الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3 الرجوع إلى "الفكر"

العشرينان وأثرها في النهضة الفكرية والأدبية، في المغرب العربي،

Share

- 2 - ( * )

فى الساحة الفكرية والادبية :

لن أطيل الوقفة بالنسبة للنهضة الادبية الحديثة فى المشرق العربى فى فترة العشرينات ، فهى مدروسة ، ومستهلكة ، ولكن سأوجز القول بأن المدارس الادبية من ( الاحياء ) الى ( الديوان ) الى ( المهجر ) الى ( أبولو ) ( 26 ) هذه المدارس المتزامنة ، والاتجاهات المتعاصرة ، لم تعرف المواجهة الساخنة مثلما عرفتها فى العشرينات والثلاثينات ، وقد تولدت عن هذه المواجهة صحف ومجلات وتفتحت لها أندية ومحافل ، وتعصب لها حواريون ومريدون

وتمخضت عنها كتب ( 27 ) ودراسات لم تزل المرجع الاساسي لتحديد البدايات المدارس أدبية لم نزل نعيشها اليوم

وبالعكس مما سبق ، سأطيل الوقفة فى مغربنا العربى فلم يزل فى حاجة الى الدراسة ، ان لم يكن بالاحرى فى حاجة الى التعرف الامين على احداثه وظروفه ، قبل الاقدام العاطفى على دراسته وتقييمه

ليس من قبيل الصدفة بالمرة ، ان تشهد فترة العشرينات ميلاد الكتب الثلاثة التى ضمت أول مجموعة شعرية حديثة فى أقطار ثلاثة من المغرب العربى ، متتابعة فى صدورها ، كالطرقات على باب عهد جديد ، متجاوبة الافكار فى مقدماتها ، نقدية النظرة فى الترجمة لشعرائها ، وان اختلف أسلوب المعالجة من كتاب لآخر

وقد ضمت هذه المجموعة كما ( 28 ) من الشعراء ، تمايزوا على مر الايام ، فذهب الزبد ، واحتفظت الارض بما ينفعها ، فانها المجموعة التى ضمت واحتضت الشعراء الذين يعتبرون علامات مضيئة فى مسيرة النهضة الشعرية الحديثة فى المغرب العربى ، وفى طليعتهم ( أبو القاسم الشابى ) .

1 ) شعراء الجزائر فى العصر الحاضر ج ( 1 ) ج (1)       ( 1926 ) محمد الهادى السنوسى الزاهرى ( 29 )        ج (2)       ( 1927  ) 2 ) الادب التونسى فى القرن الرابع عشر                     ( 1926 ) زين العابدين السنوسى ( 30 )                        3 ) الادب العربى فى المغرب الاقصى                           ( 1929 ) محمد بن العباس القباج ( 31 )

وسبق هذه المجموعات ديوان مصطفى آغة 1920 ، وديوان محمد الشاذلى خزندار 1924 و 1925 ، ثم ديوان ( السعيديات ) لسعيد أبى بكر ويعتبر هذا الديوان نفسا جديدا فى التجربة الشعرية شكلا ومضمونا ، وفى سنة 1927 صدر فى تونس للناقد الشاعر الجزائرى ( رمضان حمود (32) كتاب ( بدور الحياة ) يضم مقالاته المتسلسلة عن ( حقيقة الشعر وفوائده ) التى نشرها بمجلة ( الشهاب ) الجزائرية ، و ( الترجمة وتأثيرها فى الادب ) و ( دعاة التجديد ). وحمود ومضة أخرى فى الحركة النقدية والشعرية فى المغرب العربى ، درس فى الزيتونة ، واخترمه الموت كمعاصره الشابى ، سنة 1929 ولم يتجاوز الثالثة والعشرين من عمره وقد خاض معركة القديم والجديد تنظيرا وشعرا ، ووقف من مدرسة ( الاحياء ) ممثلة فى ( شوقى ) موقف جماعة ( الديوان ) منها ، ولكنه تميز بتجرد الفكرة ، واستقلال الرأى وربما سبق ( العقاد ) فى كثير من آرائه فى ( شوقى ).

ومع الانفاس الاخيرة للعشرينات ، تتفجر قنبلة الموسم ( الخيال الشعرى عند العرب ) للشيخ أبى القاسم الشابى ( 33 )

ويكفى لكى نتمثل وقع ودوى هذه القنبلة على الاوساط الفكرية والادبية ان ننقل هذه الفقرة لزين العابدين السنوسى : ( 34 )

(( لما سمعت هذه المسامرة لاول مرة ، خرجت من قاعة الاجتماع مهتم العقل ، أكثر مما كنت منبسط النفس ، بل يمكننى أن أقول : إني خرجت من تلك الجلسة منكمش النفس ، واجفها ، مع أنى كنت ممن صفقوا لاكثر مقدماتها ، والمعجبين بدعاماتها ، ولغتها الشعرية الفصيحة . بل كنت أنا نفسى الذى قدم حضرة المسامر الى مئات المستمعين منوها بنبوغه الباكر

ووجهته فى التجديد الادبى ولا غرابة فى ذلك ! ما دام الشيخ أبو القاسم أول خطيب تونسى يسمع تونس مثل هذه اللهجة ، ويطرق الموضوع على منبر عمومى ، تحضره طبقات مختلفة من الثقافات المتفاوتة ، والمدارك المتباينة ))

لست فى مقام التحليل لابعاد ( الخيال الشعرى عند العرب ) فى الحركة الفكرية والادبية طيلة نصف القرن الذى انصرم بعد القائها ، ولا فى مقام تلمس الابعاد التى تتوالد عن هذه المحاضرة على مر السنين ، ولكن يكفينى القول بأن ما تميزت به هذه الوقفة الشابية من جرأة فى الفكرة ، وموضوعية فى التحليل ، وبراعة فى الاستشهاد والمقارنة ، وبراءة فى المكاشفة والمصارحة يجعلها فى مصاف الكتب والدراسات التى هزت المجتمع العربى الاسلامى منذ بدايات القرن حتى فترة العشرينات والثلاثينات .

( الاسلام وأصول الحكم ) (35) ، ( تحرير المرأة ) ( 36 )، ( فى الشعر الجاهلى ) ( 37 )، ( الديوان ) ( 38 )

( الخيال الشعرى عند العرب ) كان ثورة فى أسلوب التفكير ، ثورة فى مقاييس الابداع ، ثورة فى مفهوم الوفاء للتراث ، كانت هذه المسامرة التى حضرها بضع مئات من المستمعين بقاعة ( الخلدونية ) الشعلة المضيئة التى عرت خبايا الظلام الدامس ، وكادت تذهب بالابصار ، كانت العلامة التى ميزت العشرينات فى المغرب العربى

تتضافر المقدمات التى صيغت بعناية للمجموعات الشعرية وليدة هذا العقد مثل مقدمتى ديوانى خزندار لكل من محيي الدين القليبى فى التركيز على الرؤية السياسية فى الادب وزين العابدين السنوسى فى تحديد الشروط الفنية للشعر وصياغة مفهوم جديد له ، تتضافر المقدمات على مباركة الروح

الجديدة التى دبت فى الحركة الشعرية ، وهذه الدفقة الدموية التى سرت فى عروق النهضة الادبية الشاحبة اللون ، الباهتة الملامح ، قال ( محمد بن المبارك الميلى ) ( 39 ) مؤرخ الجزائر فى مقدمته للجزء الثانى من ( شعراء الجزائر فى العصر الحاضر ) :

(( شعر شعراؤنا بحياة جديدة فنفضوا أيديهم من ذلك الادب البالى المشوه بلغة التأليف ، ونفذوا الى الادب الغض ، واستمدوا من شعورهم الرقيق الطاهر ، وعلى أمثال هؤلاء الشباب ، نعلق آمالنا في تجديد الادب الجزائرى بورفع مستواه )) .

واذا كان كتاب ( شعراء الجزائر ) بجزأيه طبع فى تونس ، وجل ما جمع من قصائد سبق نشره فى الصحافة التونسية ، أو ألقى فى المحافل الوطنية فى الخضراء لشعراء درسوا فى ( جامع الزيتونة ) و ( الخلدونية ) وتخرجوا فى الاندية الثقافية ، والامسيات الشعرية ، وانخرطوا فى الاحزاب السياسية ، فان ( راجح ابراهيم ) (40) فى مقدمته لديوان ( السعيديات ) يزيدنا تعريفا بالملامح التى ميزت تونس فى هذه الفترة ، تلك الملامح التى سبقت الاشارة اليها فى مستهل هذه الصفحات :

(( وكانت تونس بين هاتيك الامم ، فقد نهضت من سكونها خلال هاتيك الفترة الحالكة ، وقامت بحركة جليلة ، فابرزت صحفا ، وألفت حزبا سياسيا ذا بنود مقررة ، وغاية مقصودة ، وأوفدت الى عاصمة الحماية وفودا ، وقد تردد ولا يزال يتردد في انحاء العالم صدى هذه النهضة الجليلة .

فى هذه الآونة ، نبغ من الكتاب والشعراء كثيرون بدت في نفثاتهم النثرية ، وزفراتهم الشعرية ، روح حساسة ، وشعور نبيل فاصبحوا ينطقون بلسان الشعب ، ويعربون عن آماله وآلامه وهذه الحركة داخلة تحت سلطان النواميس الكونية ، وخاضعة لحكم الحوادث والظروف ، يعتبرها ما يعترى كل كائن حي من نشاط وفتور ، وصحة واعتلال ، وحسبك ان الفكرة لا تموت وان الكلمة الاخيرة للحق ، وما ضاع حق وراءه طالب )) .

( راجح ابراهيم ) بلور ملامح التربة الطيبة ، التى احتضنت البراعم الشعرية ، بما أوتيت من ازدهار معرفة ، وما أتاحت من فرص تعبير ، وما أحكمت من هذه اللحمة بين التململ بمفهومه السياسى ، والتململ ببعده الابداعى و ( زين العابدين السنوسى ) يضع ذلك كله فى الاطار الذي يخدم الوحدة الطبيعية والرابطة الفكرية ، والعروة اللغوية فى المنطقة . يقول فى حفل التكريم الذى أقامته ( جمعية قدماء الصادقية ) سنة 1927  (41 ) بمناسبة صدور الجزء الاول من كتاب ( شعراء الجزائر ) :

(( الكتاب الذى نجتمع اليوم له ، ونوادع صاحبه اللوذعى الشاعر ، يحمل فى كل صفحة منه حجة على ما نقول ، فأكثر من ترجمهم ممن اغتذى لبان تونس ، وكرع من حياض أدبها ، بل ان اجتماعنا هذا نفسه دليل على تلك الوحدة الطبيعية ، والرابطة الفكرية والعاطفة بين الاختين ))

ان من بين النتائج البارزة للهزات التى اكتنفت العشرينات ، أنها جذرت الاحساس بالمقومات الاساسية للشخصية الوطنية فى غمرة الفرنسية والتغريب ووثقت الشعور بالوحدة التاريخية والمصيرية فى سورة التشتيت ، وطغيان التفرقه أفلا يعجب المرء والوطن محتل ، وقبضة الغاصب على حبل الوريد أن تتحدث النفوس الكبيرة عن الوحدة والتكامل ، والتحرر والسلام ؟!

تلك هي المعانى والامانى التى ما انفك ( زين العابدين ) يشيد بها ، ويلوح باعلامها فى كل وقفة تاريخية ، تشد أزر قطر من أقطار المغرب العربى فى المحنة الجاثمة على الجميع ، يقول فى مقدمته لكتاب ( بلاغة العرب فى الجزائر ( 42 ) والكتاب من مواليد 1925 للاستاذ عثمان الكعاك ويندرج فى حسنات العشرينات :

(( وفى اعتقادنا ان تعميم الاحساس بالتماس التاريخى ، والوحدة اللغوية ، هو أضمن طريق يسار به الى التكافل المنشود ، ريثما يتيح الزمان لهذا

الشرق نفض الكابوس عنه ، واعلان رغبته الصريحة فى الوحدة والسلام اللذين لا تشوبهما تهمة جبن ، ولا مداجاة لانهما يعبران عن نفس مؤمنة قوية تعرف مركزها فى العالم ، وحقها فى الحياة ))

وحتى لا تختلط التواريخ ، أود التأكيد بأنها فقرات كتبت فى سنة 1925 وليست فقرات يمكن بل من المحقق ان تعاد فى سنة 1985 ، أى بعد ستين عاما .

و ( التماس التاريخي ) الذى أشار اليه زين العابدين ، هو احدى جبهات الكفاح الوطنى فى فترة العشرينات ، فقد تركزت فيها جهود المؤرخ فى المغرب العربى على الكشف على أصالة هذه المنطقة ، وعراقتها فى الحضارة والتصدى للجهود الاستعمارية اليائسة ، لتشويه تاريخ المواطن ، وزعزعة الثقة به ، وطي المرحلة المشرقة للعروبة والاسلام فى تاريخ المغرب العربى وحصره تعسفا فى الموجات الغازية ، الوافدة من وراء البحار ، تمهيدا لاقتطاع الارض للجمهورية الفرنسية ، واحتساب المجتمع للحضارة الدخيلة

وقد تصدى أبناء الشمال الافريقى لهذه المؤامرة المفضوحة بروح وحذوية فى ذروة التمزيق ، واصالة عربية فى قمة التغريب ، واعتزاز بالعروبة والاسلام فى وجه الاكذوبة الاستعمارية : ( المغرب اللاتينى والرومانى ) .

وكما توالت كتب الادب ، توالت كتب التاريخ في أواخر العشرينات فالكعاك يكتب عن بلاغة العرب فى الجزائر ) وزين العابدين ينشر الكتاب فى مكتبة : ( العرب ) ويقول فى مقدمته :

(( وعلى ذلك أخذنا نعد سلسلة قيمة من الابحاث الادبية والتاريخية والاجتماعية والجغرافية لعموم الشمال الافريقى ، أتم القطعة الاولى منها صديقنا المؤرخ والاديب النابغ الاستاذ عثمان الكعاك وهي تتألف من ثلاثة كتب : 1 ) بلاغة العرب فى الجزائر ، 2 ) تاريخ الجزائر ، 3 ) جغرافية بلاد الجزائر سننشرها بحول الله ، متوالية ، ثم نتبعها بتاريخ تونس فى مائة عام (1245-1344 ه ) .

وفي سنة 1928 صدر لمؤرخ الجزائر ( مبارك بن محمد الهلالى الميلى ) الجزء الاول من كتابه ( تاريخ الجزائر فى القديم والحديث ) بينما صدر الجزء الثانى منه فى سنة 1932  ))  .

وكتابة التاريخ فى فترات التحدى والمقاومة ، ومواجهة الغزوات الضاربة ، لا تعنى الحقيقة العلمية المجردة فحسب ، وانما تعنى اذكاء الحمية ، وبعث النخوة والاعتزاز بالشخصية المستهدفة . وغرس الامل فى المستقبل ، لذلك فالميلى يعرف التاريخ على أنه :

(( مرآة الماضى ، ومصعد الحاضر ، وشهادة حياة الامة ، وتذكار عبقريتها ورباط وحدتها ، وميزان تقدمها )) .

وفي غمرة الاحتفالات المئوية باحتلال الجزائر ، يصدر ( كتاب الجزائر ) لأحمد توفيق المدنى ، تحت شعارات بارزة ، وقيم خالدة تتحدى الاستعمار وذكراه المئوية :

(( الاسلام ديننا ، العربية لغتنا ، الجزائر وطننا )) .

من التلقى الى الابداع الذاتى :

كتبت مجلة ( الشهاب ) الجزائرية فى أواسط الثلاثينات مقالا بعنوان ( اشتغالنا بالشرق انسانا انفسنا ) ( 43 ) وأردفته بمقال ثان فى عدد لاحق ( واشتغالنا بالغرب انسانا انفسنا ) .

والعنوانان ان حددا روافد التلقى والتجديد فى أدب المغرب العربى فانهما فى الوقت نفسه ، يؤكدان وجود ذاتية مبدعة ، وان غطى عليها الافراط فى التعلق بالشرق أو الغرب ، فلا أحد ينكر أن النهضة الادبية فى هذه الربوع المغربية ، فتحت أعينها على أختها الكبرى فى المشرق العربى ، وعلى نفحات

روادها تخرجت . كما ان رياح الغرب ، وأقطار المغرب العربى واقعة تحت سلطته محتلة أو محمية ، ومدارسه منبثة فى البلاد ، ولغته متغلغلة فى التربية والادارة ، هذه الرياح ، مقيمة كانت أو وافدة مع البعثات من وراء البحر لن تعدم تأثيرا على الحركة الفكرية والادبية .

ولكن ، ونحن في سياق الادب العربى ، وفي هذه الفترة بالذات ، تبقى الاهمية للرافد العربى ، الذي يقول عنه ( راجح ابراهيم ) فى مقدمة ( السعيديات )بعد ان يتجاوز الرافد العربى : ( 44 )

(( وهناك عامل آخر لا يقل عنه تأثيرا ، وهو أن أرض الكنانة الكريمة فى هذه الآونة ، تسير فى سبيل الرقى سيرا حثيثا ، وتخطر نحو الحياة العصرية بخطوات واسعة ، وقدم ثابتة ، وبصيرة نافذة وكانت ترسل أشعة هذه الحركة المباركة على الاقطار العربية بواسطة الصحف والمصنفات ، تأليفا وتعريبا ، فكان لذلك الاثر المحمود على أبناء ( تونس ) اذ كانوا أشد الناس تأثرا واقتداء بسيرة هذه الأخت الكريمة )) .

و ( الزاهرى ) صاحب ( شعراء الجزائر ) يؤكد هذا التعلق بروافد المشرق العربى ، فى فترة كانت فيها القطيعة المفروضة من طرف المستعمر ، تزيد التعلق عمقا ، وتفرض جسور التواصل معه . ويعدد ( الزاهرى ) ( 45 )

الدوريات التى يستسرها المواطن من الشرق ، ويسمى الشعراء الذين كانت دواوينهم ومختارات أشعارهم ، مثار المناقشات الادبية ، ونموذج الصياغة فى المدارس والمعاهد ، فلا يكاد في تعداده ذاك يغفل شاردة أو واردة تناقلتها الاندية الادبية فى المشرق ، حتى لكان الحصار الذي فرضه الاستعمار الفرنسى على المنطقة فى وجه التواصل العربى الاسلامى تلاششت غيومه وتهاوت أسواره الحديدية

و ( القباج ) ( 46 ) فى مقدمة ل ( الادب العربي في المغرب الاقصى ) يبرز هذا التواصل ، ويعطيه مدى أبعد وأوسع من ( الكنانة ) فى فترة كان فيها المجتمع مهيأ لتجاوز الموروث المقعد ، وكانت الاجيال الناشئة ناشطة من عقال القديم ، متلهفة الى كل جديد ؛

(( ومنذ عهد قريب ، وصل إلى المغرب الاقصى ، صدى تلك النهضة الفكرية التى انبعثت فى المشرق العربى ، وأحدثت انقلابا فى الافكار والاساليب فعاد ادباءنا الذين لم تتأصل فيهم جذور تلك الوراثة المذكورة آنفا .. لم تتعود بعد أفكارهم الجمود على تلك التقاليد ، والاقتصار على تلك الاساليب ، الى أن يشحذوا قرائحهم من جديد ، ويوجهوها الى ما فيه تقع الامة ، ويعود عليها صلاح معيشتها الاجتماعية من استنهاض الهمم ولفت الانظار الى الحالة التى وصل اليها الشعب من جهل عام ، وانحاط فى الاخلاق ، وعبث بالدين )) .

ولكن يجدر بنا ان نوضح هنا ، ان التلقى من المشرق العربى ، او من ( المهجر ) او من أى أفق كان ، لم يقف عند رجع الصدى ، الصدى المكتوم العقيم الابعاد ، وتلك احدى مميزات المجتمع فى العشرينات ، كان مجتمعا واعيا فى أخذه ، مبدعا فى عطائه ، لا تأخذه الكبرياء فى التفتح المغني ، ولا تخذله القدرة فى الوفاء الاوفى .

والذين لا يدرسون الظواهر الادبية في المغرب العربى ، الا تحت وصاية هذه المدرسة أو تلك ، فى المشرق أو المهجر ، ولا يقيمون مثلا ( محمد العيد ) و ( مفدي زكرياء ) فى الجزائر ، الا تحت المظلة ( الشوقية ) ولا يحللون ( أبا القاسم الشابى ) أو ( سعيد أبا بكر ) فى تونس الا تحت المجهر ( الجبرانى ) الذين لا يستنيمون الا للاصداء الرومنسية فى ( الخيال الشعرى : عند العرب ) أو ( بذور الحياة ) (47 ). . انما يظلمون هذا المجتمع فى ابداعه الذاتى ، ويحررون هذه التربة ، وهي المعطاء ، من روائع الالهام .

واذا جاز القول ، بأن القوالب الشكلية ، والصور الخيالية ، لها منحدراتها وانعكاساتها شرقا أو غربا ، فان المضامين النابضة لن تنشق عنها الا الارض التى أنبتت الشاعر ، ولن يكون الشاعر وفيا للاصداء الوافدة والذبذبات البعيدة ، ان خانه الوفاء للهزات الارضية تحت قدميه .

بما أن هذه المنطقة لم تعدم مجددين شكلا ، مبدعين مضمونا ، وان تلقوا شرارة البدء من هنا أو هناك ، فالتلقى هنا أبعد ما يكون عن الببغائية وأقرب ما يكون الى التلاقح المخصب ، والتناغم الموحى

ومرة اخرى مع ( راجح ابراهيم ( و ( سعيد أبى بكر ) : ( 48 )

(( وهو من القائلين بحل قيود الشعر ، وادخال أوزان جديدة عليه ، وهو أول شاعر تونسى تجاسر ، ونظم في الاوزان الجديدة التى ابتكرها شعراء المهجر ، ومن الاوزان التى ابتكرها لنفسه ، وأصبح له فضل ابتداعها عند محبذى طريقته ، غير مبال بالانتقاد الذى كان يوجهه اليه أناس كثيرون فى بادىء الامر ، ولكن ما لبث أن اقتدى به بعض الشعراء العصريين وأصبحنا نرى من حين لآخر على صفحات جرائدنا قصيدة من الشعر الجديد ))

ويلخص ( زين العابدين ) صاحب ( السعيديات ) فى فقرات ، هي مجمل القول فيه ، والبطاقة التعريفية له : ( 49 )

(( يمتاز أدبه على العموم بالجدة ، والطرافة ، فهو جديد في قوافيه ، جديد فى روحه ، جديد في أوزانه ، جديد فى معانيه ومواضيعه . بل هو جديد حتى فى نسجه وتركيبه ! )) فالجدة نابعة وليست وافدة ، هي مؤيدة برياح التجديد ولكن ليست عالة عليها . والظواهر الادبية انما تسجل بداياتها خدمة لتاريخ الادب ، أما النظرة النقدية فمرجعها بلورة الظاهرة ، وحكمها اكتمال الملامح ، واستقلال الهوية

فلا يضير ( الشابى ) في شئ أن يبدأ ( جبرانيا ) ولكن يخلده أو ينتهى (شابيا) له صوته الخاص بعد ان تجرد من الاصداء البعيدة .

( يتبع )

اشترك في نشرتنا البريدية