شرعنا فى سنة جامعية أخرى وقد كنا نتترقب منذ العطلة الصيفية أن تأتينا السنة الجامعية بجديد فلعلها أن تحقق القفزة المنتظرة منذ أجيال ونستيقظ أو نجد سبيل اليقظة فنعيش مع الأحياء تحت سماء الحضارة والازدهار الفكرى والمادى معا .
فوجدنا مرة أخرى ككل سنة منذ أجيال نفس المشاكل تطرح كأن طرحها لكفى لاثبات كياننا واخفاء سباتنا العميق وذلك الى أن يأتى افتتاح السنة الموالية وهكذا دواليك .
وقد سمعت في أسمى الخطب السياسية ومن أعلى المنابر الثقافية وقرأت فى أرفع المجلات الفكرية عن مشكلة التعريب . فهل هذه هى مشكلة حقا ؟ وكيف حلها ؟
فما دامت لغتنا هى اللغة العربية فالتونسة تقتضى التعريب بدون جدل . والتعريب واجب وهو ممكن .
وقد قالوا ان للتعريب وجهتين : الأولى تعريب عامة النشاط التربوى والادارى وغيره والثانية تعريب العلوم الصحيحة والتقنيه فالتعريب الاول مرغوب فيه ممكن حسب جميع الآراء وأما الثانى فقد انقسم فيه الناس قسمين : منهم من يرى انه يجب استعمال العربية فى العلوم تدريجيا ومنهم من يقول انه من الأمور الصعبة المستحيلة (( لأن العربية ليست لغة للعلم )) . وهكذا أصبحوا ينادون بالاعراض عن اللغة العربية حتى لا تكون عقبة فى تطور العلوم عندهم .
فلنا أن نتساءل لماذا الاهتمام الكبير بالعلم والتقنية ؟ ذلك لأنهم يظنون أن
العلم والتقنية هما أساس الحضارة والتقدم الفكرى والمادى وهذا فى نظرى غير صحيح إذ أن العلم والتقنية ليسا أساسا بل نتيجة أمر ثان سيكون شرحه فى موضع آخر .
أما موضوعنا هنا فهل العربية لغة على أم لا ؟ فالجواب أن اللغة العربية لغة صالحة للعلم والتقنية وأعنى بذلك لغتنا كما عهدناها بدون ادخال (( اصلاح )) فيها كما يقال .
فالعربية لغة كاللغات الأخرى فهي سهلة عند الذى يعرفها وصعبة عند الذى يجهلها واللغة الفرنسية مثلا صعبة جدا عند الانقليزى واللغة الانقليزية صعبة جدا عند الفرنسى . فكل يحكم نسبيا .
والروسية مثلا لم تكن (( صالحة للعلم )) قبل نصف قرن تقريبا . ونعلم جميعا أنها اصبحت اليوم من أهم اللغات فى العلوم والتقنية فأي لغة لم تستعمل مثلا كلمة (( سبوتنيك )) الروسية ؟ واللغة الصينية واللغة اليابانية أصبحتا لغتى علم رغما من أنهما ليستا لغتين بالمفهوم العادى للغات . هل تعلم مثلا أن العالم الشهير الياباني (( يوكاوا )) وضع سنة 1935 نظرية علمية فى الفيزيا النووية مكنته من اكتشاف القسيمة الذرية " π " الهامة جدا فى نظرية الحقل النووى والعمليات النووية ؟ وقد نشر اكتشافه باللغة اليابانية . ثم اكتشف هذه القسيمة الذرية " π " نفسها العلماء (( لاتس )) و (( أوكياليني )) و (( بوول )) فى انفلتيرا سنة 1947 وكانوا يجهلون نظرية (( يوكاوا )) اليابانى
فتأخر العلم الغربى فى هذا الميدان اثنى عشر عاما وقد اقتنع عندئذ الغرب بأن اللغة اليابانية لغة علم حتى اصبحت جميع المنشورات العلمية اليابانية تترجم اليوم الى اللغات الغربية .
وفى تونس نسمع الكثير عن اللغة الفرنسية فهل تعلم أنه لا يحرز أى شاب فرنسى على البكالوريا إلا إذا اتقن لغة أخرى أجنبية عن الفرنسية ؟ وهل تعلم ايضا أن كل باحث علمى فرنسى يجب عليه كى يثبت كفاءته أن يحسن الانقليزية أو الروسية أو الالمانية وأن يتربص فى مخابر دولة عظمى أخرى .
فتعايش اللغات الذى سئمنا سماعه فى تونس لم يعد جديا وهذا لا يعنى أننا لا نتفتح للغات الاجنبية كلها والثقافات كلها .
ورأينا ان اللغة العربية لغة علم لانها كانت الركن الاساسي لأكبر حضارة عرفتها البشرية وما زالت تعيش تحت ظلها وهى لغة علم لأنها تستعمل اليوم
أيضا لتدريس العلوم العصرية فى جل المدارس والكليات العربية : فى الطب والهندسة والفيزيا النووية وغيرها .
ونعلم أن منهم من قال ان هاته الكليات وشهاداتها متخلفة مثل اللغة العربية نفسها وجل هؤلاء الحاقرين للغة العربية تخرجوا من جامعات فرنسية وصبغوا بروح فرنسية صبغة كبيرة حتى أصبحوا يزعمون أن الشهادات الاميريكية والروسية وغيرها ضعيفة المستوى وأنت تعلم أن الروس والأمريكان وصلوا إلى القمر . وقد توغلت فيهم سكرة الاستعمار الثقافى حتى أصبحوا يعتقدون - ويريدون اقناعنا - أن الشهادات العلمية فى الجامعة التى يدرسون فيها وباللغة التى ارتضوها هى أيضا (( شهادات ذات مستوى ضعيف )) فأين الصحة فى حكمهم على اللغة العربية وقد حكموا على أنفسهم بالعدم ؟
وفى تونس قد القيت من النخلة الى الدخلة منذ سنة 1959 العشرات من المحاضرات العلمية فى أهم مواضيع العلم العصرى كالطاقة الذرية والطاقة الشمسية وغزو الفضاء وغيرها باللغة العربية وقد وجدت الحاضرين فى كل مرة شبابا وكهولا نساء ورجالا منتبهين الى العلم متعطشين اليه شغوفين بما أبسط عليهم باللغة العربية التى قد أدت اليهم كل المعانى والاراء . وقد استعملت فى تلك المحاضرات لغة عربية سهلة قد لا تبعد عن لغة التخاطب اليومى ومهذبة . فاللغة العربية الفصحى ولغة التخاطب المهذبة هما فى آخر الأمر لغة واحدة وهل كان الامر على خلاف ذلك فى العصور الاولى للغة العربية ؟ وهل الامر على خلاف ذلك فى الماضى وفى الحاضر بالنسبة لجميع اللغات الاخرى ؟
فالتعريب اصبح اذا قضية عزم وقضية وعى قومى وهى قضية تستوجب استعمال اللغة العربية ما استطعنا الى ذلك مع ترجمة ما يمكن ترجمته من ثقافات اجنبية وهذا هو الأسلوب المعمول به عند جميع الشعوب لجميع اللغات بدون استثناء .
والتاريخ لا يحتوي على احداث ترك فيها شعب لغته إلا فى حالات شاذة جدا وفي تلك الحالات أصيب الشعب بعلل اجتماعية خطيرة هوت فيها الأمة الى الانحطاط والتدهور .
فالسبيل الوحيد الى التقدم والرقى الفكرى والمادى معا هو الاعتماد على أنفسنا بالمحافظة عل مقومات شخصيتنا وهى لغتنا وديننا وتاريخنا وغيرها - كما علمنا ذلك تاريخ الشعوب الاخرى - متفتحين فى ذلك على جميع اللغات والحضارات الاخرى .
