الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

العربية وتعليم الطفل

Share

لعل القارئ الكريم يذكر أننى عالجت فى آخر محاولة لى الناحية النظرية من موضوع تيسير الطباعة العربية ( * ) وكشفت له فى القسم الاول من البحث الاسباب التى جعلت أهل العربية لا يرون فى ضبط الحروف بالحركات أمرا ضروريا وبينت له أن سبب ذلك يرجع الى وجود تفاوت بين لغة اكتملت بنزول القرآن من الناحية الجمالية والفكرية وبين كتابة بدائية منقوصة ؛ فمن جهة نجد لغة بلغت من الدقة والوضوح ما بوأها لأن تكون لسان دين جديد ومن جهة اخرى نصدم بوجود كتابة لا تتناسب مع ما وصلت اليه العربية من كمال . هذا التفاوت اذن المرتبط فى الحقيقة بعقلية قائمة بنفسها كان سببا في ما عانته وتعانيه العربية من تخلف عن ركب اللغات المتقدمة .

وفي القسم الثانى من البحث درجت الى بيان تأثير الكتابة المنقوصة فى عصرنا الحاضر وكنت لاحظت اننى لم اكن راضيا عن ذلك ووعدت بالرجوع الى النقاط التى عددتها نظرا لما تكتسيه من أهمية فى تقدم الفكر التونسى .

وليس اشفى للنفس ، ونحن على أهبة الدخول فى الموسم الدراسي والامة التونسية تنظر بعين ثاقبة فى مصير تعليم أبنائها على جميع المستويات ، ان اساهم مساهمة متواضعة فى لفت النظر الى مسألة لها فى نظرى أثر كبير في تعليم الاطفال المبتدئين وهى مرتبطة أشد الارتباط بالموضوع الذى ان بصدد معالجته .

ولقد اشرت فى البحث السابق اشارة خاطفة الى اننى لم اجد دراسة واحدة تعالج تأثير النصوص غير المشكولة على الاطفال أو هى تبحث على الاقل فى الطريقة التى يمكن بها تذليل صعوبة الشكل وتقريب هذا المفهوم الى أذهان اطفالنا الصغار .

ان الكثير مما ينشر فى تونس من الناحية اللغوية والتربوية انما يتناول فى كثير من الاحيان النظريات المعروفة من طرق تركيبية وتحليلية واستعمال للوسائل السمعية البصرية مما لا يتعدى ترديد مشاغل المربين واللغويين في البلدان المتقدمة اجتماعيا وعلميا . وإذا كان من المفيد جدا ان يكون اللغوى او المربى فى تونس مطلعا على ما يجرى من تجارب فى بلدان العالم فانه من الاجدر ان ننكب جميعا على المشاكل التى تعترض الطفل التونسى فى أول خطواته بالمدرسة وان لا نترك الامر فى عهدة المعلم فقط اذ انه مما لاشك فيه ان الكثير من المعلمين قد اوجدوا لانفسهم طرقا هى كفيلة بضمان نجاح التلميذ ولكن ذلك لم يتعد الجانب التطبيقى ومن الاحسن وتعميما للفائدة ورفعا للمستوى ان يقع تقنين هذه الطرق وتحليلها وتكييفها بصورة تكون مجدية بالنسبة لجميع المربين .

ومن أعظم هذه المشاكل فى نظرى تقريب مفهوم الشكل عند الطفل المبتدئ . فهل وقع النظر فى الطريقة التى يمكن ان نصل بها الى نتيجة فى هذا الباب ؟ هل نعرض تماما عن ذلك ولا نعتبره صعوبة فنرسم فى ذاكرة الطفل الحروف ونترك امر الحركات للصدف ؟ ام نحن نركز تعليم القراءة والكتابة على الحركات وتأتى الحروف كأنها مكملة لذلك ، الاسئلة فى هذا المجال كثيرة . وليس غرضى هنا ان ادعو الى طريقة جديدة فى تعليم الطفل القراءة ولكن الذي أردت من هذه الكلمة هو ان ألفت الانتباه الى ان القضية جديرة بان تدرس . والدليل على ذلك الملاحظات التى امكن لى تسجيلها عند قراءة الصفحة الاولى من كثير من الكتب التى يدرس بها فى تونس .

ان من المفروغ منه فى بيداغوجيا الطفل الاقتصار فى الدرس الواحد على صعوبة واحدة . فماذا نجد فى الدرس الاول من كتاب من هذه الكتب ؟

أولا : ان الطفل المبتدئ لم يتعود التنوين فى اللغة الدارجة ولهذا فان تصوره لمفهوم التنوين عسير ولهذا من الاجدر تجنب هذه الصعوبة

ثانيا : ان وجود الحرف وعليه فتحة ومعه الف المد يجعل الطفل يعترض بثلاث صعوبات فى آن واحد  

ثالثا : كما ان وجود الحرف بأشكاله المتعددة من متصل ومنفصل ومتوسط الى غير ذلك يشكل صعوبة أخرى

فاذا جمعنا هذه الصعوبات وجدناها خمسا ولا شك ان الكثير من الاطفال يعتقدون من اول درس ان العربية صعبة وان القراءة تتطلب منهم مجهودا كبيرا بينما نحن نحرص جميعا على ان يكون اول درس أمرا تلقائيا لا يكلف الطفل عناء كبيرا .

ففي نظري ان الحركة التى سيكون لها دور كبير فى الصرف والنحو علاوة على دورها في النطق بالحرف وتجسيمه يجب ان تكون محل عناية وألا تظهر من أول درس كأنها شئ ثانوى او هي جزء تافه من الحرف

لا أدرى هل يمكن تركيز الدروس الاولى على الحركات وابرازها بحيث يعتبرها الطفل امرا اساسيا أم لا ؟

وهل يمكن مثلا الاعتماد على السكون الذى هو ظاهرة واضحة فى لغتنا الدارجة للانطلاق الى المفاهيم الاخرى من حركة وتنوين ومد الخ . . ؟

كلها اسئلة لا يمكن ان اجد لها جوابا خاصة وان الدراسات فى هذا الباب مفقودة والاختصاصيين فى هذا الميدان اقتصروا على التطبيق فقط ولم يحاولوا تحليل أساليبهم وتقنينها

لذا فان هذا التردد في ايجاد طريقة واضحة فى تعليم العربية والسكوت عن هذه القضية وعن انعكاساتها فى الطفل من شأنه ان يجعل التلميذ ، كلما ارتقى من قسم الى قسم ، يجمع عددا مهولا من الصعوبات التى تنفره من لغته وتجعله يميل الى اللغة الفرنسية اذ يجدها أيسر منالا وأقل مشاكل

هذه كلمة عابرة عن هذا الموضوع الذى يحتاج الى كثير من الحيطة ومزيد من التدبر وانى أكله الى المختصين فى تونس وهم كثيرون قادرون والحمد لله

اشترك في نشرتنا البريدية