الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 1الرجوع إلى "الفكر"

العرب والعلم والرقى الحق

Share

في الوقت الذى أرست فيه المركبتان الفضائيتان الامريكيتان ( فيكينغ 1 وفيكينغ ٢) ، على سطح المريخ بعد ان قطعتا مسافة ثلاثمائة وسبعين مليون كليمتر بسرعة ثلاثين الف ك . فى الساعة ، واخذتا فى ارسال الصور الملونة والمعلومات الدقيقة والمخططة عن خصائص هذا الكوكب ، والبحث عن علامات الحياة فيه ، فيسجل الإنسان بذلك معجزة علمية جديدة ليست أقل خطورة ولا ادنى دلالة من المعجزة التى تحققت سنة 1969 حينما نزل ثلاثة من رواد الفضاء على سطح القمر ، بل تضاهيها فى تعبيرها عن مدى سيطرة الانسان على الطبيعة ، وتذكرنا بالبون الشاسع الذي لا يزال يفصلنا عن الدول المصنعة فى مضمار العلم والسطوة التكنولوجية ، فى هذا الوقت انعقد  بالرباط ، عاصمة المغرب الاقصى الشقيق ، فيما بين 16 و 25 أوت 1976 ، مؤتمر وزراء الدول العربية المسؤولين عن تطبيق العلوم والتكنولوجيا على  التنمية لبحث جملة من المسائل الهامة نذكر من بينها خاصة :

-السياسات العربية العلمية والتكنولوجية : الوضع الحالى وآفاق  المستقبل . - التعاون الاقليمي في البحوث العلمية والتكنولوجية .  - تكوين الطاقات العلمية والتكنولوجية الوطنية .  - دراسة الموارد المائية وادارة شؤون المياه. - ايكولوجيا المناطق القاحلة وشبه القاحلة . - الدراسات الجيولوجية والجيوفيزيائية. - تنمية البيئة البحرية والمناطق الساحلية. - المصادر غير التقليدية للطاقة .

وقد دعت لهذا المؤتمر منظمة اليونسكو الدولية بعد تنظيم مؤتمرات مماثلة على مستوى الوزراء فى أمريكا اللاطينية (سنة 1965) وفي آسيا (1968) وفي اروبا (1970) وفي افريقيا (1974) كما دعت منظمة "الكسو " ، وهي المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم التى يديرها الدكتور محى الدين صابر ، الى اجتماع ضم وزراء الدول العربية المسؤولين عن البحث العلمي ورؤساء المجالس العلمية العليا فى بغداد سنة 1974 ، ويؤمل أن تتوج كل هذه اللقاءات بمؤتمر عالمي لدرس جملة المسائل المتعلقة بالعلوم والتكنولوجيا تنظمه الامم المتحدة فى بحر سنة 1979 .

ذلك انه لم يحصل اجماع بين الافراد والجماعات مثل الاجماع الذي حصل  اليوم حول الدور الحاسم الذي اصبح يلعبه العلم والتقنية والتكنولوجيا فى حياة الامم ، بحيث صار التحكم فيها مفتاح التنمية الاقتصادية ، وأحد شروط الرفاهية الاجتماعية وتوازن العالم والعدل والسلم بين البشر،  وباتت بلدان العالم الثالث - خاصة - مدعوة الى بذل جهد جبار ، وانتهاج سياسة حازمة ومخططة للاخذ بالنصيب الوافر من اكتشافات العلم وامتلاك مستلزمات التكنولوجيا ، والتخفيف بذلك من حدة التفاوت الكبير الذى يفصل بينها وبين الدول المصنعة ، ناهيك ان حوالى 90 فى المائة من الجهود المبذولة في سبيل البحث العلمي والتقنية تختص بها اليوم البلاد المتقدمة، وان معدل الانفاق فى مجال العلم والتكنولوجيا، لكل واحد من المائة مليون عربى ، يتراوح بين دولار ودولارين بينما هو يتراوح في البلدان المصنعة بين 50 و 100 دولار ويصل الى 140 دولار فى الولايات المتحدة ، بالرغم من أن عدد طلاب الجامعات ال 35 الموجودة في الوطن العربي (1) قد ارتفع بين 1965 و 1973 من 300.000 إلى اكثر من 600.000 طالب (2) ويمكن التعبير  عن هذا الواقع المر بمقارنة ما يخصص للبحث العلمي من الدخل القومى الخام

فى الدول المتطورة ( بين 2 % و3 % ) وفي الدول العربية ( من 0.1% الى 0،4 % ).

وبينما نحن لا نجد فى ميزانيات الدول العربية من الاعتمادات المخصصة للبحث العلمي ما تعتبره الاستراتيجية الدولية للتنمية التى حددتها الامم المتحدة في دورتها الخامسة والعشرين (1970) قدرا ادنى ، أى 0،5 % نلاحظ ان هذه الدول العربية تنفق بسخاء اعتمادات مهولة لشراء الاسلحة العصرية وكل " المرافق " الحديثة من سيارات وطائرات وآلات وتجهيزات فنية ، فتقتصر بذلك على استيراد التكنولوجيا ( الجاهزة ) والدرايات والمهارات التقنية المسجلة وبراءات الاختراع السرية في اكثر الحالات ، وربما توهمت بهذا انها دخلت المعاصرة من بابها الكبير بينما تتفاقم تبعيتها للبلاد المتقدمة وتتقلص سيادتها ويستفحل فى اجيالها الصاعدة مركب النقص وعقلية التواكل والتخاذل .

ولا يمكن ان نوقف هذا التيار السلبى الخطير على مستقبل الشعوب النامية الا اذا وعينا منزلتنا وتجلت وطنيتنا وشعورنا بكراهتنا فى ارادة سياسية قوية لا تثنيها الصعاب هى الكفيلة وحدها بمساعدتنا على وضع الاسس الثابتة والمناهج السليمة لخطة تنموية وتربوية كفيلة بايجاد المناخ المناسب للابداع العلمي والتكنولوجي والتصميم على القيام بعمل مشترك  ومنسق على النطاق الجهوى بحيث تحشد الموارد الطبيعية وتتكامل الطاقات البشرية وتنسد الثغرات التى منها يتسلل الينا ويصيبنا فى الصميم تجار التكنولوجيا وزبانية الامبريالية الاقتصادية والسياسية الذين يحسدنا بعضهم على ما من به الله على بعضنا من ثروات طبيعية ويسعون دائما الى " ضرب رؤوس بعضنا برؤوس البعض الآخر " ويضخمون ويبالغون فى تضخيم المتناقضات القائمة بين مصالحنا والحزازات الموروثة عن الماضي السحيق او المتولدة من نزوات وصبيانيات بعض اولى الأمر فينا .

واذا نحن قصرنا بحثنا على واقع العالم العربي وما يعانيه من تبعية علمية وتكنولوجية اشرنا بالارقام فيما سبق الى عمقها ومداها لاحظنا فى نفس الوقت أن المنطقة العربية تضم مساحات شاسعة كفيلة بتوفير امكانيات هائلة لاستغلال الطاقة الشمسية وتنطوى تربتها وباطن أرضها على كميات وافرة من النفط والفسفاط والرواسب المعدنية والمياه الجوفية العذبة ، الى جانب

ثرواتها الفلاحية العظيمة ، البرية منها والبحرية ، ولا يتيسر استثمار كل هذه الامكانيات الا اذا عرفنا كيف نكون اطاراتنا الفنية والعلمية التكوين الصحيح واتفقنا على مشروعات للدراسة والتقسيم فى مجالات الجيولوجيا والجيوفيزيا والإيكولوجيا وعلم التربة والهيدروجيات السطحية والجوفية وعلم المحيطات . . . وغيرها وهذا يقتضى سياسة تعليمية بصيرة تعنى أولا وبالذات بتكوين عشرات الالاف من المهندسين والباحثين والاخصائيين وتربيتهم تربية وطنية أصيلة ملائمة حتى لا ينشأوا على عقلية شبيهة بعقلية الخبراء الأجانب وحتى لا يكون وازعهم الوحيد الاثراء والتمتع بالرفاهية المادية ، كما يتحتم " تشجيع الباحثين بوضع قوانين أساسية تضمن للبحث نجاعته ولرجاله القدر الادنى من الامن المادى والمعنوى حتى يتفرغوا لمباحثهم ويقبلوا عليها فى أوطانهم ولا يستسلموا الى مغريات الهجرة إلى البلدان الإجنة المصنعة (1) ، كما يجب ان نوجد لهم مناخا من الحرية وجوا عاما من التقدير والتبجيل بحيث تتدعم رغبتهم فى المساهمة الفعالة فى مشاريع التنمية ببلدانهم التى كونتهم وتعتز بهم " (2).

وان الذى يجب ان يدعم ثقتنا فى انفسنا ويرفع معنوياتنا ويشد ازرنا هو اننا - نحن العرب المسلمين - لسنا " قطعة حبل جاء بها واد " بل ان لنا تاريخا مجيدا وتقاليد علمية عريقة ، فنحن الذين استطعنا في أول الامر نقل العلوم والمعارف والفلسفة الاغريقية والفارسية والهندية إلى العربية ومنها فى اللاطينية مما اتاح للغرب أن يعيش عصر النهضة ويتطور على النسق المعروف الذي مكنه فيما بعد من السيطرة الشاملة على العالم شرقيه وغربيه .

ثم تمكن العرب المسلمون بعد مرحلة الترجمة والهضم من الاختراع وتطوير المناهج العلمية وسبقوا اروبا فى ذلك بقرون وسطع نجمهم في سماء البشرية دون منازع ولا مزاحم من حوالى سنة 750 الى أواخر 1300 م ، بل كان لعلمهم بقايا اشعاع حتى أواخر القرن الخامس عشر .

فقد وضع الخوارزمي (780-850) الجبر الحديث وحول الارقام الى علاقة بين العناصر واستنبط الصفر والنظام العشرى الذى رفضته أروبا لمدة 250 سنة (حتى القرن الثاني عشر) وعوض البتاني الملقب ب " بطليموس العرب " (858-929) الوتر بالجيب واستخدم الظلال وظلال التمام وادخل رموز النسب المثلثية ، ووضع أبو الوفاء (940-997) طريقة جديدة لتكوين جداول الجيوب وادخل القاطع وقاطع التمام وحدد البيرونى  (973 - 1048) خطوط الطول والعرض وحول الارقام من كميات الى عناصر الدالة ووضع السموءل بن يحيى بن عباس المغربي (القرن الثاني عشر) الكسور العشرية وطور ثابت بن قرة الحراني (826-901) نظرية الإعداد وله ارصاد موفقة واكتشافات فلكية جليلة ونقد نصير الدين الطوسى ( 1201 - 1274) مصادرات وال postulats اقليدس وخاصة مصادرة المتوازيات ونقلت هذه الاعمال الى أوربا واطلع عليها Saccheri الإيطالي Wallis الانقليزى وكانت النواة الاولى للهندسات اللا اقليدية واشتهر أبو العباس أحمد (ابن البناء المراكشي) (1256-1321) بكتابه " تلخيص أعمال الحساب " كما ذاع صيت أبي الحسن على بن محمد القلصادي، البسطى ، الباجى التونسي (1412-1486) بجليل ابحاثه الحسابية ، اما عمر الخيام (1038-1123) المشهور برباعياته ، فقد حاول حل معادلات الدرجة الثالثة بواسطة القطوع المخروطية Secions Conques وهو صاحب " كتاب الجبر والمقابلة " و " الزيج الجلال " Table Astronomique Gelaleenne واسحاق بن عمران الذي دخل القيروان في دولة زيادة الله بن الاغلب وعرف بكتابه فى داء المالنخوليا الذي لم يسبق الى مثله ، وأحمد بن ابراهيم بن أبى خالد المعروف بابن الجزار القيروانى (898-980) صاحب " زاد المسافر " وأمر الخليفة العباسي المأمون (813-833) بقياس الدرجة الجغرافية وتجهيز صورة الكرة الارضية ووضع الفلكيون الفرغاني (813 - 861) والبتاني (900) والبيروني (1030) جداول الطول والعرض الجغرافية ، وكتب المسعودي (913-957) أول موسوعة تاريخية جغرافية، وأدرك الادريسي (1099-1166) ان الارض كروية ورسم خرائط دقيقة ترجمت بروما سنة 1619 وألف الحموى (1179-1229) موسوعة في

الجغرافيا والعلوم ، ويعتبر حنين بن اسحاق (810-877) وابو بكر الرازي (856 - 925) وابن سينا (980-1037) وابن زهر (1091-1161) وابن رشد (1126-1198) وابن الخطيب (1313-1374) وابن ختيمة (1323 - 1369) من أشهر الاطباء العرب وابعدهم اثرا في تقدم البحوث الطبية واعمهم فائدة على تقدم الطب بأوربا التى ظلت تترجم وتدرس كتبهم حتى القرن السابع عشر وبعده ، ويعتبر جابر بن حيان (776- 817) أبا الكيمياء كما لقبه " برتيلو " Berthelot اذ حضر عددا من المواد الكيميائية الجديدة وقام باعمال هامة على المعادن وصناعة الزجاج وادخل اصطلاحات كيميائية جديدة على اللغات الاوروبية ولا ينازع احد اليوم فى ان ابن الهيثم (955 - 1009) هو أول من استخدم الكامرا المظلمة ، كما لعب المسلمون دورا عظيما فى علم النبات واليهم يعزي الاتجاه العلمي في الزراعة واشتهر منهم في هذا الفن خاصة ابن البيطار المتوفى سنة (1248) الذي اعترفت به اوربا في القرن التاسع عشر فقط أكبر علماء القرون الوسطى فى النبات والصيدلة ... وآخر ما طالعناه فى هذا المعنى ما نشرته جريدة " لوموند التربوية" Le Monde de I'Education فى عدد سبتمبر 1976 بعنوان " هل اخترع العرب  الجامعة ؟ " كتبه مستشرقان بريطانيان معاصران جاء فيه بالخصوص "لقد ترك العهد الوسيط للعالم الحديث ثلاث مؤسسات هامة : المستشفى والمرصد والجامعة . ونحن نعلم منذ زمن طويل ان المؤسستين الاولى والثانية صدرنا عن الحضارة العربية . . . ويمكن ان نبين بصورة غير مباشرة ان المؤسسة القروسطية الثالثة أعني الجامعة ، مدينة بوجودها الى حد كبير ، للحضارة الاسلامية" وبعد ان اشار الكاتبان الى المؤلفات الفلسفية والعلمية العربية التى استعملتها فيما مضى الجاماعات الاوربية رغم ما كان من عداء بين الاسلام والمسيحية تعرضا الى تكاثر الادلة التى تثبت ان اصل الجامعة يرجع الى عهود الاسلام القديمة ، من ذلك ان المراكز التربوية العليا الاولى فى اوربا قد ظهرت بعد جامعة القرويين والازهر وبيت الحكمة بمدة طويلة (1) ثم تحدث المؤلفان عن أوجه الشبه الكثيرة بين الجامعات العربية والجامعات الاوربية كاسكان الطلبة أفواجا حسب جنسياتهم ، والملابس الخاصة التى يرتديها المدرسون والاستعمال المشترك لبعض المصطلحات الخ . . . ثم ان عبارة Licence ترجمة حرفية لعبارة " اجازة " ويرى المستشرق البريطاني الفريد قيوم " انه بالامكان اقامة الدليل على وجود علاقة بين الجامعات الاسلامية والجامعات الغربية لو عثر على شرح مرضى لعبارة " باكالوريا " اذ يلاحظ ان الشرح الذي يجعل هذه الكلمة مشتقة من لفظة Vassa (بقرة) لا يمكن اخذه ماخذ

الجد . وهو يقدر ان " باكالوريوس " قد تكون تحريفا لاطينيا لعبارة عربية مثل " بحق الرواية " ذلك ان أول " اجازة " ( محتفظ بها فى مخطوط بجامعة كمبريدج ) تتضمن عبارة " بحق الرواية " يرجع تاريخها الى 1147 م، بينما لا نعثر على لفظة " باكالوريوس " مستعملة بمعنى " مجاز " قبل سنة 1231 .

ولئن توسعنا فى التذكير بالمساهمة العربية الاسلامية المرموقة فى تقدم العلوم وإثراء الحضارة الانسانية فليس ذلك من باب التغنى بالامجاد لان الحاضر هو الذي يستقطب اهتمامنا اولا وبالذات وانما لاقناع الذين يجهلون ماضيهم بسبب ما تسرب اليهم من سموم في زادهم الثقافي وينكرون عبقرية قومهم وعمق جذور حضارتهم نتيجة ما أورثته اياهم عهود التقهقر والاستعمار من مركبات بانهم حقيقون برفع رؤوسهم عالية ، واستيحاء الثقة فى النفس ومشاعر العز من جلائل أعمال أجدادهم لعل ذلك يقوى من عزمهم ويشحذ همتهم فيسعون الى العمل والبحث انطلاقا من واقعهم وخدمة له وتفانيا فى الرفع من منزلة الامة التى انشأتهم واليها يعودون .

وهكذا نتسلح بالتفاؤل ونستمد القوة المعنوية من انفسنا لنقوى على مواجهة الحاضر وتغييره وجعله فى مستوى آمالنا ومطامح شعوبنا لان وطننا العربي الكبير - رغم ما يقاسيه اليوم من تخلف اقتصادى وعلمي وما يعانيه من ازمان سياسية وتناقضات اجتماعية - لا تعوزه الطاقات البشرية ولا الموارد الطبيعية وله أسوة حسنة فى اجداده وعبرة بالغة يستوحيها من تاريخه . وانما عليه بل على المسؤولين عن حظوظه أن يسلكوا الطرق الموصلة باخلاص وثبات وينسقوا سياساتهم التنموية والتربوية والعلمية خاصة ، وان يقتبسوا من توصيات مؤتمر الرباط (1) واقتراحاته الإيجابية التى اهتدت اليها نخبته الجامعية والادارية ما به يضمنون نشر العقلية العلمية وروح الخلق والإبداع وتسخير الموارد العربية والطاقات البشرية لخير العالم العربي وازدهار شعوبه ماديا ومعنويا ، لانه لا يمكن ان تستمر هذه الحالة ، ونحن من نحن ، مجدا واصالة وثروة طبيعية وطاقة بشرية ، يستسخفنا الآخرون

ويستغلوننا ولا سبيل الى ان نرضى الى ما لا نهاية له بمنزلة الدون ونقنع بالاستهلاك الآلى والتقليد الاعمى ، ومن الصعب ان تبقى الشعوب العربية وشعوب العالم الثالث بصفة عامة ، مكتوفة الإيدى بينما تعبث بها اصابع الصهيونية فى دهاء وتحركها بعضها قوى الامبريالية فى خفاء بالرغم مما يقوله لنا بعض أهل الذكر "والخبراء المعصومون" من ان العرب لا يزال ثلاثة ارباعهم فى المتوسط أمبين وانهم لا ينتجون سوى نصف بالمائة من الإنتاج الصناعى العالمى وحوالى 1،5 % من الانتاج الزراعي وغيرها من المعطيات التى ظاهرها حق وباطنها سعى الى تحطيم المعنويات.

الم يستمد ماوتسي تونغ الذى نعاه العالم اجمع في 9 سبتمبر الاخير ونرى من واجبنا ان ننوه اليوم بجليل أعماله - زععيما ثوريا ومفكرا وشاعرا - من ضعف الصين غداة انتصار الثورة عام 1948 قوة معنوية عجيبة مكنته من تجنيد كل الطاقات وتحويل الصين من بلاد متداعية مصابة بالجهل والأوبئة والمجاعة والتواكل الى دولة مستقلة عندة تملك الطاقة النووية  والهيدروجينية ، رغم شك المتشككين ورغم "الخبراء" و "الملاحظين" و "كل المعطيات الموضوعية " ؟ . . لكن الزعيم الراحل ماوتسي نونغ ادرك حقيقة بديهية تغيب عن بعض القادة وأهل الرأي في العالم الثالث خاصة وهى - بكل بساطة - ان علما من دون اخلاق انما هو تخريب للروح لذلك حرص على تغيير الانسان الصينى وتزكية اخلاقه وجعل العلم والتكنولوجيا فى خدمة  إديولوجية بعينها ونظرة شاملة للكون .

وقد ختمت خطاب بمؤتمر الرباط بالتأكيد على ان يكون سعيدا الى امتلاك العلوم والتكنولوجيا العصرية مقرونا بالحرص على احياء تراثنا الماضى واستيحائه وعلى استجلاء كنوزه الكمينة ، واثبات مكانته فى صف حضارات سائر الامم ، وليس فى ذلك ما ينقلب بنا الى التمسك بالماضى رغم  بعده احيانا عن الحضاره العصرية ، بل ان مسؤولية الاضطلاع بمصيرنا تفرض علينا أن نربط حاضرنا بماضينا ، وبتصورنا لمستقبل اجيالنا الصاعدة التى يجب ان تعرف تراث اجدادها ، وان تعتز به وتستوحيه وتعتمده أساسا لشخصيتها . وهذا معناه ان امتلاك الوسائل العلمية والتكنولوجية العصرية أمر ضرورى  وحيوى لتحقيق مطامحنا فى التقدم والرقي والمناعة ولكنه يجب علينا ان نحذر الا يكون ذلك على حساب روح حضارتنا القومية لان التوازن الحى بين الروح والمادة ضرورى فى هذا الربع الاخير للقرن العشرين الذي نرى فيه دولا متقدمة كثيرة يعانى كهولها وخاصة شبابها تناقضات وازمات وتوترات

نفسانية واجتماعية وما ورائية رغم ما بلغته من شأن فى دنيا العلوم الصحيحة والتكنولوجيا ، طالما ان الانسان الذى سيطر على العالم الكبير المحيط به لا يزال عاجزا بعض العجز عن معرفة عالمه الصغير وسبر اغوار كافة ابعاده الإنسانية والفوز بالقدر الادنى من اليقين والطمانينة والسعادة الذي يطمح اليه ويشقى من دونه .

وانه اذا لم يع بعض القائمين على أمور البلدان العربية اليوم هذه الحقائق وتمسكوا بطريقة التفكير السائدة اليوم وآثروا التمادى فى التمتع بفردوسهم الموهوم ونعيمهم الزائف فان هياكل فوقية كثيرة ستتهاوى على عروشها بين يوم وليلة وسيحمل المستقبل الاجيال الصاعدة - وحدها - شرف الاضطلاع باعباء النهضة العلمية والبشرية الشاملة ومسؤولية اثبات الكيان العربى على أساس الديمقراطية الحق والأخوة الصادقة والتضامن الواعي والتقيد بما تفرضه المصالح العليا المشتركة وهي جميعا من شروط الوحدة التكاملية السليمة والكرامة الوطنية وصنع الحضارة من جديد .

اشترك في نشرتنا البريدية