الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

العرب والعمران بافريقية

Share

هذا جزء من رسالة طويلة بعث بها الى الفقيد حسن حسنى عبد الوهاب فى 4 أكتوبر 1967 عندما أطلع على محاضرة لى ذكرت فيها أسباب انهيار الكثير من المدن التونسية بعد الفتح العربى . وقد اثرت أن أطلع القراء على فقرات منها تبين رأى مؤرخنا فى أثر العرب في العمران بافريقية

... أهم ملاحظة هى اعتراضكم على ما ابديته من ان الفتح العربى لافريقية لم يجد فى البلاد الا مدائن خربة او هزيلة لا تشمل من السكان الا القليل التافه ، مثال ذلك : مدينة " قرطاجنة " العاصمة الكبرى قريعة رومة ، ومثل " حضر موت ( سوسه الآن ) التى بلغت شاوا بعيدا قبل عصر الوندال ، وكذا بقية الحواضر الافريقية التى تدهورت لدرجة مزعجة حتى تلافى عمرانها اقيال الاغالية ( راجع ما كتب عن سوسه فى ثانى الورقات ) . . فاما " قرطاجنة " فلم يكن بها من القاطنين فى عصر الفتح الاسلامى اكثر من الفى نسمة او ما يقرب من ذلك ، واما " سوسة " فما كانت تحتوى من افارقة وبيزنطيين معا اكثر من ثلاثمائة عائلة على اكبر تقدير - وقس على ذلك مدينة " مكثر " ( وصوابها " مقطريم " او " مقطر " نبع الماء بالفينيقية ) وكذا " تقة ( عاصمة ملوك البربر ومنهم " ماسينيسا " الشهير ، وصواب أسمه : " ماكسن " باللغة الليبية القديمة ) - وكذا مدينة " تسدروس" ، Thysdrus عند الرومان وقد حرفوا تعريفها الفينيقى ، وسماها العرب " الجم " اى القصر بالنظر الى ملعبها الضخم الذى هدم الثلمة الشمالية الكبرى منه " بلشار" المتقدم حين حاصر فيها بعض ثوار البربر ) .

وربما ارمى بالمبالغة فى هذا التقدير ، لكن كل اعيان المؤرخين الافرنج وخبرائهم مثل استازى : سطيفان قزال (Stèphane Gsell) وحبيبنا شارل صومانى ( Charles Saumagne ) وهما ممن فحص ماليا حالة افريقية فى العصور

الرومانية والوندالية والبيزنطية يصرحون علانية بخراب البلاد ومدائنها قبيل الفتح العربى ، وذلك بسبب الفتن المتواصلة بين الوندال والروم لاختلاف مذاهبهما الاعتقادية ، ولمحاولة كل من الفريقين فرض ايمانهم على البلاد . ومن يختبر الآن بقايا المدائن فى العهد الرومانى ير عيانا تدهورها وتديها فى عصر الروم الذين كان لا يهمهم من شأن افريقية الا ما يمكن ان تدره عليهم من ارزاقها وخيراتها ومنتوجها ، وظاهر ان البزنطيين ما كان لهم رغبة فى تعمير الارض بالاتفاق مع الاهليين ، ولذا كانوا يوجهون الى البلاد اعوانهم لفرض الجبايات وتوظيف الاداءات الفادحة ، ويرسلون لتاييدهم العساكر لمقاومة ثورات البربر المتتابعة والمتجددة فى كل يوم . ولذا اضطر ولاة الروم لتخريب المعالم التى من عهد الرومان لاخذ حجارتها ومواد بنائها لانشاء معاقل حربية للتحصن من نوار البربر ومن يطالع اقدم تأليف لمغازى العرب بافريقية والمغرب ( راجع تاريخ فتح المغرب لابن عبد الحكم الفقيه المصرى المتوفى قبل انتهاء القرن الثانى للهجرة ) يدرك الفراغ الموحش الذى كان يشاهد فى بلادنا لما فتحها العرب .

والواقع ان الراى الذى ابديت يشاهد امره فى كل الحصون التى بناها الروم البزنطيون بافريقية - وآثارهم محصورة فى قلاع الدفاع وبعض الكنائس ، فانظر مثلا الى بقايا مدينة " ممس " (Memsa ) القديمة ( وتعرف الآن بقصر " لمسة " على وادى الحطب باولاد عيار) تر ما فعل الروم بالاثار الضخمة التى كانت هناك من زمن الرومان او قبله ، واضراب قصر ممس تعد بعشرات العشرات فى قطرنا . . .

. . . أما قولكم ان " التجانى " ذكر ان حسان بن النعمان الغسانى افتتح قرطاجنة وخربها (I) والمحقق تاريخيا ان هذا القائد الاموى الكبير افتتح مرة اولى العاصمة الافريقية ، وقصد بعد مصالحة اهلها الى وطن " سطفورة " ( ما بين ماطر وبنزرت ) لتمهيد الجهة ، وفى اثناء مغيبه عادت شرذمة من البيزنطيين المقيمين بشرق صقيلة ، وتحصنت باسوار قرطاجنة وغلقت الأبواب ، فاضطر حسان لاعادة حصارها ووجب أن يقطع عنها الحنايا الموصلة ماء زغوان اليها ، ولما تمكن بعد ستة اشهر من امتلاكها لم يخرب منها غير بعض ابواب سورها لئلا تعود الى التمرد ، واما الهدم الثابت لحصونها المتينة

فقد تم بعد أن اتخذها ملك فرنسا لويس التاسع (صانت لويز) معقلا لجيوشه الصليبية حين حمل حملته المنكرة على تونس ايام المستنصر بالله الاول فبعد المصالحة امر هذا الامير الحفصى بتهديم اسوارها حتى لا ينزلها الافرنج دفعة اخرى ،

وهناك امر آخر كان من اسباب خرابها : هو كثرة ما بقى فى انقاض معالمها من الرخام والمرمر ومن الاعمدة ( سوارى ) وعضدات الابواب ما شجع سكان نونس وغيرها دهرا طويلا من الزمان على نقل رخامها ومرمرها الجميل لتحلية بيوتهم وقصورهم ، كما اشار الى ذلك أبو عبيد الله البكرى فى " مسالكه " .

اضف الى ذلك ان عبد الرحمن الثالث الملقب بالناصر ملك الاندلس الاموى لما بنى مدينة " الزهراء " حذو قرطبة ، تخابر مع تجار المقاولين التونسيين واشترى من انقاض قرطاجنة نحوا من 350 سارية نصبها فى حدائق حظيته " الزهراء "

وفوق ذلك كله ، إذا كان الافرنج - ورثة الحضارة الرومانية - يقدرون فى " قرطاجنة " العاصمة التاريخية التى انبثقت منها المسيحية بفضل مؤتمراتها الدينية التى ايدها قديسون افارقة مثل اقشتين وكبريانوس وفولجانس فان العرب الفاتحين وابناءهم من بعدهم لم يكن لهم ان يراعوا قيمة ما لهذه الاعتبارات ، لا سيما وانهم جاؤوا لتاييد دعوة ما يعتقدون انها الحق ، وهو الاسلام ، ولذا لم تكن " قرطاجنة " فى نظرهم غير مدينة من جملة المدائن التى اعترضتهم فى تقدمهم لنشر الدعوة فافتتحوها بدون التفات الى تلك المؤثرات العاطفية . .

. . . وهل ان الرومان احترموا " قرطاجنة " لما اغتصبوها من ايدى البونيقيين ؟ او ليس هم الذين - لا اقول خربوها - بل حرقوها يقينا باشعال النيران فى جميع بناءاتها حتى استوى كل ما كان على سطحها بالتراب ؟ فاذا ما باشرنا اى حفرية بمكانها القديم نعثر لا محالة على طبقة رماد الحريق الآن .

وزد على حساب الرومان فى عنفوان تمدنهم ما هو اشنع وافظع ، فقد هدموا من الجذور معالم ( اثينة ) عاصمة اساتذتهم اليونان وشيوخهم فى الحضارة والتفكير ، الم يسرد علينا التاريخ ان الرومان لما امتلكوا بلاد الاغريق - اواخر القرن الاول للميلاد - اول مافكر فيه قواد جيوشهم هو قلع ما كان يوجد فى ( اثينه ) وفى قريناتها من تماثيل وصور واعمدة (سوارى ) وعضدات منحوتة من رفيع المرمر وثمين النحاس ، وتحميل جميع هذه الغنائم - بل النهائب فى سبعين من المراكب الشراعية وارسالها فورا الى رومة واحوازها بقصد

زخرفة قصور القواد ودورهم وتحلية حدائقهم وجناتهم بتلك التحف الفنية النادرة الوجود ؟ وتشاء الاقدار ان تأخذ البحر المتوسط بعض تلك السفائن بالغرق فتلقى بواحدة منها فى قعر المالح امام مدينة المهدية الفاطمية ، وتبقى هناك اعشاشا للاسماك تسعة عشر قرنا ، الى ان يقع اكتشافها من بعض صيادى الاسفنج أول القرن الجارى ، فينال تونسنا العزيزة من هذا الغنم البارد جملة محترمة مما كانت تحمله السفينة من روائع الفن ، وبدائع النحت ، وهى اليوم من اجمل ما يحتفظ به " متحف باردو " من النفائس الاثرية الغالية .

وانما ذكرت ما تقدم لاتساءل بحق : - لماذا لا يلام على امة الرومان الراقية المتمدنة ( ؟ ) ما يلام على غيرها من الامم الفاتحة ، وفى مقدمتهم العرب ؟

فاذا كنا نحن - الجيل الحاضر - نرمق الى " قرطاجنة " بعين التقدير والاعجاب فما ذلك الا لمؤثرات تلقيناها من اساتذتنا الافرنج الذين غرسو فى نفوسنا مشاعرهم وعواطفهم حتى صارت حضارتهم الموروثة عن الرومان حضارتنا الحالية نسعى بكل ما فى وسعنا لايصالها وتوحيدها بمدنيتهم حتى نندمج فى بودقتهم المتغلبة على العالم باسره والله غالب على امره

اجل . ان المعطيات الحاضرة والظروف التى يعيشها البشر حاليا قد غيرت سياسة البلاد فى عمرانها واجتماعها واقتصادها وثقافتها وجعلتها تتدرج شئا فشيئا فى النهوض الحضارى العالمى ، اما فيما مضى فالامركان مغائرا لذلك الوضع .

وخلاصة القول انى لا ارى ان العرب - ومن جملتهم الاعراب من بنى هلال وبنى سليم النازحين الى افريقية فى منتصف القرن الخامس للهجرة - اعتنو خصيصا بتخريب المبانى والمعالم القديمة وصرف أوقاتهم وأموالهم وجهودهم فيما لا يعود عليهم بالنفع فى العمل غير المجدى ، وغير خفى ان المنافع والمصالح هى التى تقود اعمال البشر وتسير افعالهم ، بل أرى ان تلك المعالم التى كانت منتشرة بالبلاد لما تطاول عليها عهد العناية بالاصلاح والترميم تداعت بطبيعة الامر الى الانهيار والسقوط كما يشاهد ذلك فى نفس رومة وما بها من الاثار الرومانية .

ومن ناحية اخرى لم يكن من هم العرب الاعتناء بهياكل نصبت لعبادة الاوثان ومسارح ( ملاعب ) لمصارعة الانسان للحيوان ، وكلنا يعلم ان اتجاه الفاتحين كان فى ابلاغ دعوة دينهم وترغيب الشعوب فى قبول مبادئهم الروحية واتباع الاخلاق السامية التى أمروا بنشرها فى انحاء المعمور من الارض وفى ذلك بلاغ . . .

اشترك في نشرتنا البريدية