يسعدنى ) * ) ان افتتح اجتماعكم بمعية زميلى وزير التهذيب الوطني بجمهورية موريطيا الاسلامية الشقيقة . وقد حرصت على دعوته هو والوفد المرافق له لان فى حضوره معنا دلالة اخرى على ما تعلقه الحكومات العربية على مجلسكم من آمال . وارحب بكم جميعا باسم الحكومة التونسية وباسم الجامعة النونسية ، وأخص بالذكر أمينكم العام الدكتور الشاوى . ونحن في تونس معتزون ومبتهجون باستقبالكم ونعتبر هذا الاجتماع حلقة من سلسلة اعمال علمية وثقافية نود ان تتواصل لخدمة العلم والنهوض بالبحث العلمي في مختلف انحاء الامة العربية
ان اتحادكم الذى بعث منذ سنة 1975 ، يسد ثغرة لانه يجمع بين اكاديميات وكليات وجامعات عربية ويستهدف عدة اغراض ويستجيب لرغبة سامية ذكر منذ حين الدكتور الشاوى أهمها ولا فائدة فى الرجوع اليها وكل ما يمكن أن أضيفه بكل ايجاز هو ان الامة العربية فى منعرجها التاريخى اليوم ، هي احوج ما تكون الى التكوين العلمي والى تخريج افواج من العلماء والاخصائيين والى نشر الروح العلمية . وليس فى ذلك تقليد للغير بل رجوع الى الاصل .
فالعرب والمسلمون كانوا يملكون زمام العلم وبعد ان اقبلوا على التراث اليونانى والفارسى والهندى ، اى اقبال ، وهضموه ، وفقوا الى الخلق والابداع
وتقدموا بالعلوم الصحيحة والعلوم الانسانية تقدما كبيرا وبلغوا فيه شأوا عظيما واناروا العالم بعلمهم أية إنارة . وان أوربا لتعترف اليوم بأنها مدينة للعرب ولجامعاتنا من فاس الى القيروان ومن تونس الى القاهرة وبغداد ودمشق بحيث ان الدعوة الى العلم والاقبال على نشر الثقافة العلمية فى الجامعات وفي مستوى الشعوب هى فى الحقيقة مظهر من مظاهر اصالتنا ، بل استطيع الجزم بأن العرب توقفت مسيرتهم وران عليهم الانحطاط شيئا فشيئا من يوم ان اخلدوا الى الراحة واكتفوا باستهلاك العلم عوض انتاجه واوصدوا باب الاجتهاد وازوروا عن المناهج العلمية فى تفكيرهم واعمالهم ، ومن يومها - - واعتبر من الشجاعة الادبية ان يذكر بالامر بعضنا البعض - لم يتردد بعض المتعصبين والمتزمتين فى نسف اركان الحضارة فاضطهدوا العلماء وأحرقوا الكتب ودخل بعضهم في متاهات الغيبيات وانحدروا الى مستوى العقلية الخرافية هذا ما يفيدنا به التاريخ . ومن الصدق والاخلاص أن نعرف الاطوار التى مرت بها الامة العربية الاسلامية فى مراحل عزتها وانحطاطها حتى نتعظ ونضع نهضتنا فى مدارها الصحيح ونجتنب كل العوامل السلبية التى تسببت فيما عرفته الامة العربية من انغلاق مدة خمسة قرون على الاقل كانت نهايتها الطبيعية الاستعمار ، والامبريالية والغزو الثقافي وتسمم الافكار . ومن ادهى مظاهر هذا التسميم فى مستوى الفكر والحضارة وظهور مركبات العجز والنقص والاعتقاد باننا جعلنا لنستهلك ولنمد ايدينا الى الغير ، وانه مهما فعلنا وبذلنا من مجهودات فلن نتدارك نخلفنا ولن نلتحق بركب الحضارة العصرية . وهذا هو عين الغبن والخطر على مستقبلنا !
ولهذا يجب قبل النظر فى التجهيزات وفى الهياكل وفى المراجع وفي الاعمال الفنية ان نربح المعركة فى مستوى الذهن والنفس ، وان نفهم هذه النظرة العلمية على انها رجوع الى الطريق الصواب المستقيم الذي زاغ عنه بعض اجدادنا سامحهم الله وغفر لهم ، والذى قادنا الى ما نحن فيه او الى ما كنا فيه منذ مطلع القرن العشرين من تبعية لا ادارية وعسكرية واقتصادية وسياسية فحسب بل تبعية حضارية . بحيث ان الثقة فى النفس والاعتماد على الذات والايمان بان العقل العربى فى امكانه ان يختصر المراحل للحاق بركب الحضارة واعتبار ان العقلية العلمية هى الكفيلة ببلوغ هذه الاهداف كل ذلك هو الاساس ويأتى فى المقام الاول قبل اى اعتبار آخر . وقبل النظر فى الهياكل والتجهيزات والامكانيات المالية فاذا آمنا بأنفسنا وكانت لنا الهمة العلمية العالية وصح منها العزم أصبح كل شئ سهلا ميسورا . ثم ان
الاتحاد والتكاتف وضم جهود بعضنا الى بعض والتنسيق بين أعمالكم واعمال " الكسو " العربية واتحاد الجامعات العربية و " كاستعرب " وغيرها من الهياكل الموجودة . من شأنه ان يساهم فى ربح المعركة وبلوغ الغاية التى لن نبلغها فى عام أو فى عامين بل نحن نفكر فى مستوى التاريخ والمصير ونعتبر ان أجيالا وأجيالا ستساهم فى هذه النهضة الحضارية الجبارة . لكن نحن مضطرون فى الوقت الحاضر الى اتخاذ اجراءات عملية وشاملة ، للسير نحو هذه الغاية
ومن الضرورى كذلك ، إذا سمحتم لى أن أساهم مساهمة شخصية فى هذا الملتقى ، مراجعة مناهج التعليم فى كل الاقطار العربية حتى يركز هذا التعليم على التفكير العلمى ، لا فقط بالاكثار من الشعب العلمية والتقنية ، فهذا شئ ضرورى يجرى به العمل ، بل كذلك بالنسبة الى الشعب الادبية اذ لا بد من حد أدنى من التكوين العلمى من رياضيات وفيزياء وكيمياء وعلم حياة يتمتع به كل الشباب مهما كانت شعبهم واختصاصاتهم
ونخطئ كثيرا اذا نحن سرنا فى منهاج تربوى يقسم الشباب الى قسمين : قسم يدعى أدبيا وقسم يدعى علميا لان الانسان يضيق بهذه التقسيمات الاصطناعية " فالادباء " اى التلاميذ والطلبة المرسمون فى الشعب الادبية يحتاجون حتى ينجحوا لا في الحياة العادية فحسب بل في تكوينهم الادبى وارهاف حسهم وخيالهم ، الى تكوين علمي لان المقال الفلسفى او الادبى ليس مجرد شعر او تشاعر او رصف انطباعات ومحسنات بديعية وجناس وطباق . ان المقال الفلسفي او الادبي هو بناء عقلي فيه مقدمة وعناصر وخاتمة يجب ان تكون كلها مربوطة بعضها ببعض ، مخيطة بعضها فى بعض بخيوط علمية منطقية . فكل فكرة تنتج عن فكرة سبقتها وتفسح المجال الى فكرة تنجر عنها والا كان هذا الادب هذيانا وكذلك التلاميذ فى الشعب العلمية فلا بد لهم من تكوين أدبي أدنى حتى يجمعوا بين ما يسميه " باسكال " الروح العلمية او الروح الهندسية esprlt d Gometrle 'l والحس الادبى L' esprit de Finesse الذي يعطى الحياة ، حياة العلماء مثل حياة غير العلماء ، النكهة الحياتية التى من دونها لا حياة ولا منطق و لاحدس بحيث يجب أن تأخذ مناهجنا التربوية حظها من العلوم الصحيحة من دون ان تهمل الناحية الادبية فيستطيع العالم أن يحرر تحريرا صحيحا ، وجميلا ويكون الاديب ولو رنا الى السماء وتأمل النجوم عائشا فى الواقع منضبطا بالعمل والمنطق مؤمنا بأنه لا امكان للسيطرة على الواقع من دون معرفة لنواميسه
ونحن فى تونس نحاول ان نسير فى هذا الاتجاه ، بكل تواضع . ففي هذه السنة نلاحظ أن ثلثي المترشحين لللباكالوريا ينتسبون الى الشعب العلمية رياضيات ، علوم ، تقنية . أما فى نطاق التعليم العالي فان التوسع لا يزال متواصلا منذ عام 73/72 خاصة بالنسبة الى العلوم والهندسة والطب والصيدلة . فقد تم فى السنوات الاخيرة بناء كليتى العلوم فى المنستير وصفاقس ، وكلية الهندسة بقابس ، وكليتى الطب فى سوسة وصفاقس وكلية الصيدلة وطب الاسنان فى المنستير والمدرسة العليا للبيطرة بسبدى ثابت ، كما شيدت مجموعة كبيرة أخرى من المعاهد العلمية والفلاحية والتقنية وهذا من شأنه فى اعتقادنا ان يمكن الشعب التونسى وهو جزء لا يتجزأ من الامة العربية من ان يتحمل مسؤولياته ويقوم بواجبه ليخلق الاجيال العلمية والمتكونة تكوينا صحيحا ، والقادرة على السيطرة على الواقع والتأثير فيه وعلى الخلق والابداع
وملاحظة اخرى أسمح لنفسى بان أعبر عنها بكل ايجاز تتعلق بالتعاون بين مختلف المعاهد العلمية فى كافة البلدان العربية . هناك مجهودات مباركة فى هذا البلد او فى ذاك نذكرها فنحمد الله عليها ومنها ما ذكره الدكتور الشاوى منذ حين ولكنى اعتقد أن هناك اعمالا أخرى كبيرة لا بد منها لنبلغ غايتنا بأقل التكاليف ومن اقصر والسبل . وأعترف أن مجهودات السادة العمداء ورؤساء الجامعات وان كانت ضرورية وانا شخصيا أباركها واشجع عليها وأساهم فيها بقدر الامكان ، لا تستطيع أن تبلغ كمالها الا اذا وجدت فى مستوى الحكومات العربية عزيمة سياسية لدعمها
وأقولها بكل صراحة ، ان هذه العزيمة السياسية فى مستوى توحيد المناهج التربوية وفي مستوى تنسيق الجهود فى ميدان البحث العلمى والانتاج الفكرى وفى مستوى التجهيزات العلمية ، مشوشة بعزيمة سياسية من نوع آخر أى انها معطلة الى حد ما بسبب الخلافات القائمة بين رؤساء الدول والحكومات العربية فكأن التعاون الثقافي والتربوى او الاقتصادى لا سبيل اليه قبل تجسيم الوحدة او توحيد المواقف تجاه قضايا سياسية معينة والخلاف الناجم عن هذه القضايا يزيد الطين بلة ويعمق الشقاق فيتوارى التعاون التربوى الذى هو لبنة أساسية فى بناء الوحدة العربية الحق وهكذا يكون الدور والتسلسل .
ان توحيد المناهج التربوية الذى لا أزال أومن به كضرورة حتمية وكسبيل موصل الى غاياتنا القومية السامية وهو ما ناديت به خاصة فى اجتماع وزراء
التربية العرب المنعقد فى نوفمبر 1977 بأبو ظبي واقترحت علنا وجوب دعوة قمة عربية لهذا الغرض ، ان توحيد المناهج التربوية هو الكفيل على المدى الطويل بخلق اجيال عربية تتكلم لغة واحدة بكل ما تعنى وحدة الكلمة . فاذا ما تكلم الشباب العربى لغة واحدة وكان متجانسا فى وجدانه وتفكيره وفى كيفية طرقه للمواضيع فالبقية تأتي مع الزمن
أما إذا أردنا أن نفرض بعض الافكار من فوق فاننا نلاحظ طبعا احترازات والتباسات لا لشئ الا لان المقولات Les Categories Mentales والعادات والآراء وردود الفعل النفسية ، تختلف من جهة الى جهة وربما نجد حتى فى قطر عربي واحد مدارس فكرية وايديولوجية كثيرة ، وانما سبب ذلك التكوين الثقافى المتنوع ومخلفات الاستعمار . فمنا من تكون فى بلد اوربى غربي ومنا من تكون فى بلد اروبي شيوعي بحيث نجد فى القطر الواحد فسيفساء من العقليات وانماطا من التكوين . فان نتكلم لغة واحدة فى اقطارنا وان نتكلم لغة واحدة فى مستوى الامة العربية أمر لن يكون الا بتوحيد - أو السير نحو توحيد - المناهج التربوية فى العالم العربى . ونحن فى مستوى المغرب العربى الكبير - وهذا مثال لابين لكم صعوبة الموضوع وما يقتضيه من طول نفس ، ويفسر كيف أن بعض السياسيين يستنكفون من هذه الطريقة لانها لا تؤتى اكلها الا بعد أن يحالوا على التقاعد أو يزاحوا عن الحكم ..ويريدون النتيجة الحينية السريعة ما داموا متربعين على كراسى النفوذ - فى مستوى المغرب العربى الكبير اذن ، شرعنا منذ عام 1966 فى وضع رصيد لغوى وبعد 12 سنة انتهينا الى وضع حوالى 8 آلاف كلمة تستعمل فى معنى واحد من تونس الى المغرب الاقصى . وقررنا بالنسبة الى السنوات الثلاث الاولى من التعليم الابتدائى ، الا يستعمل مؤلفو الكتب المدرسية الا الكلمات الموجودة فى الرصيد اللغوي . والان يتواصل العمل بالنسبة الى السنة الرابعة . وهو عمل بطئ يشبه خياطة " بينيلوب " بل هو اشبه شئ بعمل النمل ، انه غير تظاهرى لا يحتاج الى خطب ولا الى بيانات حماسية ، هو عمل يقوم به أهل الذكر ، من العلماء الصالحين فى وطننا العربى . فلو قررنا فى المستوى السياسى ، فى لحظة صحو حضارى ووعى اخلاقي ، ان نوحد المناهج العربية بكل حزم وعزم فى الابتدائى ثم الثانوى ثم العالي ، فانا متيقن من ان الامة العربية ستتكلم بعد جيل او جيلين على الاكثر لغة واحدة فيما بين افرادها وازاء العالم الخارجي ومن سار على الدرب وصل .
وانتم معشر العلماء والاساتذة الجامعيين تتحملون مسؤولية كبيرة فى هذا المقام ذلك انه فى مقدوركم ومن واجبكم ريثما تتجسم هذه الارادة السياسية ان تتعارفوا وان تتحدوا وان تسعوا الى ان يتكلم طلبتكم وتلاميذكم ومديروكم لغة واحدة وبذلك تساهمون فى بلوغ هذه الغاية . واقول بكل تواضع " حتى تتعارفوا " فأحيانا مجرد التعارف غير موجود فهناك مئات من الاساتذة لا يعرفون ما هو موجود فى اقطار عربية اخرى من انجازات ومعالم نهضة ومن مناهج ومجهودات متواصلة وهذا أمر مشترك فلا أعيب ذلك على جهة من الجهات فكلنا فى الجهل سواء . فمن واجبنا نحن المسؤولين أن نعينكم على هذا التزاور والتعارف والتعاون .
وفي هذا الصدد لا اخفيكم انى صدمت فى الايام الاخيرة عند مطالعة دراسة موضوعية لمناهج التاريخ فى كافة البلاد العربية بشدة التنوع وعمق الاختلاف وقلت فى نفسى من هنا يجب أن نبدأ إذا كنا جادين فى توحيد الأمة العربية
أما الملاحظة التالية فتتعلق بالمناخ النفسانى والسياسى الضرورى لتينع شجرة العلم فى التربة العربية ويشعر رجال العلم بالاستقرار ويتمكنوا من الخلق والابداع
نحن فى العالم العربى نقاسي ما يقاسى منه العالم الثالث من هجرة الادمغة . ويجب ان اقولها بصراحة اذ لا اكره شيئا كما اكره الكلام الاجوف وتبادل الكلام العام الذى لا يتعدى المجاملات بل اعتقد ان الاخلاص لقضايانا القومية يقتضى الصراحة والجهد المتواصل العلاج امراضنا وتجاوز مشكلاتنا .
ويجب علينا نحن العلماء والمسؤولين الا نخشى النظر الى الواقع ، نعم يشكو العالم العربى اليوم اليوم نزيفا لا دمويا بل دماغيا ان صح التعبير . هناك آلاف وآلاف العلماء العرب يؤثرون الهجرة الى الغرب او البقاء فى البلدان المتقدمة عند إنهاء دراستهم . وبالنسبة الى الطب فقط اعطيكم رقما استقيته من نشرية رسمية صدرت عن المنظمة الدولية للصحة .O.M.S منذ عامين او ثلاثة : إنه يوجد فى البلدان المتقدمة اليوم حوالى 140000 طبيب أصيلى العالم الثالث ) منهم 70.000 في الولايات المتحدة وحدها ( كونتهم وانفقت على دراستهم بلدانهم الاصلية
أى ان شعوب الهند وباكستان وايران وافريقيا والشعوب العربية كونوا 140000طبيبا يشتغلون اليوم فى العالم المتقدم بينما بلدانهم تحتاج اليهم بل تتعاقد مع الاطباء الاجانب لتعويضهم فتصوروا الخسارة الاقتصادية والنزيف العلمي المريع . فلماذا لا يرجع الاطباء الى بلدانهم ؟ لماذا لا يرجع علماء الفيزياء والذرة وعلماء الحياة الى بلدانهم ؟ انه مشكل لا بد من درسه . وانا اقول ان هناك اسبابا كثيرة منها عدم التشجيع بالنسبة الى التجهيزات ومنها المناخ غير السليم الذى يوجد فى بعض الجامعات وفى بعض البلدان لان العالم يحتاج الى حد أدنى من الاطمئنان والاستقرار والحاجة الى الاتصال والحوار والحرية ، ومطالعة كل المجلات والاتصال بالمراجع ولو اتت من بلاد يعتبرها النظام السياسى القائم بلاد الشيطان
إن فى ميدان العلم معطيات لا بد للعالم ان يعرفها وان يطلع عليها فى الابان وان تكون له بنوك للمعلومات عن طريق الاعلامية I' Informatique إذ يمكن للانسان اليوم خاصة فى الدول المتقدمة ان يضغط على زر ليعرف آخر ما نشر من المقالات وآخر ما طبع من الكتب فى أية شعبة من شعب العلم والمعرفة ونظرا الى ان هذه التسهيلات مفقودة فى بعض البلدان ينجذب العالم نحو البلدان المتقدمة فالقوى يجذب القوى والعالم ينجذب ليعمل فى مخبر مشهور أو ضمن جماعة يشعر فيها بانه فى جوه ويخشى ان هو رجع الى بلاده ان ينقطع السند كما يقول ابن خلدون واذن وجب ان نشجع العلماء والمفكرين وان نبنى لهم المخابر والمعاهد ومراكز البحث وان نزودها باحدث التجهيزات لكن هذا لا يكفى اذ لا بد من الحرية ومن مناخ نفسي يبعث على الاطمئنان
هذا طبعا اذا كنا جادين فى بلوغ الاهداف وجادين فى ان نسعى الى ان تصبح الامة العربية تنتج وتكتشف وتخلق مثل الامم الراقية ، وتربط الصلة مع الاجداد الذين كانوا خلاقين وايجابيين لكننى اخشى ان نرصد الكثير من الاعتمادات ونضحى بالكثير من المجهودات لنكون الاطارات والاخصائيين ، والعالم المتقدم يستفيد وحده من تمويلاتنا ومن كفاءاتنا والانكى من كل ذلك انه يقال : إن الاغنياء يعينون المتخلفين وهذا خطأ لاننا - فى هذا الميدان على الاقل - نحن الدين نعين العالم المتقدم بادمغتنا وبرجالنا . وهناك مفارقة او استلاب آخر يتمثلان فى ان تكوين بعض خبرائنا وعلمائنا ولا أقول كلهم ، تكوينا نعتقد انه " علمي لا يخلو من تلوث خطير يجعلهم نابعين للغير ، يتنفسون بهواء الغير فعندما يرجعون الى اوطانهم ويتواضعون ويقبلون العمل فى جامعاتنا
واداراتنا يفكرون تفكيرا اجنبيا ، لصالح الاجنبى ويختارون مراضيع بحث هامة فى حد ذاتها لكن لا تخدم بالضرورة اقتصاد بلداننا ولا مصالحنا
لنأخذ مثالا بسيطا يتعلق بالبحوث حول الزيتون وزيت الزيتون فى تونس وهو من أهم مواردها . فالبحث العلمى متأخر ومتواضع فى هذا الميدان . لماذا لان قضية الزيت والزيتون فى فرنسا او فى المانيا او فى أمريكا قضية ثانوية ومن دون أن ندخل فى جدل عقيم حول البحث الاساسى والبحث التطبيقى وايهما أجدر بالاولوية ، نحن نقول : لا بد من التفاعل مع الواقع واعتبار معطياته ، وعندما يرجع العالم الى بلاده ، عليه ان يقوم بنوع من الثورة الثقافية بحيث يتخلص مما علق به ويتحسس الى حاجات قومه ويتعرف الى معطيات بلاده ويطبق تفكيره العلمي ومناهجه العصرية على تلك المعطيات القومية حتى يفيد امته ويساهم فى النهضة باقتصادها ، وبذلك يحترمه بنو جلدته ويحترمه الاجانب فى العالم المتقدم نفسه .
فلنأخذ مثالا ثانيا فى ميدان الطب . ففي العالم الثالث امراض معروفة ومنتشرة انتشارا كبيرا ولكنها لا تجد العناية الحقيقية بها فى مخابر العالم الثالث لماذا ؟ لان عددا كبيرا من اطبائنا الكبار قصروا جهدهم على دراسة بعض الامراض والاعتناء ببعض القضايا التى درسوها فى باريس او فى لوس انجلس او فى برانستون او فى غيرها من عواصم العالم بحيث ان الباحث منهم الذى جاد فضله علينا بالعودة الى بلاده يقتصر على مواصلة البحث فى اهتمامات لا تمت الى بلاده بسبب وفي كثير من الاحيان فانه لا يقدر على الاستقلال عن استاذه وتراه يرضى بمنزلة الخادم Negra الذى يساهم مساهمة جزئية وثانوية فى بحث مستشرق او عالم من امريكا او لندن او انقلترا او فرنسا او المانيا
لهذا فان البحث الذى يساهم فيه بعض علمائنا بهذه المنزلة الوطيئة لا يهمنا كثيرا ولا يحل مشاكلنا من حيث الاولوية لان اهل مكة ادرى بشعابها وكما يقول المثل التونسي : ما من أحد الا وهو ادرى بالمكان الذي يوارى فيه والده ( كل واحد يعرف أين يدفن بوه ( . ونحن فى العالم العربى وفى العالم الثالث بصفة عامة مطالبون بان نحل مشاكلنا بانفسنا ونسيطر على واقعنا بدفع عجلة التقدم والعلم فى بلداننا ولا يكون ذلك الا عندما نتخلص من التبعية العقلية ونتحرر من الاخطبوط الاستعمارى المقيد لاذهاننا والمعرقل لسيرنا وبذلك
نقف على اقدامنا ثابتين رافعي الرأس قادرين على الالتحاف بركب التقدم والعلم .
وليس معنى هذا اننا نأبى التعاون مع الغير لان ذلك حظ الناس جميعا وقسمتهم الكبرى لكن التعاون والالتحام ليس معناهما الذوبان فى الغير عقليا وحضاريا بل هو الانتفاع بتجربة الغير مع الاحتفاظ بالشخصية النوعية
هذه بعض الخواطر عنت لى فى بداية هذا الاجتماع مساهمة منى فى اعمالكم وان لم اكن عالما ولا مختصا مثلكم . ولعل هذه المساهمة الصادرة عن منتسب الى الادب لها وقعها فى نفوسكم وتؤدى دورها اذ العلم محتاج الى هذا الحس الادبى الوجودى الذى ينبع من شعور بالالتزام نحو المجتمع والدفع الى مواصلة الكفاح من اجل ان تكون شعوبنا متحررة آخذة بسهم كبير فى تقدم البشرية بفضل التعاون الحقيقى بين البشر والتكامل بينهم
فعسى ان يتدبر العلماء ورؤساء الجامعات والعمداء والمسؤولون السياسيون كل فى نطاق اختصاصه ومسؤولياته ، هذه المواضيع وان يؤمنوا بان التعاون بين العلماء لا يقل أهمية ولا خطورة على مستقبلهم من الندوات السياسية والاقتصادية والتجارية
وعسى ان تتدبروا هذه المعانى وغيرها من المعانى الوطنية والحضارية التى يضيق اليوم المجال عن ذكرها - حتى تكونوا جنودا تناضلون بافكاركم واقلامكم الى جانب اخوانكم فى كل مكان ، اولائك الذين يناضلون من اجل عزة الامة العربية ومن اجل تصالح البشر بعضهم مع بعض .
وختاما أجدد الشكر لهيئة اتحادكم والى كل المشاركين فى هذه الندوة على تفضلكم باختيار تونس مقرا لها وارجو لكم اقامة طيبة تتمكنون خلالها من معرفة المجهودات المتواضعة التى تبذلها الجمهورية التونسية رغم تواضع امكانياتها المادية للنهوض بالعلم وبرجاله وتوفير سبب من اسباب المناعة والكرامة الحقيقيتين

