الشعر فى المغرب العربى بين الظلم والانصاف :
ويبدو لى أن الحركة الشعرية فى المغرب العربى ، لم تنصف بعد الانصاف الذى تستحقه ، تاريخا ونقدا ، كانت ولم تزل ضحية ظلمين متعاقبين ، وكلاهما من ذوى القربى ، مع التقدير الصادق للدراسات التى لها علينا فضل الريادة .
الظلم الاول يتمثل في فترة القطيعة التى فرضها الاستعمار والتى فعلت فعلها فى المشرق العربى ، وأدت الى عكسه فى المغرب العربي ففي ذروة هذه القطيعة فى حساب المستعمر ، قالت ( الشهاب ) : اشتغالنا بالشرق أنسانا أنفسنا ، وقد وضحنا بالنصوص ، كيف كانت القطيعة فى حساب المستعمر , وكيف هى فى واقع المواطن .
و ( صلاح عبد الصبور ) يعطينا الوجه الآخر للغياب فى المشرق العربى وبالاحرى فى الكنانة : ( 50 )
((كان ( لات ) الشعر وعزاه فى زمننا الاول هما : محمود حسن اسماعيل ( 51 ) وعلي محمود طه ( 52 ) ، اذ لم تكن الاصوات العربية تصل
الينا ، ولكن ثلاثة من شعراء العصر العرب استطاعوا بالصدفة أن يدخلوا الى عالمنا الصغير فى المدرسة الثانوية ، وكان لكل من هؤلاء الشعراء الثلاثة طريقة ، فقد غنى ( عبد الوهاب ) لاولهما وهو ( إيليا أبو ماضى) (53) قصيدة ( الطلاسم ) وكان ثانى هؤلاء الشعراء وثالثهم هو أبو القاسم الشابى التونسى ، والتيجانى يوسف بشير السودانى (54) ، وقد ساقنا اليهما اديب من أدباء ذلك الزمان هو ( محمد فهمى ) (55) الذى جمع لهما ولثالثهما الهمشرى (56) المصرى كتابا من المختارات . وكان ما يربط بينهم جميعا هو انهم لقوا الموت فى شرخ الشباب )) .
لما الظلم الثانى ، فيتمثل فى النظرة المعاصرة لفترة الاغتراب تلك فدراستها لا تتم الا بنظرة فوقية ، لا تقع الا قليلا على الارضية الاجتماعية فى فترة الاستعمار ، لا تكاد تلامسها حتى تعاود التحليق من جديد ، متشفعة بالمدارس الوافدة ، والاتجاهات السائدة ، ومحتكمة الى القوالب النقدية المنمطة التى قد تعطى تفسيرا مريحا للاجراس اللفظية ، وانتماء مبيتا للتفعيلات المستجدة ، ونسبا معنعنا للصور البيانية ، بينما تهدر المعاناة التى تميز التجربة الشعرية فى تربة ، عن اختها فى تربة أخرى .
فهل المدارس الادبية ، والنقدية المعهودة منذ زمن ليس بالقريب قدر حتمى لدراسة كل تجربة ابداعية ؟! لماذا لا تفرض هذه التجربة ، وهى متفردة فى معاناتها ، أسلوب نقدها وتمحيصها ؟ ! لماذا نفترض الموازين النقدية سلفا ، وفى امكان التجربة أن تساعدنا ان غصنا فى أعماقها ، على استنتاج الموازين التى تنصفها ؟ !
الشابى بين غربة الوطن وغربة المهجر :
وعن الظلمين السابقين ، نتجت ظلمات ضاعت فيها الحقيقة ، أو تكاد ، و ( الشابى ) وشعبه لم يزالا يدفعان ضريبة هذا التجنى ، والشعب هنا
وأستسمحكم عذرا ، أوسع من أن يكون تونسيا فحسب ، فالعشرينات فى هذه المنطقة لم تعرف لها عنوانا الا فى ( الشمال الافريقي ) و ( افريقيا الشمالية ) (57) و ( المغرب العربى ) تلاحما فى النهضة الفكرية والأدبية ، ووحدة فى الكفاح الوطنى .
ان النظرة الفوقية عجزت حتى عن انصاف الشعب العبقرى الذى انجب الشاعر العبقرى . وعتمت جنبات الارضية التى انطلق منها الشاعر ، وفوقها حلق وعليها وقع مرة أخرى .
فشعب أبى القاسم فى العشرينات ، شعب عجوز شعب جهول ، شعب مسحور عند بعض الكتاب ويضيف : (58)
(( شعب ذليل ، والذل يصحبه الجبن ، والشجاعة هى فى مواجهة الذات فضلا عن مواجهة الحياة )) .
ويضيف بعض كتابنا : (59)
المجتمع التونسى في الفترة القصيرة التى قضاها شاعرنا فى محيطه كان مجتمعا مريضا فى جسده وروحه ، باليا فى تفكيره ، وارائه مستسلما لارضاعه الفاسدة )) .
واذا لم تكن الصفحات التى مرت كافية لرفع هذه التهمة عن المجتمع ، فان أبا القاسم نفسه يقول عنه سنة 1930: (60)
(( ثم افترقنا ، ونفسى تفكر بالاوساط التونسية فاذا بى ، ما التفت الى ناحية من نواحي الحياة التونسية الا واجد فيها نشاطا وحركة ونهوضا مما
يبشر باننا الآن فى عصر انتقال وتطور ، تشمل حركته كل ضروب الحياة فى تونس ، حقق الله الامل ، فقد طال عهد الظلام )) .
تلك صحوة من صحوات ( الشابى ) الوفى لشعبه ، المنصهر فيه حتى فى ذروة الغربة ، ولكن الدراسات التى تنغلق فى سورة ( النبي المجهول ) لتدمغ بها المجتمع فى العشرينات ، ولا تلتفت الى ( ارادة الحياة ) لتستنتج منها حيوية المجتمع ، وتدفقه ، وهديره ، انما هى دراسات لم تلامس ابا القاسم وشعبه بعد .
بل ان هذه القصيدة بالذات ( ارادة الحياة ) التى قادت ببيت واحد منها المجتمع الى الحرية والاستقلال ، هذه القصيدة الاعرق شعبية فى أرضية الشابى ، الاوغل معاناة فى مأساة الشعب هى عند الحاوى : (61)
لهذه القصيدة باعث معين للنظم ، وانما هى خواطر وتأملات طالعها الشاعر فى صفحة الحياة . وفيما خبره من مظاهر الطبيعة وحركات الموت والبعث فيها )) .
أرأيتم التهويم ! ان الصراع مع المستعمر ، مع الظلم ، مع القيد على أرض الواقع الطعين ، هذا الصراع يفرع من رائحته الترابية ، ويصبح فكرة فلسفية مجنحة تجسم الصراع بين إرادة الحياة وإرادة القدر .
لا بأس (( فالشابى - كما يقول الكاتب - ( 62 ) لا يستمد معارفه ومعتقداته من الكتب ، أو من الخبرة الذاتية فى مواقعة الاحداث والاشخاص بقدر ما يستمدها من كتاب الطبيعة المبذولة صفحاته لكل عين متأملة ، ونظر ثاقب ، وفكر مراقب )) .
ويتعقب ( الحاوى ) تعاببير فى ( ارادة الحياة ) كما يتعقب قدماؤنا السرقات الادبية ويقول :(63)
(( وانك اذا وقعت على مثل هذه التعابير ، دون ان يعين لك صاحبها ، يخيل اليك انها تنتمى لجيران لانها مأثورة فى معظم كتبه وكتاباته )) . * * *
و ) النبي المجهول ( هذا العنوان الذي اختاره الشابى لمحنته يتسلسل عند ( الحاوي ) الى ، النبي المرذول ، النبي المعتزل ، النبي الرومانسى حامل الثورة المهزومة : (64)
)) وثورة الرومنسى تحمل هزيمتها فى ذاتها لانها مستسلمة من نقطة انطلاقها ، فالشابى أنف من حياة القصور المتوترة ومن كيد الضعيف لسعى القوى ، وعصف القوي بجهد الضعيف فما كان من امره ؟ لقد سار الى حيث تأوى أغانى الربيع ، وتذوى أمانى الخريف وحيث الفضاء شاعر حالم يناجى السهول " واذا خلعنا عن هذه الآية حلتها الجماعية المتطبعة بطباع الادب الحبرانى ، اقتصر أمرها كله على الهرب والاشاحة والتلهى بملهاة الطبيعة ، ذلك ان الرومنسى يحمل الثورة واليأس معا )) .
سيقول القائل ، ان هذه المعانى من بنات الشابى ، صاعها شعرا ولم يزد الناقد ان بعثرها نثرا !
هى كذلك ، من بنات الشابى ، ولكن شتان بين المبدع والمحلل ، فأبو القاسم أرادها ومضات مد وجزر مع شعبه ، شأن العباقرة ، وأرادها غربة عبقرية ، يقاس حضورها بابعادها المستقبلية وليس بالدقائق والثوانى التى يعيشها الشاعر ، أو بالروابى والكهوف التى يأوى اليها النبي المجهول ، وليس المرذول ، فأردناها نحن منصة محاكمة ومنبر مرافعة ، وقفص اتهام لشعب صلب شاعره .
عبقرية الشابى نابعة من مجتمعه ، وومضة من ومضاته ، والشعب الغبي لا ينجب العبقرية ، والشعب الذليل لا يفجر ارادة الحياة . غربة الشابى لا تنم عن عقم المجتمع ، بقدر ما تعبر عن جموح العبقرية التى تخطت المجتمع بأشواط فأعياه اللحاق بها .
المجتمع التونسى ، بله ، المغرب العربى ، بعرفانه ونكرانه ، بايمانه والحاده بصخبه وسكونه ، بصراعه مع المستعمر وتدافعه مع الرجعية بتفتحه وانغلاقه ، بطبعته السياحرة ، وشمسه المشرقة بشواطئه الدافئة وهضابه السخية . بسهوله الخضراء ، وفيافية الجرداء ، بجباله الشامخة ، وكهوفه الغائرة .
المجتمع بكل سلبياته وايجابياته هو سر عبقرية الشابى ، وسعيد أبى بكر ، والسنوسى ، والجزيرى ، وبيرم ، والعريبى ، وخريف ، ورمضان حمود ، والعيد ، وزكرياء ، والمهدوى ، والناصرى ، والبلغيثى ، والحلوى , وابن ثابت ، وبن جلون ، . . و . . و . .
وقصة الشابى والمهجر ، والمدارس الادبية الغربية ، ولن أطيل ، فقد اوجزت د . نعمات أحمد فؤاد وأغنت حين قالت :
(( المهجر ... المهجر ... باب طرقه النقاد على الشابى كثيرا حتى ضج بالطرق والطارق . لا تنزل يد الا لترتفع أخرى ، واختلطت الاصوات ، واختلفت التعليقات والتعليلات )) (65).
أنا فى غنى أن اكون من الطارقين ، ولن أذهب بعيدا ، فأبو القاسم بيننا ، وبجانبه أقرب الادباء فهما له ، وأقدرهم تلمسا لابعاده ، وأرقهم اشفاقا على عبقريته ، مقدمه فى مسامرة ( النادى الادبى ) وناشر أفكاره فى مجلته ( العالم ) ، زين العابدين السنوسى .

