الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 2الرجوع إلى "الفكر"

العشرينات وأثرها في النهضة الفكرية والأدبية ، في المغرب العربي

Share

مـــدخـــل :

شهدت العشرينات ، مشرقا ومغربا ، هزات عنيفة ، فجرها التصادم مع المد الاستعمارى ، وتغلغله فى العالم العربى الاسلامى . وشملت هذه الهزات كل جبهة من جبهات المقاومة الوطنية ، ثورة مسلحة ، أو انتفاضة سياسية ، أو دعوة اصلاحية ، أو تفجرا فكريا أدبيا ، يجيل النظر فى كل ما حوله ويراجع المسلمات ، ويتجاوز الرتابة ، وينشد الثورة على السكون .

ان بذور هذه الهزات وبواعثها سبقت العشرينات ، ونتائجهــا وذيولهـــا انسحبت على العقود اللاحقة ، ولكن تبدو لى العشرينات هي ذروة التصعيــد البركانى ، وفورة الغليان بمختلف وجوهه ، وقمة المراجعة الذاتية لكل مظاهر الحياة فى الوطن العربى .

ان الموروث - فكرا كان أو أدبا - يتجذر فى النفوس ، ويتقدس في الاذهان ويوصد كل أبواب الاجتهاد ، فى حالات الضعف ، ومراحل الدفاع السلبى المغلوب على أمره ، لان الموروث يصبح المهرب والعزاء فى وجه الحياة العاثرة .

ولكن عندما تتحدث النفس بالثورة ، وتتجاوب الجبهات فى أصداء ثورية متناغمة ، عنفا مدويا فى وضح النهار ، أو تنظيما سريا فى جنح الظلام ، منبر خطابة فى محفل سياسى أو هدير جموع فى ساحات منتفضة . صرير قلــم وراء أبيات مجنحة ، أو أزيز مطبعة وراء حروف هادفة .

عندها تتفجر الجرأة على المراجعة الحاسمة ، وتتقاطر نقـــاط الاستفهام  ، والتعجب والانكار ، وتتلهف الافكار لكل جديد ومستجد فى ( أل ) التعريفية فى كل مظاهر التعبير عن الذات المضطهدة ، والحياة القائمة .

الحياة ما هى الحرية ؟! ما هى الوطنية ؟! ما هو الأدب ؟! ما هو الشعبى ؟ : هى وغيرها ، أسئلة معهودة ، ومجترة على مر العصور ، ومبتذلة لكنها فى المنعرجات التاريخية الحاسمة ، تحمل معها لقاح الجدة . والابــــداع وتدفق الحياة ، وتطور الانسان .

واذا صح القول أن الثورات الوطنية ، لا تعدم أدبا رائدا مهد لها ، وبشر بها ، وهيا الارضية الروحية والمعنوية لبطولاتها . فليس من الخطا فى شئ القول بأن هذه الثورات تهيئ الاسباب لقلقلة الظواهر المـــوروثة الاسنـــة ، وصياغتها صياغة جديدة ، بما فى ذلك الادب الذى ينتقل من دور الريـــادة لثورة سياسية ، الى ريادة ثورة داخلية ذاتية ، تشكله تشكيلا منسجما مــع العهد الجديد ومع الاذهان المتفتحة لتقبل التغيير .

ان الاحداث الوطنية التى شهدتها العشرينات فى المغرب العربى ، والتى طرحت قضية ( الحرية ) بمفهومها السياسى ، هى ذاتها التى ألهبت ( الحرية ) بمفهوم الابداع .

يقول ( النيال ) فى تقديمه لكتاب ( زين العابدين السنوسى )  (( الادب التونسى في القرن الرابع عشر )) والكتاب وليد العشرينات : (١)

(( أليس نبوغ الواحد من هؤلاء لا ينشأ الا بانتصار خلق الحــرية فيه على ناحية من نواحى طباعه المكتسبة بالوراثة والتقليد ؟

هكذا الشاعر أو الكاتب ينبع بالتفوق على مستوى الكاتبين والشعــراء بانطلاقه من عبودية كل مألوف ، وعدم مبالاته من كل مكروه ومحذور )) .

ان هذا الموقف المتمرد ، المتحدى ، غذته وفجـــرته سلسلـــة من الاحـــداث الوطنية بلغت ذروتها فى العشرينات والثلاثينات . فالثـــورة كل لا يتجــزأ والعبقرية هنا ليست فردية ، بقدر ما هى عبقرية مجتمع هيا الاسباب لكهربة الاحساس المرهف فى السياسى ، والمصلح ، والاديب ، والشاعر .

فى المشرق العربى :

ولم يغفل المؤرخون للنهضة الادبية الحديثة ، مشرقا ومغربا ، والمسهمون فى بنائها ، هذه العلاقة التجاذبية بين الثورة السياسية والثــورة الادبيــة فالعقاد فى كتابه ( شعراء مصر ) يقول :  (٢)

(( ظهرت طلائع النهضة الشعرية فى مصر حين ظهرت فيها طلائع الثــورة التى عرفت فيما بعد باسم ( الثورة العرابية )  (٣) ولم تسبقها نهضة مذكورة بعد الركود الذى أصاب الشعر العربى كله فى اعقاب الدولة العباسية .

ومغزاها ان البواعث الحقيقية لصوغ الشعر ، قــد ظهـــرت بعد ان كانت مفقودة أو محجوبة ، وان الاذواق الحية ، قد اخــذت تحــل محــل القــواعد الدراسية ، ولا يحدث ذلك الا بعد أن تحدث فى الامة أمور كثيرة متشابكة مختلفة تتناول عناصر الحياة فيها من جميع النواحى )) .

( الثورة العرابية ) ، مضرب مثل ، وشرارة أولى ، لسلسلة متــداخلة من الثورات ، والبطولات العربية الحديثة ، عرفتها العقود الثلاثة الاولى من هــذا القرن ، وانتظمت كل جبهات الوطن العربى ، فتركتها معالم بارزة ، ومواقع خالدة فى مسيرة النهضة العربية الحديثة ، مرورا بـ ( ثــورة ١٩١٩ )  (٤) و ( الثورة العربية ١٩١٦ )  (٥)  و ( مشــــانــق أحـــرار العــرب ١٩١٦ )  (٦)

و ( ميسلون ١٩٢٠ ) (٧) و ( الغوطة ١٩٢٥ ) (٨) والثورة العراقية على الانجليز . والرواية لم تتم فصولا .

هذه الثورات - تمثيلا لا حصرا - كانت المناخ الطبيعى للانتفاضة الادبية العالم العربى ، وان النهابات القاتمة التى منيت بهــا كل هــذه الثورات ، هى التى فجرت البدايات المشرقة لذلك الادب .

تلك جولات عرفتها ساحات المشرق العربى ، ولكن كان من بين ابطالها وشهدائها أبناء العروبة والاسلام من المغرب العربى  (٩)  .

وفى المغرب العربى :

كانت أقطار المغرب العربى ، أو الشمال الافريقى كما عرف فى ذلك العهد منذ بدايات القرن العشرين ، مسرحا لاحداث دامية ، وثورات جامحة وتصادم

مستمر مع الاستعمار ، جاثما أو غازيا ، وكانت الحرب العالمية الاولى ، وقــد دفع فيها أبناء الوطن المحتل ، ضريبة الدم والروح ، مظلة لكل ثــأر مهـــدور ودم مطاول ، وجاء ( مؤتمر السلام ) بمبادئ ( ولسون ) (١٠) فألهب المشاعر ورص الصفوف ، وحرك الوفود والمطالب ، فاذا الارض تميــد تحت أقــــدام الغـــزاة .

ولو أردنا ان نرسم خارطة لاقطار المغرب العربى فى هذه الفترة ، ذات بقع ملتهبة ، لجاءت حمراء قانية ، يكاد يتلاشى فيها أى لون آخر غير لون الدم والمشاعر المتأججة .

ولــو أردنــا ، مرة اخرى ، أن نسمى - استشهادا لا استقصاء - لجـــاءت الملحمه البطولية الليبية (١١) فى وجه الغزو الايطالى فى صدارة هذه الاحداث تلك الملحمة التى هزت العالم الاسلامى ، واستنفرت أحراره ، وفضحت أغواره طيلة عشرين عاما ، وكان وقعها على أبنـــاء المغرب العربى ، وهو تحت نيـــر الاستعمار الفرنسى أشد ، يستسرون الالتحاق بجبهاتها ، فان خانتهم الحيلة ، مدوها بالمال والسلاح ، والملحمة في كل منعرجاتها ، كــرا أو فــرا ، حريا أو صلحا ، معركة فى الساحة ، أو خبرا فى الصحيفة ، وثبة على صهوات الخيول ، أو تدليا فى المشانق . هى فى كل ذلك بؤرة التهاب وطنى عارم ، كــــانت لـــــه آثــــاره فى مختلف مظاهر التعبير والابداع .

( الاحداث الدامية فى تونس ١٩١٢ ) (١٢) ( ثورة الامير عبد المالك فى وجه الاستعمار الفرنسى فى المغرب ١٩١٥- ١٩٢٥ (١٣)  ( ثورة الامير عبد الكريم الحسابى فى الريف ١٩٢٠- ١٩٢٦ ) (١٤) .

ولو التفتنا إلى الساحة من زاوية التململ السياسى لوجدناها هى الاخرى فى فترة العشرينات بالتحديد ، حافلة بالفعل ورد الفعل بين المستعمر والمواطن ، زاخرة بالانتفاضات الحـــزبية ، والتكتـــلات الـــوطنية ، والتصـــادم المتصاعد مع قوات الاحتلال ، تحدوه تطلعات تحررية ، وتتحـــداه قـــوانين استثنائية ، وتفجره اجراءات قمعية .

( حركة الامير خالد الجزائرى ١٩١٩- ١٩٢٥ ) (١٥) الحزب الحر الدستورى التونسى ١٩٢٠ ) (١٦) قيام ( نجم شمال افريقيــا فى باريس ١٩٢٦ (١٧) ارهاصات الحركة الاصلاحية تحت شعار العروبة والاسلام والتى حملت فيما

بعد اسم ( جمعية العلماء الجزائريين ١٩٣١ )  (١٨)  ( الحركة السلفية فى المغرب فى أواسط العشرينات )  (١٩) .     وقائمة القوانين الزجرية والقمعية من طرف المستعمر ، لم تعدم هى الاخرى نفسا متواصلا متصاعدا ، يزيد المعترك احتداما  .  ويجعــل المنطقــة شظايــــا متطايرة ، وبطولات متلاحقة .

قانون الاهالى ) (٢٠) الذى يمثل شريعة الغاب ، جدد العمل به فى الجزائر سنه ١٩١٢ ، وفى نفس السنة صدر قانون الخدمة العسكرية الاجبارية ) (٢١) للجزائرين فى الجيش الفرنسى ، وفيها اعتقل الزعماء الوطنيون فى تونس بعد الاحداث الدامية (٢٢) .

وتحت كابوس الحرب ، ووطأة الحكم العسكرى ، رفعت الاقـــلام ، وجفت  الصحف ، ولم تستعد الصحافة أنفاسها الا فى أوائل العشرينات (٢٣) ، وجاء ( الظهير البربرى ) سنة ١٩٣٠ (٢٤) حشرجة استعمــارية يائســــة لضــــرب الوحدة الوطنية فى المغرب .

ومع حلول سنة ١٩٣٠ (٢٥) توالت احتفــالات الجيش الفرنسى بالذكـــرى المائوية لاحتلال الجزائر ، والذكرى المائوية لاحتلال كل مدينة ، فهو استعراض للقوة حساب المستعمر ، ولكنه تحريك للتيارات فى تاريخ المواطن بصورة أنكأت الجروح وما هى بنائمة ، ووضعت المسيرة الوطنية على عتبـــة الثــورة والاستقــلال .

وان النهاية القاتمة - مرة أخرى - التى كتبت لهذه الثورات والانتفاضات فى العشرينات ، كما كتبت لاخواتها فى المشرق ، استشهادا للابطــال أو تهجيرا للزعماء ، اضطهادا لهم وراء القضبان ، أو فى المنافى البعيدة ، هذه النهايات المختنقة ، كانت بداية الانبعاث الممـــدود النفس . والامــــال التى تصاعدت في موجة الانتفاضات ، لم تتهاو مع مصارع أبطالها ، والقصائد التى ترنحت بين استقبال البطل ووداعه ، بين تحية القـــائد ورثـــائه ، لم تعش الاحداث انفاسا متقطعة ، وانما ابعادا متوالدة متجددة مع تجــدد الذكريــات الطعينــــة .

- يتبـــــع -

اشترك في نشرتنا البريدية