الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "الفكر"

العربية، احدث

Share

اسمحوا لي في البداية أن اعتذر لكم . هذه الكلمات والسطور جاءت رغما عني اننى فى الغالب لا أريد آن ابوح . ولعلى آصار حكم لاول مرة . انني ساكون أكثر وضوحا ، منذ مدة كان صديقى يدفعني إلى الكلام كان يود لو يأمرني ببثى لشجوني ، ويسعى لكى أحدثكم عن نفسي بكل حرية وطلاقة . ولكنى كنت دوما أركن إلى الصمت ، تاركا صديقى العزيز يتعذب من أجلى ، بل لعله لا يستطيع أن يصف لكم ما يعتريني بصدق ووفاء من أحاسيس ومشاعر متناقضة مختلفة . المهم أيها السادة انى قررت اليوم أن أسأل صديقى العزيز ان يصمت ولا يتفوه بكلمة ، بل اني - واستسمحكم العبارة - ألزمته الصمت

فى البداية أقدم لكم نفسي . اني بكل تواضع ادعي : السيد : ق . ولدت بقرية : غ فيها نشأت وترعرعت . وفيها تمت معرفتى بصديقي العزيز ..فلازمته ولازمني.. واعلموا انى أقلقته المرار العديدة . فتجشم من أجلى التعب والسهر والأرق . تصوروا كنت آتيه وهو مستلق ينعم بالراحة ويسعى إلى الهدوء بعبارة أوضح عندما يكون مطمئنا وفجأة اندس في أحلامه يتخيلني بطلا من أبطال قصصه . كنت آتيه عنوة دون سابق اعلام . كنت آتيه وهو يفكر بمسائل حياتية متنوعة ، وكنت اجد لذة فى تعكير صفوه وهو بصدد العمل وعند اجراء العديد من الامتحانات وما اكثرها بالنسبة له . ! تصوروا كان الصديق يبتسم فى وجهى ويفتح لي قلبه ، ولا تتشنج أعصابه في أغلب الحالات ، لكنه من حين لاخر كان يامرنى بالبوح له بأسراري والا فانه لا يتورع عن طردى.. نعم لقد فعلها مرارا...

ولذلك قررت أن أريحه الآن . مسكت القلم من يده وقلت له ساخط لهم ( أقصد السادة القراء ) قصتى بمدادى ، وسآترك صديقى العزيز جانبا ، أعلم انه سيتدخل من حين لآخر ، لكن تأكدوا اننى هذه المرة سأملى عليه طريقتي في التعبير واوضح رؤاى .

نعم ، انني ادعي السيد ق ، ولدت في قرية غ ، وهي قرية تقع عند سفح جبل عال . انها جذورى الاصيلة ، بها نشأت . لم ادخل مدرسة . وما تعلمت شيئا يذكر . كذلك لم اعمل عملا قارا . الا من حين لاخر فانني اقوم ببعض الأعمال التى تدر على ما يسد الرمق .

ارجوكم لا تسألوني عن حياتي الأولى اقصد طفولتى . لم أرر أمي . ولا عرفت ابي ...المهم تلك قضية لا اريد الخوض فيها رغم إلحاح صديقى العزيز ... ولأصار حكم اننى أعمل كل الأعمال الممكنة كما اننى كثيرا ما أطرد ... والغريب ان هذا الطرد يأتي في المواسم خاصة ، اقصد انني اعمل فى بداية البذر مثلا اما عند الحصاد ... والجنى فمن عادة أهل القرية الاستغناء عني ، عندئذ اتوجه إلى امي س التى تكن لي بعض الحب ، وقليلا من الحنان...

نعم ، انني لا استقر على حال . فكثيرا ما أطرد ، والسبب في ذلك على ما يبدو إلى ضرب من الانحناء الذى أحسست به ذات يوم قائل... ثم رافقني الانحناء حتى اعتادنى وبدأت اعتاده . خفت في البداية من مواجهة الأرض ، وصعوبة النظر إلى فوق ، لكنى تدريجيا وجدت فيه ضربا من التميز . فعندما أمر أمام المقهى يقول النادل : ها قد وصل الأحدب الصغير . وعندما أقف في مواجهة واجهات المغازات يقول المارة : الاحدب سيشترى لوازمه . ويصيح البائع من الداخل : تفضل ايها الاحدب... افسحوا المجال للاحدب ...

صحيح اني اسرعت إلى الطبيب في بداية اصابتى بالانحناء لكنه أكد لي أن الامر في غاية البساطة ولا يعدو أن يكون مجرد ارهاق عابر . لقد طلب منى الركون الى الراحة وممارسة ألعاب رياضية متنوعة . كنت أعلم أن هذه النصائح ليست لأمثالي... فانا اقوم مع الفجر أكدح صباح مساء حتى احصل على قوتى اليومي . ومع ذلك اشتريت الدواء وقد كتفني غاليا

والى الآن انا اتناول بعض الأدوية ومع ذلك فان الانحناء مازال بلازمني ولم أعد فى الحقيقة أهتم به أو أخشاه فكلنا والحمد لله - منحنون بصفة او بأخرى .

    عفوا ، ايها السادة ، ليس هذا هو المهم بالنسبة لكم ، انما هو اطار لا بد منه لأمدكم بتفاصيل ضافية ، قد تثير فيكم الشفقة والحنان وليس هذا ما ابغيه ، صدقوني ، انى كنت دوما اطلب من صديقى العزيز ان يمسك القلم ويخط لكم قصتى لكى فى الأخير لا آود البوح والتعرى فكان يكتب كلاما يقول عنه البعض : إنه يمتاز بشاعرية مفرطة وينتقده البعض الآخر مؤكدا ان روايته(الرحيل) : جاءت باسلوب شفاف للغاية فاذا به يرمز دون ايضاح ، ويعبر دون ابلاغ واصدقكم القول : إنني آنا الذي جعلته يكتبها بتلك الطريقة ، تصوروا صديقي العزيز لا يجد ما يقول وقد توارى بطله الخاص وراء الحجب : لقد فعلتها فى العديد من المناسبات ، كنت أنكمش بعد تقديم بعض المعطيات الاولى فأراه وقد ألم به شوق عارم فيمسك القلم ويخط كلاما ليس هو المقصود بذاته ، فاذا بالعبارة ضبابية غريبة طريقة أعلم انه يتألم اذ يكتب وكنت آجد لذة في عذابه أما الآن فلقد قررت أن أتكلم واوضح ما خفي .

     نعم لقد اعترانى انحناء طفيف في البداية ، ثم احسست بورم في مستوى الظهر وبالضبط عند منتصف عمودى الفقرى . هذه المرة لم اذهب الى الطبيب بل استشرت صديقى الذي قال لي مواسيا : لعلها حدبة من نوع جديد . ثم واصل معلقا : هي ، على كل حال في صالحك...

    نعم هذا ما قاله الصديق مصطفى المدايني وغادرني متوجها إلى العمل في الحقيقة كرهت صديقى عندئذ ومع مرور الأسابيع والاعوام لاحظت صحة كلمته . لقد بدأ الورم يكبر تدريجيا . لم أحس بأي الم لكن ظهري اعتراه انحناء هام وتخيلت نفسي أسير في شوارع مزدحمة ، وفي منعطفات خالية وتصورت الأصدقاء والأطفال والساحات والقصور والاشجار الوارفة وهي تنظر إلى مستفهمة

    خمنت لعل في الأمر مفاجأة ما . ومني ذات ليلة مقمرة ارق كبير لم استطع النوم . كانت الساعة تشير الى الساعة الثانية بعد . منتصف

الليل ، وكان صديقى نائما وكنت مسهدا وقد جافانى الهدوء . اردت ازعاجه ، لكنى احسست بتضخم الحدبة . نعم احسست انى أحمل جبال الاتعاب . قلت في داخلى : لاركن إلى الراحة ولينته عذاب الضمير " وجدت عندئذ لذة فى النوم على بطني ولأول مرة امتد على الارض يداى تداعبان التراب الأشهب ورجلاى تستريحان على اللباس . وساءلت نفس هل هي الراحة ؟ أم هو الهجوع الحقيقي ..؟ "

   نعم ، هل نمتم على بطونكم ذات يوم وقد تملككم وجع ما في الظهرانها طريقة مناسبة ، مريحة ، مريحة المهم اني استرحت ، استرحت حد الطمأنينة فاذا الأحلام تأخذني : ها جبال بيضاء مكسوة ثلجا تدعوني ، ها طرق جديدة ام أعهدها قبلا ، ها طيور بيضاء تبلغني رسائل آتية من بعيد.. ووجدتني أسير فى طريق شديد الانحناء ووجدتني أسرع السير ، رجلاى تطوى الارض طيا ، وظهري مستقيم وعمودي الفقرى صلب ، وكنت ألبس لباسا ابيض ذا خطوط زرقاء . وعند السنديانة الكبرى توقفت . التفت إلى الطرق المنتصبة أمامى . اخترت اضيقها قائلا : لاشك انها اقصر الطرق سرت مدة من الزمن حتى بلغت طريقا فرعيا ، سرت فيه قليلا ولاح لم في البعيد كوخ صغير أسرعت الخطو . وعند شجرة السرو المنتصبة أمام الكوخ وجدت حورية جميلة حد الاعجاز تنتظرني قالت : لم تأخرت؟ قلت : ها قد جئت ! قالت : تعال... سرنا معا في طريق ضيق كانت البساتين تبدو في أسفل الجبل خضراء... نعم من الإلاه الذي خلق البشر ؟ أم هي جنان لم تدنس بعد ! قالت بعد صمت قصير : اياك والعثرات هنا ، الموت حي لا يغيب . قلت : لست أحدب كما تتصورين قالت : اعلم :

    وعندما بلغنا سنديانة وارفة الظلال مستكينة على حافة " وادى المسك ، ارتقيناها معا ، لم اجد صعوبة تذكر . كانني خلقت للتسلق منذ الازل قالت : انظر الى اعلى ... هنا النظر غير محدود ، وكل الآفاق تلتقي عند نقطة واحدة . وفجأة ضمن ودلفنا إلى عش استكنا فيه . ااحسست بالدفء والراحة والسعادة ... وشعرت ان زمن العشق الذي طالما راودني حلما زنبقيا ولحنا جذلا وطربا اليفا قد عم الاصقاع والبيوتات والظلال والآفاق

وكانت حمائم بيضاء ناصحة الأصوات ممتدة الاعناق قد تعالت فى اجواء فضية ألعابا اخاذة

كانت الشمس لذيذة ، لذيذة ، وهي تدخل الشرايين المفتحة للربيع القادم ... اردت القيام فاذا بي متجذر في ارض عراء لقد عمني اليباس اذرعى مغروسة فى الأرض وقلب تفور منه الدماء صاعدة إلى اعلى وغائصة فى اعماق الثرى . وجيب القلب يهفو هل هو الموت ؟ ام هو الاجهاد ؟ اردت القيام . لم استطع التحرك . لكن عزمت على القيام بشؤوني العادية رغم كل الاعياء . وتطلعت الى الحدبة فاذا هي شجرة سامقة قد امتدت فروعها إلى السماء ورايت عصافير ذات مناقر مدببة تزدحم عبر الأوراق باحثة عن الظل وساعية إلى القيام باعشاشها ، كانت الشجرة وارفة ، سامقة طرية تصورت قضيتى . ما العمل ؟

ورغم ذلك قررت أن أواصل العمل وممارسة شؤوني الخاصة . أعرف أن مشكلتى الآن مشكلة عويصة ، ومع ذلك فانني اتحمل كل شئ من أجل حدبتي ، ومن أجل شجرتى

   تلك أيها السادة ، قصتى التى اردت أن ابثها لكم ، وارجوكم ألا تسرعوا فى الطريق واذا اعترضكم رجل محنى الظهر يحمل شجرة الاتعاب فوق ظهره ، فاتركوا له الطريق ، وتجنبوه ، واني ارجو من كافة السلط أن تضع في كل المفترقات علامة خاصة ارجو ان تضمن عبر دروس الساقة الرائجة في عصرنا الحاضر ، وذات السوق النافقة ، واني لشاكر لكم حسن الاصغاء وللصديق العزيز مصطفى المداينى ألف تحية

اشترك في نشرتنا البريدية