يعد كتاب ( الاتحاف ) رغم صبغته التقليدية فى التقسيم ( حسب مدد الملوك ، والسنوات ) مما يجعله قريبا من الحوليات ، او ما يسمى بالاجنبية chronique كتاب تاريخ اولا وبالذات ؛ لكنه يصطبغ كذلك بصبغة اجتماعية وثائقية واضحة ، فالقارىء له يخرج بصورة عامة واضحة عن المجتمع التونسي في القرن التاسع عشر ؛ وهذه الناحية ، وان لم نكن أول الخائضين فيها (1 ) ، مازالت تشكو بعض الاهمال ، لان الاهتمام الى اليوم انصب على القيمة التاريخية ( للاتحاف) وشخصية ابن ابى الضياف المؤرخ
وان الناظر الى التكوين الطبقى للمجتمع التونسي فى القرن التاسع عشر من خلال كتاب ( الاتحاف ) يلاحظ ما يلى :
1 - قلة التناسق فى تكوينه الهرمي : فالباى وحولة الحاشية المكونة من المماليك فى الغالب وقلة من اعيان " أهل البلد"، ثم رجال الدولة من موظفين ومسؤولين ، وكبار التجار و " الصنايعية " ، وتفصل بين هؤلاء والعامة "الرعاع " هوة سحيقة.
2- قلة التجانس العرقي: فالاصول المكونة للافراد متباينه: من عرب واتراك وشراكسة ويهود وبربر عد ما يحدث من تزاوج بين بعض هذه العناصر
3 - انفصال جلى بين سكان المدن ، وسكان البادية ، وقد شجع على ذلك احتكار العواصم ( تونس ، سوسة ، القيروان . . . ) للحكم ، واكتفاء من يعيش خارجها بالخضوع للاذى.
ويمكننا بصفة عامة ، وانطلاقا ، من نظرة خلدونية ، قد يكون ابن ابي الضياف انطلق منها ، أن نصور المجتمع آنذاك كما يلى :
1 - المماليك الاعيان المدن 2 - التجار والصنايعية
اهل الذمة يهود. مسحيون .
3 - الفلاحون 4 - الجبالية البوادى 5 - العربان
وقد اخترنا الحديث عن هذه الطبقة السفلى اجتماعيا ، واقتصاديا وسياسيا لسببين :
الاول - أهميتها فى تحريك سياسة البلاد.
الثاني - حظوتها عند ابن ابى الضياف الذي لم يخف تعاطفه معها كما سنرى .
. العرب والعربان:
ننطلق من تعريف هذين الكلمتين فى ( الاتحاف ) ، وهما يفيدان نفس
المعنى (2 ) ، اى البدو الذين يعيشون اساسا من دعي القطعان ، وبسبب قلة المرعى او الضغوط المركزية ( حملات جباية ، أو قمع ...) يتنقلون باستمرار ، وربما اجتازوا الحدود ، وقد يشتغل بعضهم بفلاحة محدودة او موسمية ، أو ينضم الى المخازنية والجيش ، والصحيح هنا غالبا يضم .
وسبب هذه التسمية يعود ، كما هو بديهى ، الى ان اغلب اصول هذه القبائل عربية ، وقد تركزت وتدعمت مع الزحف الهلالى . وان كانت الكلمة نفسها لا تخلو من نبرة احتقار عندما ينطقها ساكن المدينة ، ولعل بعض ذلك مازال موجودا ! وربما شملت التسمية كل من لا يقيم فى المدينة .
ومواضع ذكرهم في ( الاتحاف ) متعددة ، وخاصة فى حديث ابن ابى الضياف عن الثورات والفتن ، كما يتجلى فى انتفاضة على بن غذاهم سنة 1864 ، او النكبات كالاوئبة . . اى اننا نجد ذكر العربات ، بعبارة اخرى، فى الصفحات السوداء من (الاتحاف ) وما اكثر هذه الصفحات ! ( 3 ) .
. علاقة العربان بالسلطة المركزية :
ان حديثنا عن هذه العلاقة ، فى الواقع هو عين حديثنا عن علاقة العامة بالدولة ، او الفلاحين بها ؛ وهي علاقة ذات اتجاه واحد ، فالمسير لا يتذكر وجود المسير الا زمن الحاجة اليه ، وخصوصا عند الجباية ، وقد نقل لنا ابن ابى الضياف تصريحات رسمية لرجال الدولة فى هذا المعنى كقوله (٥٥:٦) " . . وباى المحال هذا يصرح علنا بأنه لا يقود العربان الى جادة الطاعة الا ابتزاز ثروتهم ، وسلب نعمتهم . . " وهو مصداق المثل العربى القديم: " جوع كلبك يتبعك " ؛ وكانت الدولة ترى قدرة هؤلاء العربان على دفع الجباية ، ولو كانت مجحفة ، لما كان يتردد من ان العربان اثرياء ولكنهم يدفنون أموالهم ، ويتظاهرون بالفقر . ( ١١٣:٥ )
وكان رد فعل العربان التظلم ، والتشكى ، والتساؤل عن وجوه صرف أموال الجبابة ، كما صرح بعضهم عندما رأي الابراج مهدومة : " فى اى محل تصرف هذه الاموال المأخوذة منا ؟ " ( ١٢٧:٥ ) ، ثم فى مرحلة ثانية الامتناع عن الاداء ، والمجاهرة بذلك ( ١٢٠:٥) ، وأخيرا اللجوء الى المقاومة المسلحة .
وقد زاد الطين بلة ، طريقة الاتصال بين الجهات والعاصمة المركزية، وهنا يبرز دور العامل الذى كان غالبا سلبيا ، وحتى فى حالة بلوغ التشكيات من العمال ، كان الباى يعاقب المتظلم ، ويسمى الشكاية منهم ، ولو اليه ، فسادا في العمل ، يقتضى عقابا مجهولا هو بحسب مشيئة ( ٢١:١).
مشاركة العربان فى الثورات المسلحة:
ساهم العربان فى كل الاضطرابات التى ذكرها ابن ابى الضياف فانقسموا باشية وحسينية فى الفتنة المشهورة ( 113:2 ) ، وناصروا بعض أبناء البايات الخارجين ( 162:2 )، ولكن اكبر مشاركة لهم ، او على الاقل ما توسع ( الاتحاف ) فى ذكره من مشاركتهم هو انتفاضة بن غذاهم التى تعتبر اول رد فعل جماعي على ظلم الحكم المركزي ، وقد وقعت دراسة هذه الثورة فى مواضع كثيرة ، الا انه لم يقع الالحاح بصفة كافية ، فى رأينا ، على بعض النواحي ، كالاسباب الدفينة لهذه الثورة ، ولا يخفى علينا ان الجباية ليست سوى القطرة التى افاضت الكأس ، والتنظيم المحكم الذي عرفه العربان من انضباط ، وعدم انسياق الى النهب ، كما يقر بذلك ابن ابي الضياف " . . الطرق معطلة عن المخازنية واتباع الدولة فقط ، ومأمونة للقوافل والتجار ونحوهم " . . ( ك : 134 ) ، واتفاق على طرق اتصال بدائية ولكنها تفي بالحاجة ، يقول ابن ابى الضياف " واتخذ كل عرش طبلا يسمونه طبل الفزوع ، ينادون من قاربهم بقرعه ، فيسمع له دوى فى تلك الفلوات" ( 121:5 ) ، ودور شيوخ الطرق والزوايا ، وكنا طرقنا شيئا من هذا فى مقال سابق ( 4 ) ، وما الى ذلك
. رد فعل الدولة :
وبطبيعة الحال ، لجأت الدولة ازاء هذه الثورات الى ما تلجأ اليه كل الدول الضعيفة ، وهو القمع والبطش والتمثيل بقصد التأديب والردع ، واثارة الخوف فى نفوس من ينوى القيام.
وفى ذلك يقول ابن ابى الضياف تعقيبا على القمع الذي تلا ثورة ماجر : "...وانكسرت شووكتهم ، وزالت وطأتهم ، وخاف أمثالهم . . . " ( 3: 32) وكان هذا القمع يكتسي أحيانا طابعا وحشيا رهيبا ، كعقاب زعماء ثورة ابن غذاهم الذين ماتوا ضربا فى ظروف قاسية . يقول ابن ابى الضياف: "ومات منهم ، بسبب هذا الضرب الذي لا تحتمله القوى الحيوانية ، على بن عباس شيخ تالة ، خرجت روحه قبل كمال عدد الضرب ، فكملوا العدد بضرب شلوه وهو ميت . ومات بعد الضرب الحاج مبارك شيخ الطريقه بتاله، ولم يسمع منه حال الضرب الا قوله : " يا رب ، يا رب ، يكررها الى ان اغمى عليه [وفلان ، وفلان ] وغيرهم من وجوه العرب ، ومأوى القرى ، ومناخ الصادر والوارد من ... ومات منهم فى الستة اشهر ماء يتيف على المائه . والشقي منهم بالحياة ، يغبط السعيد منهم بالموت . .."
.اثر احتلال الجزائر :
ويثير ابن ابي الضياف قضية ساهمت فى اثارة هذه الانتفاضات ، وكان لها اثر فى احتلال تونس ، وهي مقارنة العربان لحالهم بحال عربان الجزائر، ومقارنة المعاملة التركية والحسينية ، بالمعاملة الفرنسية . وقد ساهمت فرنسا ، بطبيعة الحال ، فى ترويج الاشاعات الزارعة لهذه الافكار. وطبيعة الوقت اقتضت اخلاق التمدن من المكايسة والمشاحة ، وفتح الابصار والآذان لسماع ما يقع في الجهات ، لاسيما فى عربان الجزائر وانقلاب حالها بعد الترك ، من العسر الى اليسر ، ومن الفقر الى الثروة ، ومن الخراب الى العمران ، الى غير ذلك مما يتناقلون حديثه ، سواء فى ذلك اهل البلدان وأهل الخيام ، لاسيما والعربان مختلطة بعربان الجزائر ، لاسيما فى الجهة الغربية .." ( 126:5 ) . بل وبلغ الامر بها ان استغلت التصريحات الرسمية "للتعريض" بحالة الايالة " وذلك لترى عربان الجزائر الفرق بين الحالتين، وتنجذب اليه قلوب رعيته " ( 36:6 ) .
وقد حلل ابن ابي الضياف تحليلا كافيا مشكلة اللجوء والاحتماء بفرنسا، وابدال الجنسية ، وابدى فى ذلك آراء سنعرض اليها.
. موقف ابن ابي الضياف من العربان :
لم يكتف ابن ابي الضياف بالتاريخ ، بل علق فى اغلب الاحيان ، على الاحداث وايدى استنتاجات تدل على تبصر وبعد نظر ، بل وقف - كما نعته الاستاذ أحمد عبد السلام - موقف المؤرخ " الملتزم " ( ٥ ). وان لم نكن موافقين كل الموافة على هذه التسمية ، كما أن الاستاذ لم يستعملها فى معناها الاصلى بما انه اثبتها بين ظفرين ، الا اننا نلح على مبدأ انطلق منه مؤرخنا ، وهو واضح فى كل اقسام الاتحاف ، ودعمه ما حذف من مسودات الكتاب ، عند تهيئة الصورة النهائية ، والرسمية اذن ، وهو مبدأ الصدق ، والرد على الادعاءات والمفتريات المذكورة فى التصريحات الرسمية أو فى الرائد التونسى ( 6) .
وفي اتخاذ هذا المبدأ من الجرأة ما لا يخفى ، وقديما قال المعرى فى رسالة الغفران : " لم يزل قائل الحق من الممقوتين " ورغم ما يفترضه القارئ مسبقا من صبغة ابن ابي الضياف " البلاطية " ، وهو ربيب نعمة البايات ، وحتى صبغته التقليدية فانه برر في كثير من الاحيان تصرفات العربان:
فهو يقول فى نص شهير من مقدمة " الاتحاف": " انظر الى بوادى الخيام ، كيف عدلوا عن بناء المساكن وغرس الاشجار ، ومجاورة المياه مع العلم بان ذلك احسن مما هم فيه من العناء وشظف العيش ومجاورة الافاعى ، يستوى فى ذلك كل مميز يفرق بين التمر والجمر حتى تخلقوا بهذا التوحش المنافى للعمران ، وباهوا به اهل القرى والامصار ، وما ذلك الا من عدم الامن وتوقع العدوان " . ( 21:1 ) .
ويفسر اضطرار العربان الى قتل العمال أحيانا فيقول فى نفس الموضع :
" وربما اضطر بعض الاعراب - ممن بقيت فى نفسه اباءة - الى قتل العامل ويستصغر ما وراءه من عقاب الملوك ويقول " يأكلك الاسد ولا يأكلك الذئب! " فكلمة " اباءة " وحدها حكم براءة !
وهو يعيب على الدولة ما يراه سببا لقيام الانتفاضات ، كعدم تطبيق عهد الامان ، ويستشهد على ذلك برسائل القناصل او المبالغة فى التصرف المطلق, وتطبيق السياسة الفاسدة بتأييد أهل الملق ، وافضل ما يمثل ذلك نقل ابن ابى الضياف لصورة عن المجلس الذي قرر الرفع فى مقدار الجباية مما اوقد نيران ثورة بن غذاهم ، وهو مجلس لم يكثف ابن ابى الضياف فيه بالتاريخ, بل حكم على رجال الحاشية الذين أيدوا القرار تملقا " وباطنه لا يعتقد ذلك, وشواهد حاله تكذبه ، الا انه يستر قصوره عن اقامة الدليل بهذا الملق البارد" ( 113:5 ) أو جهلا " . . وينقل فى ذلك مثلا ارسله بعض الاوغاد السفهاء من جهلة الترك ، وهو :" العربي خذ ماله واقطع راسه " . وليته علم ما يلزمه فى هذه المقالة ", أو خوفا " ومنهم من يسمع الكلام ولا يسمع منه قول حال المستمع الى تلاوة القرآن ، والله اعلم بحال سكوته ! " وحكم على الاعيان الذين تخلوا عن واجبهم " بصفتهم رجال الحل والعقد ، ولذلك كان جوابهم عن مكتوب الباي : " ان سيدنا اعلم بسياسة رعيته ، وان حالتهم المشاهدة لا تعزب عن علمه " ، الى غير ذلك مما هو صريح فى الخروج عن العهدة . " (112:5 ).
ويعلق بلذاعة على موقف الباي فيقول :"من اراد ان يطاع ، فليأمر بما يستطاع " (5: 120)، ويقول ايضا : " ان من صارع الحق صرعه ، وطوفان الجور سريع الغور " ( 131:5 ) .
بل ينفي عن العربان ما اشيع عنهم من أقاويل " اعرضنا عن تسويد الصحف بذكرها لانها كطنين ذباب ولمع سراب " ، ويعتبرهم مظلومين " ورب ملوم لا ذنب له " . ( 7 )
ويرى انهم يتقبلون القوانين بصدر زحب اذا ما اقتنعوا بها " وهل ترى اذا شرح لهم معنى القانون . . . كانوا يصرون على مطالبهم او يقودهم الطبع البشرى الى التسليم ؟ "
وهو يدافع عنهم دفاعا عجيبا ، ويفند حجج خصومهم حجة حجة ( 127:5-131 ).
وهو بصفة عامة يتعاطف معهم فيقول ناقلا قولا لفرحات عامل الكاف : " ان عربان بلدنا لا يستطيعون ذلك ( اى خلاص القدر المزيد ) ، وضعفهم مشاهد بالعيان ، وذلك اننى فى العام الماضي بعث على الضعفاء خيام بيوتهم . ., وتركتهم مع صبيانهم تحت اديم السماء للحر والقر . . " ( 115:5 )فأين نحن من الكنوز المدفونة ؟ .
وليس هذا التعاطف غريب الشأن.
. أسباب تعاطف ابن ابي الضياف مع العربان :
فابن ابي الضياف ولادته ونشآته فى العاصمة ، اصيل عرش اولاد عون ، ولا شك ان لذلك تأثيرا فيه.
ثم هو يعتبر نفسه عالما اى رجل اصلاح ديني ، وكاى مفكر ديني يضع للسياسة أخلاقا يطالب باحترامها كالرحمة والعدل . . ,وقد لاحظ انتهاك الدولة لها ازاء العربان.
لكن اهم سبب لذلك يبقى تأثره بالاصلاح والمصلحين ، ويظهر في مناصرته للخط الشريف ، وعهد الامان ، وتأييده الدائم لخير الدين وجماعته.
.الخاتمة :
ان موقف ابن ابى الضياف من العربان ، والعامة هو موقف المؤرخ والمفكر السياسى الذكى ، وصاحب القلب . وان نظرياته ، رغم تأثرها بأفكار سابقية قد التصقت بواقعه المعاش ، فمنحت تاريخه نضارة ، وتجددا ، وصدقا .
وليس بحثنا هذا سوى خطوط عريضة لما نأمل القيام به من دراسات حول ( الاتحاف ) ، فما زال الموضوع محتاجا الى تعمق وتدقيق ، وربط بنظرة المفكرين العرب الى (العامة ) انطلاقا من الجاحظ حتى ابن خلدون %

