احذرك .! أن تبقى لى وحدى والا .. نسفتك .. لا تتركنى .. لا تذهب اليهم .. لا. لا. ))

تعالت الاصوات فى الخارج .. صوت أمها يأتى متقطعا بالبكاء يرجوها ان تفتح .. لكنها لم تنهض .. لم تسمع.

اشترك في نشرتنا البريدية