الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

العطاء ...

Share

وكان لا بد ان يعترى الفزع من حولها ، انها عاجزة عن العطاء الكلى ، قد نعطي من نفسها الكثير الكثير ، وقد تمنح ثمرة لا تجنيها ، ان الامل شبه مفقود ، وعطاؤها الذى تبتغيه يخفى شبحا مخيفا ، يقطف منها لا محالة السعادة التى تهب من أجلها حياتها لبضعة أيام فقط من الضم والقبل .

كل الاطباء منعوها من الحمل ، وفتشت عن الامل لدى احكمهم وامهرهم ، فما اسعفت بارجاء وكان لا بد ان تنكمش فى حجرتها تبكى حتى تنتفخ عيناها ، تحتضن الوسائد ، تضمنها الى صدرها ، تعصرها وتشبعها بآلاف القبل ، وتبللها بالدمع والدفء ، وعبثا حاول زوجها مواساتها وتحطيم شبح الحمل غير المرغوب فيه ، ولكنه لم يفلح ، واذا ما صدته الخيبة واجابته بدموعها التى يعجز عن الصمود امامها ، اخفى وجهه براحتيه وغادر الغرفة ليمسح دموعه حتى لا يزيد الزوجة بكاء على بكاء . واذا ما عاد ثانية إلى الغرفة ، واستلقيا على فراشهما وانسابا فى شعاب التفكير وهما يبصران اطفالهما وهم يعبثون بكل شئ فى المنزل ، فى سعادة وحبور عظيمين ، واذا ما اسعفا بالواقع المر ، سقطت الجفون ، انها المأساة تنتظرهما ولا مناص لهما من الصبر ، هذا الصبر القاتل الذى اصبح علتهما ، يعتصرهما ، يرفسهما ، يسد عليهما كل متنفس للخلاص ، انه الاختناق والقلق البغيض يطحنهما طحنا .

لقد اخفت الخبر ، واوهمت كل سائل انها مريضة فقط ، حتى زوجها انطلت عليه الحيلة ، فى المرتين السالفتين اعلمته بالامر ، واسرع بالقضاء على سبب التضخم بالحاح من الطبيب ، انه الانتحار . كفت عن تناول الادوية وامتنعت عن الفحوص الطبية ، الطبيب هو اصل البلاء لا بد من الابتعاد عنه والا افشى سرها وحطم املها وسعادتها ، وذهبت محاولات زوجها سدى لاقناعها بجدوى

الفحوص الطبية ، واصبحت تتظاهر بأن قلبها لا يؤلمها كالعادة وانها فى تحسين مستمر من هذا الداء الخبيث الذى أنشب أظافره فيها يبتغى حطامها . كانت تكتم صرخات وصرخات ، تدفن آلامها ، تبادر بالابتسام وهى تتمزق وتشاطر القوم نقاشهم وهى تحترق وتقوم بكل واجبات المنزل وهى تموت ببطء، وتتضرع إلى الاقدار ليلا ونهارا ان تمنحها القدرة على المقاومة والاصرار ، لقد قررت وانتهى كل شئ ، ان الارض تعطى حالما ينزل الغيث ولن تكون الا شيئا من الارض ، بدون هذا العطاء فهى كالارض المزروعة ملحا ، لن تقف وحدها بين كل الكائنات كالغريبة ، هى قادرة على الانجاب ولكن الخوف كل الخوف من السقوط فى الطريق ، فمرحى بالموت بعد العطاء ، مرحى بالسعادة ولو للحظات ، فسعادتها بأنها حامل بالمعجزة افضل من العيش فى كنف سنى القحط العجاف .

لقد عجزوا عن تغيير ما ازمعت عليه ، انها ارادة البذل والعطاء ، ولا شئ يثنيها عن ذلك ، انها الطبيعة أم كل الكائنات التى تجسم افضل آية لديها ، وهى لا تأتى ببدعة ولا تقوم بجرم ، وعبثا احالوا المستقبل الى سواد قاتم ، وعبثا يضعون كل رزايا وبلايا العالم امامها فلن تنثنى ، وكان لا بد من الاستنجاد بالطبيب الذى ما ان فحصها حتى صاح فى من حوله بأن الامر خرج من ايديهم ، وان لا مناص من ان يتم الحمل فى الحالتين يتحفز الموت ، ولم يبق الا طلب العون من الاقدار وانتظار المعجزة ، وان اية قوة فى العالم لعاجزة عن اخماد  جذوة العطاء .

ورفع الكل ايديهم عنها ، ورفعوا هاماتهم الى السماء يتضرعون ويترجون ، يستعطفون ويتوسلون ، إن القادر الذى وهب حب العطاء لقادر على كل شئ ، فالمعجزة لديه قدرة وهو الذى يهب بلا حساب . حتى الطبيب كف عن تقديم الادوية التى اصبحت سما زعافا ، وشارك الجميع فى التوسل والتضرع وقد لبس مسوح النساك . اما المعاتبون فقد استحالوا الى فردوس لتتفسح فيه الحامل ، سخروا كل شئ ووهبوا من طاقتهم الدفء والحنان لعلهم يزيحون عنها كابوس الموت الذى قد يظهر ليعكر صفو ايامها المعدودة او تحدث المعجزة .

لقد تنبهت الى كل ما يدور حولها ، والوعى بالحمل وتطوره يحتضنها ، يخضبها بعطر السعادة وبدفء ونفحة الحنان ، قد تمتد بها الايام بعد الوضع ، فلا تبصر مولودها ، وكان لا بد ان تعبث ببطنها ، تتحسسه ، تداعبه ، تتبع تحركات الجنين وصفعاته التى تعبث بأوتار أمومتها ، فتسكب الدمع مدرارا ، حتى

إذا ما افاقت من ذهولها رجعت الى احتضان بطنها تبحث عن فلذتها السابحة فى عالمها تنشد التطور والكمال . وتخلو بنفسها وبالرحمان تقدم له القرابين من نور عينيها ومن طاقتها الجسدية ومن الاسراع الى حتفها على ان تبصر مولودها وتضمه وتقبله ثم فليختطفها الموت متى أراد . لم تقدر على رفض كل الهبات التى تقدم اليها حتى لا تحرم اصحابها نعمة عطائهم ، ولم تكن هذه الهبات لتحرك فيها ولو ذرة من السعادة .

كلما طلب الجنين الكمال الا وتفنن قلبها فى تعذيبها ، لقد رفض هذا الغازى ، ولا بد ان تجنى ثمار تلهفها على الحمل . وقبلها التحدى بتحد اقوى من طاقة البشر ، لقد اهملت الآلام ودفنتها فى داخلها ، فلا تخرج الى النور ، لتقضى عليها اذا شاءت ولكنها لن تكشف عنها ، ستلهو بما بدا لها اللهو وستسعى ما بدا لها السعى لتجسم النكران كل النكران واللامبالاة . ولقد حز فى نفسها ان تبصر حالة زوجها وهو يصلى فيطيل الصلاة ويسجد فيطيل السجود ، واذا بأيامه صوم دائب ، حتى اذا ما اختفى بها بعيدا عن الابصار ضمها اليه وبكى كما تبكى النساء ، وجزعت من انهيار مفاجئ ويبقى الشاهد الوحيد الذى يتهمها بالانانية ، فى اقسى درجاتها وافظعها .

انها هناك على طاولة الولادة والاطباء من حولها ، لا سلاح لهم الا واجبهم المقدس وانتظار المعجزة ، لقد صمد القلب العليل طيلة اشهر الحمل ويشكون فى صموده ساعة الوضع ، وجوههم شاحبة كشحوب الموت نفسه ، اما خارج ذلك المكان ، فالاهل بين مغشى عليه وبين حائر غير قادر على الجلوس وبين العاجز عن الوقوف لارتباكه المفرط ، وكان لا بد من معجزة انتشال هذا الفوران الجنونى للجميع والا فأكثرهم مصيره الانهيار .

لقد حدثت المعجزة ونجت الأم وكذلك مولودتها وكان الانتشاء وجنون الفرح ، وتنفس الجميع الصعداء ، او نزلت دموع الفرح ، وفقد بعضهم التماسك فانهار والابتسامة لم تفارق شفتيه وخرج طبيبها الى الجمع لا ليهنىئ بل ليستقبل التهانى .

وكان لا بد ان تعود للبيت تحت رعاية الطبيب المستمرة وكان لا بد ان يحدث التصادم حالما تطلب الأم ابنتها لارضاعها . لم يستجيبوا اليها ، انها أوامر الطبيب الصارمة ، وصرخت فيهم والغضب الجنونى باد من عينيها وسحنتها

والزبد يتطاير من شدقيها وهمت بالنهوض لو لم يسرعوا اليها : ... اننى لها أجازف بحملى هذا الا لهذه اللحظة ، أو تخالون المراد بحملى ان اتفرج على فلذتى كأى صورة حميلة ، كلا وألف كلا ، لن اشعر بالراحة وبالسعادة الا بغد أن هب من ثديى لبنا هو فخر الامومة الى ابنتى ، وعبثا تمنعوننى من اكمال عطائى ، فما دام فى عرق نابض لن أكف عن أرضاع صبيتى ولو مت بعدها ...

لقد اكتنز ثدياها مصحوبين بآلام حادة تنهشها نهشا ، ضغطت عليهما فاذا بهما صلبان لا طراوة فيهما بالمرة ، لقد استحالا الى قطعتى حجر ، كانت تشعر التضخم وتحس بالآلام ، واغمضت عينيها وارادت ان تغفو ، وهى بين النعاس واليقظة ينطلق ثدياها فى تضخم مهول حتى يحجبان السماء عن المدينة أو المدينة عن السماء ، وتنطلق من افواه المدافع طلقات تصيبها فى ثقب مختلفة ، وينزل الغيث وترتفع الهامات كل هامات اطفال المدينة حتى السحاب لترتوى وتشست بها ، تعصرها ، تضغط فى قوة ، وتتسع الثقب لتبتلع الاطفال كل اطفال المدينة يمتصونها ، فتصرخ وهى ممسكة بثدييها ، ويسرعون اليها وقد صعقهم الخوف فتصدهم فى شراسة اللبوة التى اختطفوا اشبالها : ... انظروا ... ها انى انزف لبنا وها انى استحم به اتمرغ فيه ، تبا لكم من اجلاف ، انكم تمتصون روحى ببطء ، ان آلامى تقتلنى فارحمونى بلحظة من السعادة قبل موتى الذى أراه ، أتنفسه بين كل دقة قلب وعصرة ثدى ، وأغمى عليها ، ولما أفاقت بعد لأى كان طلبها هو هو ، الاصرار على الغيث القاتل .

عندما أفاقوا صبحية اليوم الموالى لم يعثروا على البنت ، ولما اسرعوا الى سرير الأم كان المشهد مروعا ، لقد امتصت البنت رحيق الأمومه وكدلك روحها .

اشترك في نشرتنا البريدية