الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

العرب فى نظر مستشرقين ، بارك وما سينيون

Share

-2-*

دومناك : نعم - ولكنا نجدها منفصلة عن بعضها بعض . أليس كذلك . ولست أعرف فى العالم العربى - ولعلكم تعرفون - تفكيرا يقارب ما عهدناه عندنا فى جهود رجل مثل " ايمانوال مونيى " او " تيلاردى شاردان " : وهو النظر الى العالم الصناعى نظرة تتماشى مع روحانية أو عقيدة ما . . .

بارك : لانه ما يزال يسيطر عليهم ما فى تاريخهم من تفرقة بين الاصالة والفعالية .

ماسينيون : نعم ، أقول ان هناك حياء وبالتالى ايمانا " بالعلوية " . من واجبنا ان نتعرض الى مجموعة من البشر لها مع الله عهد خاص وذلك سواء بالنسبة للعرب أو لاسرائيل . فنحن فى نظرهم " غويم " (I) وكفار . فالمسلمون يؤاخذون المسيحى مثلا بمضاجعته زوجته مدة الحيض . وهو أمر لا يمكن قبوله عندهم . وتقول ان المسألة ليس لها اهمية كبيرة ولكنها على كل حال مسألة دقيقة يستخف بها المسيحى . وفى السودان فان مربى الخيل يغطون الفرس عند لقاحها من طرف الجواد لانهم يرون انه يجب اعتبار حيائها ليكون النتاج حسنا وفي الحقيقة فان هذا التمسك بالمظاهر هو الذى يبعدك عنهم حينئذ ولكنهم لاسباب كثيرة اقل منا فسقا . فهم لم يفتنوا فى الدعاية للفسق الذى كان الطامة الكبرى بالنسبة للاستعمار المسيح ورغم ان العرب قد اشتهروا باللواط فان طرق التفنن فيه ومظاهره الفظيعة والمتسمة " بالمادية " علمها اياهم الاروبيون واليهود الاروبيون .

وفى تونس خاصة وفى اماكن كثيرة اخرى توجد دور يسهر عليها اروبيون وفيها كل ما حذقه الالمان فى هذا الميدان من تفنن .

بارك : وهذا لا ينقص من شأن التيار العظيم للسلوك الجنسى الاصيل العادى والذى هو جزء لايتجزأ من سلوك العرب : وقد أفادهم هذا الامر فى الفترة الاخيرة : اذهم قد فرضوا انفسهم على غيرهم من الناحية الجنسية وهو أمر يدل على " موقف كونى " معين .

ماسينيون : نعم . ان للعرب هذه الخاصية التى تميزهم عن اسرائيل وهو الذى حدا باسرائيل الى الحكم عليهم حكما قاسيا : ذلك انهم كانوا يتصفون " بالشمول " فقد اراد محمد فى أول أمره أن يوفق بين المسيحيين واليهود . لكنه جعل من كليهما خصما له لان رسالته أتت متأخرة عنهما . لكن تفكيره كان فى منتهى النبل والجمال . وارسخ المسلمين فى الاسلام هم على هذا الرأى

بارك : ولهذا فاننا لانشعر أبدا بصدمة عند اتصالنا بهم . وانى على يقين انك مثلى لم تشعر ابدا بحاجز بينك وبين المسلم .

ماسينيون : انى اقل شعورا بذلك منى ازاء اصدقاء اسرائليين . وقد كان لى صديق حميم وهو استاذى " سلفان ليفى " وانى أذكر أنى كنت خارجا من بيته يوما فسمعته يتحدث عن ال " غوى " قائلا والآن وقد خرج ال " غوى . . . " ويعلم الله كم كان يحبنى ولكن احترازا بقى سببه تلك الاضطهادات الشنيعة التى سلطها عليهم المسيحيون فى حاراتهم والآن سيصبح الامر مماثلا بالنسبة للعرب الموجودين فى المحتشدات .

بارك : ولكن الا تظن أن العرب هم الآن بصدد اقتفاء اثر الامم الصناعية مثل سائر شعوب الارض وأنهم تسرى فيهم عدوى " الفعالية " وطغيان الاشياء المتحدة الشكل تلك العدوى التى اخذت تعم العالم شيئا فشيئا

ماسينيون : لكن هناك مئاس لم تزل قائمة الذات : فالمسيحى مثلا لايمكن له التزوج بمسلمة ، أليس كذلك . . .

بارك : فى الواقع لا يقع مثل ذلك

ماسينيون : ان ذلك مستحيل من ناحية القانون . ولهذا يجب التفكير فى الصداقة فى هذا الامر المهم الذى احسبه اصلا فى وجود كل " مدينة " وهو ما يجعلنى أحب كتاب " رومان قارى " جذور السماء " رغم ما فيه من نقص وهو عندى " دون كيخوتة " فرنسا المعاصرة ذلك ان الانسان فى حاجة الى حد أدنى من الصداقة واذا نحن احرزنا على صداقة العرب واذا عرضنا عليهم صداقتنا فان كل الاعتراضات الاخرى تنهار .

دومناك : أريد ان اقول كلمة واحدة فيما يخص امرا لاحظتماه ولا شك أكثر منى : ذلك أن العالم العربى هو الآن فى تغير بسبب انتشار التعليم : فلم يعد الاطفال يحفظون القرآن . ففى المغرب نجد اشخاصا فى سن الاربعين يحفظون القرآن عن ظهر قلب ، ولا نكاد نجد من ذلك شيئا عند الشبان .

فهل لايجعل هذا الامر العالم العربى أعزل أكثر فأكثر أمام ظاهرة " التأليف " (2)الضرورية

ماسينيون : اسمحوا لى بصفتى زائرا للسجون المخصصة للشمال افريقيين منذ سبع سنين ان الاحظ ان السجن علم القرآن لرجال جبهة التحرير فى بعض السجون التى اعرفها .

بارك : انى أتمنى أن لا يكون السجن ظاهرة عادية

دومناك : هل ان العالم العربى قد ظفر ولو فى قسم من أقسامه بنظام تربوى خاص به ليس فيه أى تعد من العالم الآخر ؟

ماسينيون : ذهبت الى المؤتمر الاسلامى المنعقد بلاهور (الباكستان) فى جانفى 58 وقد عرضت هذه المشاكل من الجانبين (3) ( وقد وجد هناك وفد سوفياتى كبير ووفد آخر أمريكى اكبر هو الذى مول المؤتمر ) وحاولت هذه اللجان جاهدة أن تمنع المسلمين من أن يكون لهم " طريق وسطى " . فكل من الجانبين يريد ان تكون الاجراءات اما سفياتية او اطلسية .

بارك : وشقاء العرب أو الصعوبة التى يجدونها - كما هو الشأن بالنسبة للعالم بأجمعه - هو أن هذه " الطريق الوسطى " تتحدى حتميا الطرفين .

دومناك : انى أفكر فى الصعوبات التى لقيها التعليم فى المغرب الاقصى عند البحث فى حل وسط بين التعليم الصناعى الغربى وبين التعليم العربى الصرف وانى افكر ايضا فى التجربة المصرية التى حدثتنا عنها " سيمون لاكوتور " أفكر فى هذا التجريد من الثقافة الذى انجر عن حكم عبد الناصر (4)

ماسينيون : نعم ، لكن فى هذا الصدد أيضا تتبعت أعمال المجمع العلمى العربى ، ففى مركز من مراكزه تتبعت مناقشة دارت بين أنصار طريقة عبد الناصر وبين الذين يرومون استغلال الثقافة لاسباب ما وبصورة خفية

وهنا أيضا يمكن ان نجد بقية من حياء الساميين تجعلنا لانستطيع حل المشاكل على قارعة الطريق كما يقع ذلك بين المسيحيين . فان المسيحى يشعر بحاجة الى عرض عواطف قلبه أمام الناس . فيحدثنا عن علاقاته بالازل وعن وضع قيمه الروحية اما المسلم واليهودى فانهما يستفظعان ذلك .

بارك : نعم ، لكن مهما كان الامر الا ترى ان السامى كغيره من الناس تجرفه هذه الحضارة المليئة دعاية وعموميات . انظر مثلا الى الدور الذى تقوم به

الصحافة فى العالم العربى ، الصحافة والاذاعة اللتين تناقضان بصفة قطعية هذا السر وهذا الكتمان لبواطن الامور . وقد كان هذا احد الاسباب التى دعت المؤمنين فى أول الامر الى عدم الرضى عن نشر النصوص المقدسة واذاعتها .

ماسينيون : على ان الصحافة والمجلات العربية كانت فى أول أمرها مجلات يديرها زعماء روحيون ووعاظ

بارك : وبصفة أخرى فان العرب كغيرهم من الامم يجرفهم ما يمكن ان نسميه دنس العالم وهذا ما سميته فى كتابى الانتقال من ميدان القدسية الى ميدان التاريخ ، من دون ان أزعم أن الامور المتعلقة بالمقدسات قد زالت أو أنها لا تكيف بصفة أو بأخرى الامور التاريخية ، وذلك بطرق خفية ملتوية متجاوزين فى ذلك كل تحديد ضيق .

ماسينيون : والذى يبدو لى واضحا هو ان اعتماد العالم الاسلامى على الآلة محاكاة لنا أمر يجعلنا نلمس بوضوح الجانب الجهنمى من طغيان طبقة الاخصائيين الفنيين (5)

بارك : لكن سيدى ليست هذه التى نعنى وانما نعنى الحضارة " التكنيكية " ، والفرق بين الامرين كبير .

ماسينيون : ان الاولى تعتمد على الثانية . وفى هذا الوقت نفسه فنحن بفرنسا نمر بمرحلة الاختناق .

بارك : فهل يذهب بك الامر الى حد التنكر لصناعات العالم الحديث وفنونه ؟

ماسينيون : انى مضطر طبعا الى الذهاب الى الطبيب ، ولا استطيع أن اطمئن الى نوع المسح للمحافظة على صحة اولادى مثلما كان يفعل المسيحيون الاولون وغاندى .

بارك : ان ما يمكن ان نقوم به هو تجاوز هذه الصناعة الفنية وبعث قيم جديدة من خلال هذه الصناعة وبالاعتماد عليها . واظن ان هذا ما يصبو اليه العرب مثلنا نحن سواء اكانوا شاعرين بذلك ام لا .

ماسينيون : انى اظن اننا لن نظفر بذلك الا عن طريق السجن . وقد قلت ذلك فيما يخص مدغشقر : فقد وجدنا نخبتها فى السجن . وانى ارى ان السجن هى التى تعلم الحرية وان العرب سيدركون الغاية فيها عن هذه الطريق .

بارك : ومن هذه الناحية أرى ان اعداءهم يفتحون أمامهم ابواب الامل واسعة .

دومناك : انك لم تتحدث فى كتابك على ما أظن عن المغرب العربى ولم يكن ذلك موضوع الكتاب .

بارك : لا لقد تركت المغرب العربى جانبا لانه يبدو لى ان المشكل الذى يعانيه يخالف من نواحى عدة مشكل الشرق العربى . وقد كان يختلف عن الشرق حتى قبل الفترة الاستعمارية من تاريخه . اذ كان المغرب متحجرا فى القدم بينما كان المشرق عتيقا . اضف الى ذلك ان الظاهرة الاستعمارية قد اثرت فى المغرب العربى بصفة اعمق بكثير وان النزعة الغربية قد تغلغلت فيه حتى بلغت خفايا النفوس بينما لانجد للغرب فى المشرق تأثيرا الا فى بعض الاقليات " الاجتماعية " او الدينية ولم يؤثر تأثيرا عميقا داخليا فى رجل الشارع المسلم لا فى بغداد ولا فى حلب ولا فى دمشق ولا فى القاهرة .

والأمر عكس ذلك بالمغرب العربى وخاصة وخاصة بالجزائر . ولهذا السبب لم اشعر بالقدرة على بسط الروابط وبسط الفوارق فى نفس الوقت . ويجب على تاليف كتاب جديد لتحليلها .

ماسينيون : ومشكل الطلبة . انه مشكل التعليم . اذكر انى رأيت بمدرسة الترشيح ببوزيعة المشرفة على مدينة الجزائر امكانية للتصالح فى شكل لائكى محض فيه الاحترام المتبادل الكامل . لقد كانا معا ، المسلم بجانب المسيحى فى نفس الغرفة . وهو المثال الوحيد المعروف للتالف والتعايش ونتيجته كانت امرا طبيعيا الى حدما . فلماذا وقعت خيانة ذلك ؟ ولماذا اصبحت الماصونية متحالفة مع المعمرين بعد ان كانت فى اول الامر تريد تركيز المساواة ؟ هنا مشاكل عديدة واسباب ذلك اسباب مادية واسباب مالية فى الغالب ، اسباب سافلة . ولهذا السبب نفسه كان دور الكنيسة الكاتوليكية ودور البروتستان تعسا حقيرا .

بارك : وبمقتضى التطور الطبيعى للحكم الاستعمارى الذى ينقلب عمله وحتى نجاحه ضده ونجد الدليل على ذلك فى المشكلة الجزائرية فى منطق لا يمكن دحضه - فلم يكن شعب من الشعوب العربية عجن وحطم وبعث من طرف الغرب مثلما وقع للشعب الجزائرى ولم يقم شعب منها ضد الغرب بالكفاح الذى يقوم به هذا الشعب .

وقد اهتممت بحق يا سيدى بمشكل التعليم . فالتعليم ليس تلقين العلم انما هو " عملية تثقيف " ومن هنا تتضح اهميته الكبرى والمجهود المعتبر الذى يقوم به المربون العرب كطه حسين اخيرا فى ميدان اللغات الاجنبية واريد فقط ان اذكرك بان مربين عربا آخرين قد قاموا بذلك قبله ،

انظر مثلا مدرسة اللغات الاجنبية بالقاهرة ، الم يؤسسها الطهطاوى ؟ وعلى كل فقد اهتم بها على باشا مبارك وغيره ايضا . ونلمس هنا هذه النزعة للشمول عند العرب التى قد تكون خاصيتهم بين الساميين والتى تجعلهم ، رغ شعورهم بانفسهم وغيرتهم عليها ، متفتحين الى الخارج ، مثلما ان زخارفهم - كما كنت بينته فى مقالك الذى كان الاول فى بابه " ( فى سنة 1923 ) - تتفتح وتنفر من الاشكال المنغلقة . وأحد هذه الاشكال الاكثر انتشارا هو ذلك النجم المخمس الذى يرمز الى تفتح عالم نخطئ كثيرا عندما نرميه بالتعصب

ماسينيون : ان لهم احتراما كبيرا ازاء الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية . وقد جاء في القرآن ما معناه : اطلبوا من النصارى او من اليهود ان يشرحوا لكم كذا او كذا . وذلك هو تفكيرهم الحقيقى . فهناك نوع من الاحترام الدينى للمعلم المسيحى او اليهودى ثم ان المؤسف حقا هو اننا جعلنا من هذا التعطش شيئا حقيرا خادعا (6)

بارك : انى اعود الى ما قلته منذ حين فيما يخص مسؤولية بلادنا التى تمثل فى نظر العرب الغرب الحقيقى وربما تمثل الثقافة الحقيقية . فاذا ما تنكر للثقافة امامهم فانه يجرهم الى فوضى يشعرون باقترابها . ان اليأس يزحف ولنا قسط فى مسؤولية هذا اليأس .

ماسينيون : نعم ، ان اصل هذا المشكل هو بالضبط ما تقوم به مصالح الجيش المختصة بعلم النفس . ويحاول بعضهم الآن تحسين ذلك رغم ان المبدأ ما يزال محلاللريبة . وسوف نصل - لاقدر الله - الى يوم يكون فيه قسط كبير من ميزانية التعليم بالجزائر مخصصا لما يسمى بالعلوم الانسانية ، والتى ليست من الانسانية فى شىء ، بل هى محاولة جعل عدد من البؤساء المحشورين والمسجونين والمشبوه فى أمرهم تحت رحمتنا بواسطة اختبارات ( رورشاخ ) و ( موراى ) وبواسطة التلفزة والاذاعة هؤلاء المساكين الذين لاقدرة لهم حتى على استرجاع روحهم - اذا ما بقيت لهم روح - والذين هم مضطرون الى صنع روح لانفسهم طبقا لماتتطلبه صناعة " العمل البسيكولوجى "

بارك : وبصفة اخرى فاننا نريد ان نكيف بشرا ونحن معرضون عن القوى الباطنية لتطورهم . ولهذا لانجد فرقا جوهريا كبيرا بين مواقف ومواقفك ، هذا اذا سمحت لنفسى ب . . . .

ماسينيون : نحن الاثنين ندرس ب " الكوليج دى فرانس " وهذا كاف . وانى اتذكر اولئك الطلبة الذين زرتهم بزنزانتهم فى " بوجان " وقد قالوا لى : " نحن مسرورون ان يزورنا استاذ من " الكوليج دى فرانس "

بارك : ان آخر جملة من كتابى (7) قد عدها بعض النقاد كانها قطيعة بينى وبينك انت تعرف أنى بالنسبة اليك فى " حالة توتر (8) " مثل التوتر

السائد بين ميدان القدسية وبين ميدان التاريخ عند اصدقائنا العرب . وتعويض ابراهيم بهيراكليت كبطل مشترك بيننا وبين العرب هو كفران وهذا ما اعترف به . لكن هذا الكفران لاينكر اية قيمة من القيم . فهو يقاوم بعضها ، وينشئ أخرى . وانى ابحث عما يجمع بيننا وبين العرب لا فى هذه الشهادة السامية التى حدثتنا عنها لكن فى رسالة يونانية شرقية . وانى افكر فى هذا البحر المتوسط الآسيوى القديم ورمزه - حسب رأيى - " هيراكليت " هذا الذى نجد عنده آراء عجيبة سبق بها عصره .

ماسينيون : لكن يا صديقى اننا نتجاوز البحر المتوسط فى حديثنا عن العرب ، هذا ما شاهدناه دائما وما شاهدته الحروب الصليبية . اننا نصل حتى الى الصين مع ثنائيتهم المعدنية فى نقدهم . وهناك حديث مشهور يقول : اطلب العلم ولو فى الصين . وانت تعلم أن المغرب العربى يبحث عن شئ آخر غير العلم وذلك حتى فى الصين لان مشكل الاسلام هى رسالة ترمى الى الشمول .

بارك : هذا جد صحيح .

هاسينبون : ان دور الاسلام العربى فى الهند كان دورا فيه شمول بلغ غاية فى الروعة ، وانى اتذكر فى " بنعراس " صومعة " اورنغزاب " الصغيرة المنعزلة ينطلق منها الآذان مهيمنا على غاية من المعابد الموقوفة على خدمة قيم الانسان الحسية سواء كانت رائعة او مهولة . فكان ذلك كأنه شهادة مجردة للعالم الآخر

بارك : لكن مع اقتراب نوعى من الشمول . وان اتيح لى تعريف العرب فاني اعرفهم مستندا على هذا التوتر القائم بين توقهم الى الشمول وبين عريق ما يختصون به فى محاولتهم . واذا هم ارادوا مسايرة الحضارة الصناعية فى ايامنا هذه فانهم يرومون غير شاعرين المحافظة على هذا التوتر نفسه مع الانسجام اكثر ما يمكن وانا اعترف - والحوادث تعين على ذلك - ان هذه النوعية المطلوبة سيجدونها فى هذا التوتر الجدلى ولعل فرط انسجامهم مع العالم العصرى هو الذى سيكون الذروة فى ثورتهم ضد العالم او عمالقته وهذا خطير جدا ، لكنني اتمنى لهم ان يتغلبوا على هذا التناقض ان نحن ساعدناهم على ذلك .

هاسينيون : اظن ان بارك هو اكثر اتصالا منى بالواقع وبالناس الذين يصنعون التاريخ وانه ينظر من بعيد ويعتبرنى فى المؤخرة نوعا ما رغم محاولته . . .

بارك : معاذ الله فأنت يا سيدى ، لست فى المؤخرة . انك دائما فى

المقدمة . لكن يمكن ان يكون العرب الذين احببتهم ليسوا هم الذين القاهم انا الآن واحبهم . فانى لم اتصل بفيصل الاول لكنى عرفته عن طريقك وعن طريق " لورانس " غير انى عرفت عددا كبيرا من نخبة العرب المفكرة واكثرهم ماركسيون ؛ وقد احببتهم وبديهى ان يتغير تعريفى للعرب نتيجة لذلك .

ماسينيون : هذا صحيح وانى اعتقد ان من واجب فرنسا الآن الانكباب على المشكل العربى فى احترام اخوى بليغ لان للعرب قيما انسانية فريدة فقدناها نحن وكانت ملكا لنا : من ذلك تراث ابراهيم ، والوفاء ، وحق الاستجارة .

فالزعم بان العرب لا قدرة لهم على القيام بواجب الضيافة نحو المعمرين الفرنسيين حتى - المعمرين الفرنسيين - بينما حق الالتجاء عندهم مقدس والزعم بأنهم غير قادرين على الوفاء بالعهد بينما نحن الذين اخلفنا الوعد فى قسوة بالغة بظلمنا المتكرر الذى لاخطر تحته بالنسبة الينا وهو امر يزيد فى فضيحتنا كل هذا يجعلنا حقيقة لا نجد اعتراضا حاسما .

بارك : لا نجد اى اعتراض واظن ان الخصال التى تنسبها بحق الى العرب هى تراث خلفه شعور بالاكتمال فقدوه . وهذا الاكتمال يحن اليه الآن كل الناس عربا كانوا او غير عرب . فلنعمل فيما يتعلق بنا على المساهمة فى بعث هذا الاكتمال بقطع النظر عن الفتن التى قامت بين الاخ وأخيه فى العصر الحديدى                                                 انتهى

اشترك في نشرتنا البريدية