الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

العطر والصديد في شعر نزار قباني

Share

لعل الكثيرين من القراء ينظرون إل ى عنوان مقالي هذا بتساؤل وارتياب وتقزز .  وبؤرة التساؤل علاقة العطر والصديد فى  شعر نزار والخلط الغريب بين العطر الجميل  المنعش والصديد النتن العفن . في شعر  نزار الرائع كما عهدوه ، أو كما انطلى  عليهم.

ودعوني اثبت لكم هذه الحقيقة المندسة  فى أغوار نفس نزار . . وسوف  أتناول فى هذا البحث ديوان " الرسم بالكلمات "  . ان صاحبنا نزارا يخلط في  شعره سواء فى ديوانه هذا أم في دواوينه  السابقة بين الكلمة الموسيقية الراقصة ذات  النكهة العطرة والكلمة القذرة التافهة ،أي  ان اغلب شعره خليط من الكلمات الجميلة  المنتقاة ، والكلمات المبتذلة النتنة . . فهو  يغمس ريشته فى حوض من العطر تارة وفي  حوض من الصديد تارة اخرى ، فمثلا يقول نزار فى " الرسم بالكلمات " وأي كلمات !

لم يبق نهد أسود أو أبيض

الا زرعت بأرضه راياتي

لم تبق زاوية بجسم جميلة

الا ومرت فوقها عرباتي

فصلت من جلد النساء عباءة

وبنيت أهراما من الحلمات

أرايت كيف يخلط نزار ؟ تأمل الكلمات :  بجسم جميلة ، ومرت فوقها عرباتي فصلت ،  وجلد النساء ، وأهراما من الحلمات .

والديوان كله زاخر بهذا الخليط من الكلمات  المتناثرة : بنفسجتى ، جريمتى ، يا سمينتى  يا رخصة . . لؤلؤتى . . حقدى . . فيروز  عينيه ، عارية ، ليلة قمار ، النعناع ،

خمر ، دفلس ، اغتصاب ، خنجرى  زهرة الرمان ، سكينتى . وأيضا تأمل قوله  فى كلام بعنوان " ماذا افعل " :

لا تقبلني بعنف . .

زهرة الرمان ليست تتحمل لا تقبلنى . .

فلو ذاب فمى . . ماذا ستفعل ؟

لاحظوا الكلمات : زهرة الرمان . . لا  تقبلنى بعنف . . انني انا شخصيا اتقزز  من كتابة هذه الكلمات التى تقطر صديدا  وتنز دودا . . ان شعر نزار لا يحتاج ان  أغربله وأعدد الكلمات الصالحة من الطالحة  ويمكنك ان تقرأ هذا الهديان :

ستذكرين دائما

أصابعي

فضاجعي من شئت أن تضاجعي

ومارسى الحب

على أرصفة الشوارع

حقا انها زوابع ورياح غريبة على أدبنا  العربى النظيف النقي الطاهر ، ان شعر  امرئ القيس وزهير وطرفة وحسان وعنترة  والمتنبي أطهر من أن تدنسه هذه الزوابع  التى أتتنا مع ما أتتنا من مبتذلات الغرب  الذي يتردى في هوة سحيقة لا قرار لها ،  قال حكيم : ان الدعارة ليست دعارة الجسد

انما الدعارة هي دعارة النفس والعقل  ونزار رجل داعر في عقله وافكاره فهو  يقول فى صدر ديوانه :

عشرون عاما فوق درب الهوى

ولا يزال الدرب . . مجهولا . .!!

عشرون عاما وهو يحب امرأة تلو أخرى . .  عشرون عاما وهو يغرر ببنات الناس  الساذجات ويوقعهن فى حبائله القذرة  ويتركهن بعد أن يقضي وطره ، أسمعه  ماذا يقول فى " مهرجة " :

أتريدين إذا وجدت العشيقا . .

أتريدين أن أكون صديقا . .

وتقولينها بكل غباء

بؤبؤا جامدا . . ووجها صفيقا

موقفى تعرفينه متوارى

عن طريقي ، يا من أضعت الطريقا

أصديق . . وبعد خمس سنين

كنت فيها الشذا وكنت الرحيقا

يا له منطق النساء أمثلى

يقبل الآن أن يكون صديقا

هذه أحدى ضحايا نزار فرت بجلدها  منه بعد أن عرفت نياته الذئبية ، هربت  بعد أن اغتسل نزار بدم قلبها الطاهر ، انها  تبحث عن العشيق والمحب الصادق ذي  السريرة النقية الطاهرة ، انها تريده فقط  صديقا لا عشيقا لانه لا يصلح عشيقا . .  يا للنساء الطيبات الغبيات انهن لا يفرقن  بين الرجل الذئبى الغريزة والرجل الذي  يحمل بين جنبيه قلبا كبيرا مغمورا بالطيبة  والأريحية ، بل يهرولن بلا وعي نحو  البريق والبهرجة والمظاهر الثعلبية .  ونزار نفسه يعترف بذئبيته فهو يقول فى " يوميات  قرصان " :

عزيزتي ، إذا رجعت لحظة لنفسي

أشعر ان حبنا جريمة

واننى مهرج عجوز

يقذفه الجمهور بالصفيق والشتيمة

أشعر انى سارق

يسطو على لؤلؤة كريمة

أشعر فى قراراتي

أن العبارات التى ألفظها

جريمة

أشعر أن ضحكتى . .

نوع من القمار

أشعر ان نهدك المزروع فى جوارى

كخنجر مفضض . .

ككوكب مدارى

يشتمني . .

يجلدني . .

يشعرنى بعارى

أشعر فى قراراتي

انك بعد نعجة غريرة

أما انا فمركب عتيق

يواجه الدقائق الأخيرة

يشعر نزار في قرارة نفسه بأنه مجرم  حقير يصطاد في مياه آسنة نتنة . . ورغم  وخز الضمير والشعور بالذنب والخطيئة  لا يثوب الى رشده بل يتمادي في غيه  وينغمس اكثر واكثر في طينه واوحاله  ويقول :

عشرون عاما يا كتاب الهوى

ولم أزل في الصفحة الاولى

انني لا أريد أن أكثر من عرض هذه  المهازل والكلمات العرجاء الكسيحة ، وحسبي  ما أوردته ولو أننى أوردته على مضض ولا  أقول لكم يا أعزائي القراء : ارجعوا الى  الديوان لاني بهذا القول أكون قد جنيت  عليكم ، وذلك بتدنيس أفكاركم الطاهرة  بمطالعته .

اشترك في نشرتنا البريدية