اقوى اتصال واعمقه واثمره ، كان اتصال العرب بحضارات البحر الابيض المتوسط . وهذه الحضارات ، المتباينة المشارب ، المختلفة النزعات شملت ارض العراق التى قامت بها حضارة بابل ( 51 ) واشور ، وارض سوريا التى شاهدت الحكمة العبرية والتفكير الفنيقى ، وشملت وادى النيل وحضاره الفراعنة ( 52 ) ، واخيرا اهم حضارات البحر الابيض المتوسط اعنى الحضاره اليونانية ( 53 ) وهي اخصبها انتاجا واسماها تفكيرا وابعدها تقدما بالبشرية وبالفكر الانسانى
ولقد اهتم العرب ، فيما اهتموا به ، بتعريب الكلمات العلمية اليونانية فترجموا من السريانية كما ترجموا من اليونانية غير ان النصيب الاوفر والسهم الأكبر ، كان للمعربات الاخيرة . وان استطاعوا هضم الفكرة فانهم لم يصلوا بعد الى اعطاء محل الكلمة اليونانية لكلمة عربية فى كل مرة ، بل تراهم ابقوا كما كان الحال بالنسبة للفارسية الفهلوية ، الكلمة او الكلمات اليونانية والسريانية على حالها . فاستطاعوا ان يخلقوا - وذلك لاول مرة فى التاريخ البشرى - تيارا علميا ذا صبغة عالمية ، تحدث عنها الاستاذ لويس ماسينيون فقال : " لقد كان يوجد قبل دخول العرب ( ميدان الثقافة البشرية ) علم يوناني وعلم فارسي ، وعلم هندى ، وكذلك علم صينى ، فلم يحاول الفاتحون العرب خلق تيار موحد لهذه العلوم ، بل تركوها على حالها ، وهذا فضل من فضائلهم ؛ ان العرب اول من اعطى للعلوم هذه الصبغة العالمية التى نراها ، فى عصرنا هذا ، وهى خاصية من اهم خاصيات الفكر الانسانى المتقدم " ( 54 )
نتعرض الآن لهذه الكلمات المعربة ، التى دخلت الفكر العربى بطريقة الترجمات ، والتي لم تكن في بعض الاحيان تضبط المفهوم العلمى كله ضبطا كليا والتي جاءت العرب من حضارات البحر الابيض المتوسط .
العرب واللغات السامية
العبرية : يختلف العلماء فى مدى تأثر اللغة العربية باللغة العبرية ، ويختلفون ايضا فى ضبط الكلمات المعربة عن العبرية ، وهم يذهبون الى ان كلمات الف ، وباء ، وجيم وميم ، وسين ، فى معناها الصوفى ، اوفى معناها المتعارف فى علم الصنعة مستمدة من الفكر العبرى . ونحن نترك لهؤلاء مسؤولية افتراضهم ) 55 (
العقادية : يذكر العلماء ، تعريب ابان ارى بكلمة " حجر العقاب " ( 56 ) و " عين الافعى " عن ابان ايجى ( " موشى جى " ) 57 ( ، وكلمة كركدان العربية جاءت من كركيزانو ، وترجموه ب " حريس " حيوان ذو قرن واحد ( 58 )
السريانية : كانت اللغة السريانية ) 59 ( اللغة " الوسيطة " بين العرب وبين فكر يونان ، وعرب العرب من فكر يونان ماعربوا ، ولكن العجب اننا لا نكشف فى اللغة العربية العلمية في عهدها الوسيط ، الا 8 كلمات سريانيه بقيت على حالها ، و 38 كلمة يونانية بقيت في العربية بصيغتها السرياتية .
وبين هاته الكلمات لابد من ذكر :
جنس التى تمكنت من الاحتفاظ بصبغتها السرياتية لا اليونانية وموسيقى ، وفلاسفة ، وفلسفى ، وهيولة ، والققنس ، والاسطقس ( وجمعه استقسات ) .
ومن الكلمات التى احتفظت بصبغتها اليونانية : كلمة ناموس وعلينا ان نعترف - مع الباحثين - ان السرياتية قد افسدت على العرب بعض المسطلحات العلمية التى دخلت العربية عن طريقة لغة مدارس الترجمة السريانية خاصة مدرسة حدران ( 60 ) ، او ريما اخطأ العرب انفسهم ترجمه بعضها ، او اعتبارها شيئا آخر غير الشئ الاصلى . ويذكر العلماء كلمه ( بنفلوس ) ، التى تدل فى كتاب ديسقوريدس Doscorids عن مادة معدنية ،
ترجمها ابن البيطار ، ي " التوتيا " خطأ ، والتوتياء مادة يستعملها اصحاب الصنعة فى الكيمياء ( 61 )
اليونانية : ارى نفسى مجبورا على تقسيم المعربات الداخلة فى لغتنا من اليونانية على قسمين : القسم الاول الالفاظ : التى احتفظت بصيغتها القديمة القسم الثاني الالفاظ : التى ترجمت الى العربية ( Calques )
ولابد للانسان ان يحترز ، وهو بصدد البحث فى الكلمات والمعانى الفكرية اليونانية التى دخلت العربية ، لانها محل اخذ ورد ، ولم يجمع العلماء على يقين او صحه بعضها . ولنضرب مثلا ، مثل النحو العربى ، لقد ذهب الاستاذ ماركس Merx الى ان تقسيم اللغة الى اسم وفعل وحرف ، نتج عن المقولات المشائية التى دخلت الفكر العربى فى القرن الثاني هجريا ( 62 ) بل يذهب الى ان كلمات خبر ، وجنس ، ورفع ، وجر ، ونصب ، واعراب ، ترجمه لكلمات بونانية معروفة ( 63 ) . ولكن الدراسات الجارية اخذت تثبت بان النحو العربي قد تشبع قبل كل شئ بمقولات الفكر العربى ومعانيه النظرية وخاصة بعلم الفقه . . والبحث ما يزال
وهاته الكلمات اليونانية ، قد احتفظ لنا الخوارزمى بعدد لا بأس به منها وجمع بول كراوس P kraus المتوفى سنة 1938 قسما كبيرا فى كتابه عن " جابر بن حيان " .
1 - الكلمات المعربة
احتفظ الخوارزمي في الفصل الخامس من الباب السادس فى " ذكر ملوك الروم " ، بالكلمات اليونانية الخاصة بالتاريخ والتى دخلت العربية ( 64 )
الفلسفة : فلسفة ، الاسطقس " الشىء البسيط الذي منه يتركب المركب كالحجارة والقراميد والجذوع " او " عنصر " ويضاه كلمة " اركان " ( 65 ) الناموس " السنن التى تضعها الحكماء للعامة " ، وذهب بعض العلماء فى الاسلام الى ان الناموس هو ما وافق الشريعة الاسلامية
علم الفلك : اصطر نوميا " علم الكواكب السيارة " ( 66 ) ، بؤوطيس " الحارس " ، قيفاوس " الاثافى " ، اللورا " معناه باليونانية الصبح لضوئه وتسميه العرب النسر الواقع " ( 67 ) ، نيخس " حامل العشاق " ( 68 ) قيطس " سبع البحر " ( 69 ) قنطورس حامل السبع ، الافيجيون " الاوج باليونانية " ( 70 ) الافريجيون " الحضيض " ( 70 ) البركيس " اختلاف المنظر " ( 71 ) ولا بد من ذكر الاصطرلاب : " مقياس النجوم " وانواعه ( 72 ) الامراض : الترياق ، والادوية : الكيموس " المادة " ، الكيلوس " الطعام والشراب اذا فى المعدة " ( 73 ) السمقونيا ، البباليوس
الرياضيات ( 74 ) : الارتماطيقي " علم العدد " ( 75 ) ، جومطريا ( 76 ) الاسطوانة " جسم يبتدأ من دائرة وينتهى الى دائرة متساوية يحيط بها يسيط اسطوانى " ( 77 )
الموسيقى : الموسيقى " تاليف الالحان " الموسيقور ، الموسيقار ، الموسيقيون " المطرب ومؤلف الالحان " ( 78 )
آلات موسيقية : الارغانون " الآلة " الشلياق " آلة ذات اوتار لليونانيين والروم تشبه الجنك " ، اللور " الصنج باليونانية " ( 78 )
الحرب ( 79 ) : منجانيقون " صناعة الحيل " البرطيس " فلكة تجربها الاثقال " المخل " خشبة مدورة او مثمنة تحرك بها الاجسام الثقيلة " ابو مخليون " حجر يوضع تحت هذا المخل فيسهل به تحريك النقل "
الاوزان ( 7 ) : القنطار ، القيراط ، الباقلات ، القوطيل ، الدرخمى ، الطرطرطين ، القليخيون
النبات ( 80 ) : الجنطيايانا ، Gentiane الافسطنطين ،Absenthe الاناغليس ، Anegyris الاستخودوس ، Lavande Stodas الخلخال " الانبربيس ،Berberis ، الاسفرنج Asperge الايريسا او " السوسن الازرق " Iris bleu الاشفقوس ( Sange ) ، الاشقيت " الغسال او بصل الفار " .
كيمياء : وكلمة كيمياء نفسها ليست بعربية ولكن يونانية دخلت العربية عن طريق السرياتية ( 81 )
2 - نقل الكلمات
وكثيرا ما تصادفك لا كلمة معربة بل عبارات منقولة نقلا وفيا عن اليونانى وان نحن لانشك بالمرة ان العرب قد نقلوا من فارس او من الهند او من السريان عبارات وجملا ، غير ان الجمل والعبارات اليونانية التى نقلوها عن يونان اوسع عددا . وعددها الكبير ، ووجودها في مختلف الميادين يبين مقدار الصلة التى تمت بين الفكر العربي والفكر اليونانى . وان نحن نجد " المعانى " المنقولة من المعاني السرياتية وخاصة الارامية ، وفى القرآن نفسه ( 82 ) ، حيث يوجد حسبما يذهب اليه العلماء كلمات : قرآن ، وسبحان واغلب الكلمات على هذه الصيغة كسلطان وبرهان وحسبان ، ووحدان الخ . وكلمات كصلاة ( فى البدأ صلوة ) وكزكاة ، وما شاكل صيغتهما فان العدد الاكبر من العبارات اليونانية المنقولة توجد ولاشك في المصطلح الفلسفى الاسلامى ( 83 ) ولتجد في دراسة المصطلح الفلسفي ، اقوى برهان على شخصية الفيلسوف الاسلام الحق الذى يذهب في نقله مذهبا اصيلا . ولابد من التعرض لبعض هاته العبارات .
الكندى رسالة العقل العقل الذى خرج من النفس العقل الظاهر
الفارابي مقالة العقل العقل بالفعل العقل بالملكة
ابن سينا رسالة النفس العقل الاول العقل الثاني
Aristote de Anima AnimaMatera Anima potentia
ودراسية كلمةle propre pre du plaisir عند ارسطو تريك ان ابن سينا ، تحت تأثير الافلاطونية المحدثة قد ترجمهاب ماهية اللذة " والرازى ب " مائية اللذة " ، واخوان الصفا ، فى الرسالة 16 ب " خاصية اللذة " . فعند هذا نجد تأثير مدرسة برغامة pergame التى أثرت تأثيرا مباشرا فى مدرسة الكوفة . وعند ذلك تأثير مدرسة الاسكندرية التى أثرت فى مدرسة البصرة ، وعند هذا تأثرا بالرواقيين ، وعند ذاك بالمشائيين . ويجد الباحث فى المعجم الذي اضافه بول كراوس لدراساته عن جابر بن حيان ، عددا غفيرا من هذه العبارات المنقولة ، فقد اغنانا عن البحث ( 84 )
ونفس الحالة توجد فى ميادين اخرى لان المترجمين كانوا ينزعون نزعات غير متحدة .
والكتب العربية المترجمة فى علم الطب ( 85 ) والكيمياء ، ميدان فسيح للبحث ، في هذا الموضوع ، لمن شاء البحث ( 86 )
الخاتمة قلت فى مطلع بحثى ان العرب قد استطاعوا سبك علوم الشعوب التى استعاروا منها علومها ، فى بوتقة واحدة ، فخرجوا منها بجديد لم ينكر اهميته - الى يومنا هذا باحث نزيه - خرجوا منها بنتيجة لاتنكر : الوصول الى درجة سماها الاستاذ لويس ماسينيون : " الفكر العالمي " . ولعل احسن برهان على هذا ، ان اسوق المثل الاخير ، هو مثل علم الجبر ، وهو علم يعده
الناس ، بحق ، " العلم العربى " ونحن لو نظرنا عن كتب فى مصطلحاته لوجدنا اكثرها غير عربية ، بل لرأيناها لو تعمقنا فى البحث انها مستعارة من الشعوب النى اتصل العرب بها اتصالا فكريا . فكلمة درهم " درهم " المستعملة فى هذا العلم مترجمة عن روبا rupa من الهندية ، وكلمة " شئ من يوات توات yawat tawat (87)وكلمة " جذر " عن الهندية مولا mula- ولكن بعضها ، مثل كلمة جبر قد دخل الى العربية من اللغة البابليه Gabru
هذه الدرجة الممتازة من التنوع ومن الغنى ، - والتى تصل احيانا الى الغموض والتبلبل ، تجعلنا نؤمل ، ان يفكر العرب ، - العرب فى مجامعهم العلمية - في تأليف قاموس كامل شامل ، يجمع الكلمات المعربة التى دخلت لغتنا ويشرح معانيها المختلفة ومعناها المصطلح عليه ، هذا القاموس الذى نعد بحثنا هذا دعوة متواضعة لتالييفة ( 88 )
( 87 ) انظر aljbra Solmon Gudz: The source of izmi's L Rodet : L' Algebre Khaizmi ص 272-274 المجلة الاسياوية ، باريس 16 ص 5 -98
( 88 ) ولابد ان نذكر دعوة صديقنا الاستاذ تيى ، لوضع قاموس عام للمصطلح الفلسفي الاسلامي ، التى نشرها بمجلة ارابيكا سنة 7195 ، عدد 2

