كثر الحديث هذه الايام عن التعريب وفتح حوار واسع فى الصحف اليومية والمجالس الثقافية والرسمية ، ولئن كان من الغريب أن تثار هذه القضية بعد مرور خمس عشرة سنة على الاستقلال واعتراف كل البرامج التعليمية بحتمية التعريب وتقصيرها فى الوفاء بالوعد ، فالأغرب من ذلك كله أن يوجد اليوم مناهضون متعنتون يقاومون الاتجاه ! والمطالبة بالتعريب حق من أبسط حقوق المواطن التونسي الذي يعيش فى ظل دستور يقر أن العربية هي لغة البلاد ! وقد أدرك أسلافنا الاقربون غداة انتصاب الحماية أن الاستعمار الفرنسي يخطط للقضاء على الشخصية التونسية بمحو لغته وكل مقوماته الحضارية فهبوا - بحماس وطني عارم - للدفاع عن العربية وتنبيه مواطنيه الى أن الاعجاب بالغالب قد يعمي بصائرهم عن أخطار الفرنسية الماحقة - وهل أدل على ذلك من جهود " الخلدونيين " الذين امكنهم سنة 1906 تأليف مصنفات فى العلوم باللغة العربية يعود اليها تلاميذ الجمعية الخلدونية حتى لا يشعروا بأن العربية غير قادرة على مسايرة الحضارة ، وفي عدد (الصواب) الصادر بتاريخ 24 أوت 1923 كتب محمد الجعايبي مقالة عنوانها : (اللغة العربية والقومية التونسية) قال فيها بالخصوص : " ولما رأى المحتلون هذه الصبوة الحسنة نحو لغتهم الدخيلة أخذوا يهدمون صروح اللغة العربية ويقوضون أركانها ليس فى الادارات الدولية والمدارس الابتدائية فقط ، بل حتى فى الامور الحقيرة والاعمال التافهة ، علما منهم أن ذلك يساعدهم على قتل هذه اللغة التى في القضاء عليها قضاء على القومية التونسية بأجمعها ".
وتحرك التونسيون سنة 1931 للدفاع عن العربية بمناسبة انعقاد مؤتمر ديسمبر الشهير وإسناد رئاسته الى ويليام مرسى كبير الدعاة الى العامية وأستاذهم الذي علمهم السحر مما اضطره الى تعديل موقفه والتصريح بأن (العربية تتمتع في جميع الاوساط الاسلامية بالمملكة التونسية باعتبارا عظيم من جهة كونها اللغة المقدسة ولغة الثقافة واللغة الرسمية واللغة القومية )، وقد ألقى شيخ الاسلام أحمد بيرم محاضرته عن حياة اللغة
العربية (1) بهذه المناسبة وقال بالخصوص : (إذا علمت شخصا بلغته فقد بقلت العلم الى تلك اللغة أما إذا علمته بلغة أخرى فلم تزد على أنك نقلت ذلك الشخص اليها). وما أظن المناهضين للتعريب - اليوم - إلا مهاجرين غرباء !
وهاجمت مجلة " المباحث " دعاة الكتابة بالحروف اللاتينية وعبرت عن عواصف الغضب والمقت التى اجتاحت البلاد بعد قيام أحد المصريين بهذه الدعوة واكدت باسم تونس أن العربية هى (وطننا العقلي) .
وهذه المواقف القليلة وما كتب فى العربية شعرا ونثرا أكبر دليل على شعور التونسيين بأن اللغة العربية جزء من الشخصية الوطنية التى يعمل المستعمرون على تفكيكها - ولكن إذا أخفق المحتل فى فرض وصايته السياسية الى الابد ، ألا يدل وضعنا الثقافي الحاضر على أنه نجح فى خطته الثانية ، وهي الاستيلاء على المقومات الروحية وتكوين جيل مقطوع لا يرى خلاصه إلا فى الاحتماء بظل السيد القديم ؟
بين الفرنكوفونية والعامية :
ولو تساءلنا الآن من هم أعداء التعريب لوجدناهم صنفين ، دعاة الفرنكوفونية ودعاة العامية !
أما الأولون فهم أولئك الذين تحمر وجوههم خجلا حين يخطئون فى التكلم بالفرنسية أو فى كتابتها ويضحكون من ذقن سيبويه فخرا واعتزازا حين يلحنون في العربية ، حتى اذا كانوا من مدرسيها ! وهم يناهضون التعريب لاعتقادهم أن مستوى التعليم ينحط اذا درسنا بالعربية وبعض الاذكياء منهم يقولون : لأننا لا نملك الاطارات الكافية ، ولا أظن أن واحدا ممن يدعو الى التعريب يفكر في القضاء على اللغات الحية ضمن البرامج المعربة ، فماذا يمنع الطالب التونسي الذي يكون تعلم الفرنسية وغير الفرنسية من أن يعود الى أحدث البحوث العلمية فى غير اللغة العربية حتى لا يتخلف عن الركب والمصطلحات ؟ المصطلحات ليست مشكلة اذا اتفقنا على ما اتفق عليه كل الناس وتركنا التقعر والبحث فى المظان القديمة عما أصبح اليوم مستعملا فى كل اللغات ، وعلى المسؤولين أن يفكروا فى الباقى ، أى فى تكوين الاطارات القادرة على التدريس باللغة الأم ؛
أما دعاة العامية فهم أشد خطرا في رأيى من الصنف الاول ، فهم يتكلمون باسم التقدمية والجماهير الشعبية ويزعمون أنهم يريدون أن يعيدوا الى الشعب لغته الحقيقية لان العربية لغة برجوازية - وهم يتحركون اليوم ليقنعوا الناس بأن التعريب أصبح قضية الرجعيين فى البلاد إلا أنهم أخفتوا أصواتهم بحيلة وباتوا يتحدثون - لا على تعميم الدارجة - بل عن " تطعيم العربية بالعامية " (1) وجعلوا من اللهجات الدارجة حرفة ومرتزقا !
سياسة ولا سياسة :
جائز جدا أن تكون قضية التعريب أداة سياسية تتستر بها بعض الطوائف والكتل ، ولكن هذا لا ينفي أنها قضية شريفة ومطلب مشروع ، وعلى المتكلمين باسم الايدولوجيات التقدمية ألا يتركوها في أيدى الرجعية كما يدعون ، أما اذا اتهمنا التونسيين كلهم بارجعية لأنهم يريدون التعريب فلا مفر لهم من أن تقدميتهم لا تصلح إذن لهذه الأمة - إننا نرفض أن يتخذ التعريب سلاحا سياسيا أو دعائيا ولكننا لانستطيع نكران ما للفرنسة من أبعاد سياسية خطيرة وكذلك تعميم اللهجات العامية ، فالأرقام والتصريحات المهولة المزعجة التى عرضها الاستاذ محمد مزال فى افتتاحية مجلة " الفكر " (2) غنية عن التعليق
وبلادنا بتقاليدها وحضارتها العريقة لا يمكن أن تعد لغتها فى مجموعة اللهجات الافريقية ولا أن تقطع صلاتها بماضيها - لقد حاول المحتل أن يغلب اللهجات على اللغة الأم ويحرك النزوات الاقليمية فلم يفلح ، وما الدعوة الى العامية إلا امتداد للاستشراق التبشيرى ، الذى مات فى مطلع هذا القرن !
وهكذا نرى أن للعربية عدوين لا بد من مواجهتهما بنفس القوة وأن قضية التعريب اذا لم تعتنقها القوى الحية فى البلاد يمكن أن تتحول إلى لعبة سياسية وسلاح ذي حدين .

