دار المعارف بمصر
الاصل ، أصله " انكليون " - أى البشارة والتعليم - وأفاض المؤلف في شرح حقيقة التوراة والانجيل ، في نظر باحثين مختلفين وآثارهما في معرفة التاريخ واحقية ما دون فيهما وعدمها وحقيقة ما تناولهما من التحريف وعدة نسخهما واختلافها موضوعا وشكلا وعرض اقوال الباحثين في ذلك قديما وحديثا . وبخاصة " التلمود ونوه بالفرق الواضح بين القرآن والتوراة والانجيل في التدوين وثبوت النصوص . فنصوص القرآن دونها كتاب الوحي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وجمع بعد وفاة النبي في عهد أبي بكر . والتوراة لم تجمع الا بعد قرون من وفاة موسى عليه السلام . والقرآن دون حرفيا وبجماع حفاظه الذين حفظوه في حياة الرسول مباشرة كما نزل . والتوراة لم تدون حرفيا ولم تدون في عصر موسى ولا في الاجيال القريبة عنه . والقرآن دون باللغة العربية الفصحى وحدها حتى الآن بخلاف التوراة فانها دونت بعدة لغات اختلط فيها المتن بالشرح وقد دلت الآثار المكتشفة حديثا على صدق القرآن في اخباره عن الامم الخالية .
واحصي لنا المؤلف اسماء الاسفار في العهد القديم والجديد معا .
وفي بحث : " المؤلفون في التاريخ قبل الميلاد وبعده قدم لنا نظرية رجحت لديه وهي ان الجزيرة هي مهد التدوين ، كما قدم لنا مصادر التاريخ الاقدم من القديم ، ومصادر قدامى المؤرخين الذين تكلموا عن العرب ، وحقيقة المصادر التى رجع اليها العرب فيما كتبوه عن تاريخ اليهودية والمسيحية القديم ، وهو بحث مهم . وآورد لنا في هذا الفصل شاهدا على تزييف اليهود للتاريخ : لقد قال " جوني ويلسن " في مؤلفه " الحضارة المصرية - ) وهذه قصة مفرضة - لان يوسف - يهودى مؤرخ - كان يريد ان يثبت أن الهكسوس هم بنو اسرائيل ( ص ١٢٣
وهناك فصل عقده المؤلف للأساطير والشعر في العصر الجاهلى ، وهو فصل مكتظ بالمعلومات الدسمة وفي بحث بعده نوه لنا بصلة الشعر الجاهلي بالتاريخ ، مما كان سببا لاهتمام المفسرين والمحدثين به . وللمؤلف في هذا البحث استطرادات مفيدة
وفي فصل بعده يقول لنا : " من المدينة بدا تدوين التاريخ في العصر الاسلامي ، فهي المدرسة الاولى في الاسلام ويستطرد في فصل تال للسابق الى بحث :
" التدوين والمدونات في صدر الاسلام " وهو من ابحاث الكتاب في الصميم . ويفند بدلائل علمية مرضية ، الرأي المغرض القائل بحرق العرب لمكتبة الاسكندرية ، ويناقش جورجي زيدان في محاولته لدعم هذه النظرية ، مناقشة دقيقة اثمرت اسقاط رأي جورجي زيدان في هذا الميدان وانهياره من اساسه وقد اثبت لنا المؤلف ان هذه اسطورة ذات غرض معين ليس علميا ولا حقا . وفي فصل لاحق اثبت ان الاعتداء على مكتبة الاسكندرية كان قبل الفتح الاسلامي في عهود متفاوتة .
ودلل المؤلف على عدم حرق المسلمين لمكتبة الإسكندرية بما حدث لكتب فارس من قبل الإسكندر ابان احتلاله لديار فارس وأوضح حرص العرب على تراث الاوائل العلمي ونحن من جانبنا نؤيد هذه النظرية العلمية بما أورده ابن النديم في فهرسته عن السجلات المدفونة في أصفهان والتي اكتشفت في النصف الاول من القرن الهجرى الرابع ووجدت رطبة جدا فأمر المختصون بتجفيفها بنشرها في الشمس حتى تزول رطوبتها
وهذا بحث قيم عن السريانية والسريانيين وهما من مصادر التاريخ العربي ايضا . " فهمدارس الرها ، وما حولها أمدت المعارف العربية في علوم الفلسفة والطب والطبيعة والفلك والحساب والكيمياء والجغرافية . .
وناتي الى فصل : المؤرخون العرب ورواياتهم " . وفي هذا الفصل عرض للشعوبية والموالي الرواد وليست الثقافة العربية عالة على الموالي كما يزعم الموسوسون - بكسر الواو الثانية وفتحها - وتاريخ الشعوبية مرتبط بتاريخ العناصر غير العربية في الهلال الخصيب .
وفي فصل : " مسالك رواد التاريخ ومناهجهم " تناول المؤلف المواد التاريخية ومنها الأنساب ورحلات جغرافيي العرب والتراجم والتعريب والترجمة وهي كلها روافد للتاريخ العربى موضوع الكتاب .
ونصل ال الفصل العاشر الذي موضوعه : " الاوائل من رواد التفسير والمغازي والأنساب في القرنين الاول والثاني من الهجرة وهنا يسلسل لنا المؤلف الحديث عن المفسرين من كعب الاخبار ، الى هشام بن محمد بن السائب الكلبى المتوفي سنة ٢٠٦ ه وقد اثبت المؤلف ان هشاما هذا كان موضع الثقة في التاريخ ويقول عنه انه " ملأ فراغا كبيرا في الثقافة التاريخية ورجع الى مصادر لها قيمتها في الكتابة عن التاريخ القديم ، وتلقي معارفه من الذين سبقوه الى البحث عن حقائق الماضي وقضاياه " ص ٤٧٩ .
وهكذا اتصف المؤلف هذه الشخصية العربية الاسلامية الرائدة في علم التاريخ العربي . . وقد دعم نظريته حياله بما كنفت عنه البحوث الاثرية حول التاريخ العربي القديم أو التاريخ بصفة عامة شاملة .
ولا بد من العروج على نقاد الشعر الجاهل ورواة ايام العرب ، مثل أبي عمرو بن العلاء ، وحماد الراوية والمفضل الضبي وخلف الاحمر وابي عبيد ومعمر بن المثنى . . فهؤلاء الرواد في رواية الشعر الجاهلي ونقده هم أيضا من أهم مصادر التاريخ العربي . ولذا نرى المؤلف يمحص ويفلي ثقاقتهم ووضع نقداتهم بما فيه الكفاية ، عن الصفحة ٤٨٦ حتى الصفحة ٥٤٤
المؤلفين في التاريخ العربي وذكر مناهجهم في التاريخ وفهرست الموضوعات " الموسوعات " ومؤلفيها ، والمستشرقين والآثار وعلم الجيولوجية وعلم طبقات الأرض " فهذه كلها من مصادر تاريخنا العربي ومن روافده . وكما بدا فصل اوائل المفسرين واصحاب المغازي وكتاب الأنساب بكعب الاحبار بدأ هذا الفصل بالواقدى فابى عمرو الشيباني فالهيثم بن عدى الطائي فنصر بن مزاحم فالاصمعي ، فابن هشام ، فالازوقي ، فالمدائن ، الخ . . ويبدو لى أن الواقدي ، يدخل ايضا في كتاب المغازي كما اقره المؤلف الفاضل ، فله في المغازي " تاريخ الغازى " وهو وحده الذي حفظ كيانه بوضعه الاصلى " ص ٥٦١
وكان مسك ختام الكتاب فصل : " نهاية المطاف " وفيه أوضح أن الجمع بين الاستيعاب والايجاز يكلف كثيرا . وقد حاول جهده أن يجمع بين الاستيعاب والإيجاز ليقدم صورة مصغرة واضحة لكل مرحلة من مراحل التاريخ فكلفه ذلك جهدا كبيرا ، ولعل بعض ما جاء في ذلك لا يخلو من تفريط أو تكرار يراه ضروريا للاستيعاب وقد يراه القارئ من لزوم ما لا يلزم . وقل مثل ذلك في مناقشة الآراء ، وهي لا تخبر من احراج للكاتب فيها بالنسبة لموضوع النصوص ، ومكانة بعض من ابدوا آراءهم في قضايا التاريخ ومصادره
وقد اوضح المؤلف انه حرص جدا على اجتناب الشطط في تصحيح ما لا بد من تصحيحه ، وفي التشبث بما يرى التشبث به ضروريا .
وهكذا يمفي بنا المؤلف في تبيان المنهج الوسط الذي حاول اختطاطه لنفسه في كتابه هذا طلبا للحقيقة ان تقتنص من آية ناحية امكن التناصها .
زين الكتاب بخريطة ملونة للجزيرة العربية في القرن الهجرى الاول - السابع الميلادي - واختتم بفهارس عامة للاعلام والاماكن العامة ففهرس الموضوعات فتصحيح بعض الاغلاط المطبعية .
هذا ومن ابرز ميزات الكتاب الجديدة كما نورد في التعريف به : مقابلة النصوص القديمة بالتحديثات

