اقترب من الباب ووضع عينه على الثقب كانت الساعة لا تتجاوز التاسعة صباحا . وقد بدأت الحرارة تزحف على الظل " رآه فى نفس الوضع الذى كان عليه البارحة . . لم يتزحزح شبرا واحدا عن مكانه . . ثيابه ما تزال مجمعة تحت رأسه ، وبعض قطرات من العرق تلمع فوق جسده "
انه لا يتذكر من اجتمع هذا البيت المكون من غرفتين . منذ سنوات تقريبا ! ولكن هذا لا يهم . ان شبح الايام القادمة هو الذي يزحف على قلبه ويهد عزيمته . يجب الاهتداء إلى طرف الخيط ، ثم العودة لحظة لحظة الى بداية الحدث .
ضرب بقبضته ضربات قوية على الباب الفاصل بينهما كى يوقظه . . . ثم قرب عينه من الثقب مرة أخرى
لم يحرك الرجل ساكنا ، كان الضربات الحادة على الباب لم تصل الى أذنيه . . " يجب أن يقول شيئا " فهو الوحيد رغم كل شئ الذى يستطيع الادلاء بشهادة . . . وهو الذى يستطيع أن يحدد له الاتجاه . . . " من جديد أخذ يرج الباب ، وقد تملكه نوع من التشنج . " ايصيح ! أيلعن ! أيأتى بحجر كبير ويهشم به هذا الباب ! . . كيف يمكن لرجل فى سنه أن يظل مستسلما لنوع عميق فى هذه الرطوبة الخانقة ؟ " .
حين كلت قبضته . . بدأ يخاطبه وكأنه يستغيث . فى هذه اللحظة تململ الرجل . . مرر يده على جسده العارى . . رفع رأسه بعض الوقت . . ثم تهالك وأخذ يئن ابتعد هذه المرة عن الباب ، فقد أدرك أن الرجل لن يستغرق من جديد فى النوم . وانه قادم اليه بعد زمن
انزوى فى أحد أركان البيت ينتظر . كانت صور الذكريات تتدافع حوله وكان يدفعها . وكان يتسائل عن قيمة هذه الذكريات . انه شاب ، لو يتجاوز العشرين ربعا . ولا يعرف الا القليل الذي لا يطئ النار المتأججة فى حناياه .
استمع الى قزقزة الباب فلم يرفع عينيه وتحرك داخله شئ دفين كان يحاول تناسيه الى الابد . " هذه الصلة التى تربطه بهذا الرجل . . لا يمكن أن تنفصم بقرار . . فهو يقابله منذ سنوات كل صباح وكل مساء يكاد لا يعرف أحدا غيره . ولكن لماذا هو بالذات ؟ " .
كانت خطواته تقترب منه . . خطوات باهتة تكاد تذوب فى أرضية الغرفة . لما جلس قبالته أحس بأنه لا بد أن يرفع نظره ويواجهه . تكلم الرجل ببطء : - أليس عندنا ماء ؟ أجاب بحدة : لا
كلما حدق في وجهه أحس بأنه يحمل شيئا فى أعماقه ، كالنزيف الدائم . . كالخوف أو كالندم . وكان من الغريب أن ينطوى صدره طوال السنوات التى قضاها فى الملجا على حجر ضخم دون أن يحاول ازاحته : انه رجل من معدن آخر . . . لا يمكن أن يذهب منه شئ ولا أن يتسرب اليه شئ . لقد جاءا الى هذا الملجأ . . ساعة وقع الحادث . . ولم يغاده . . لم يفكر الرجل ان بخرج من هذه الدائرة . . فكأنه أحبها أو ربما كره كل شئ ، وأصبحت لديه كل الاماكن متشابهة . تردد قبل أن يقول بصوت حاد وهو ينظر الى شعر لحيته الابيض
- ألا تتذكر ما حدث ! أجاب ببرود : - أتذكر ماذا ؟ ضرب بيده على ركبته - قلت إنك لا تتذكر هل هي حية أم ميتة ؛ أطلق زفرة - وكيف أذكر ؟ غير وضع جلته لقد كانت معك ساعة الهجوم ادار رأسه الى جهة الباب كانت معي . . ثم انتهى كل شئ زحف فى اتجاهه حتى كاد وجهاهما يتلامسان - هل اطلقوا عليها النار
أجاب بمرارة : - كانت معى . . ثم لا أدرى ماذا وقع بعد ذلك وضع يده على كتفه وقال يرجوه : - هل اطلقوا عليها النار قال وهو يدفع يد الشاب من على كتفه سمعتها تصيح . . بعد أن عصبوا عيني ومددوني على الارض . . لم أعد أسمع غير الصياح وهو يبتعد . . ثم لم أعد أسمع شيئا
تراجع الى الخلف . ألم يكن باستطاعتك أن تفعل شيئا ؟ قال بنبرة حزينة - فعلت كل الذى كان بوسعي أن أفعله
نهض من مكانه متثاقل الساقين يحس بمغص يجتاح كل جوارحه . لوهده التعب فمات واستراح . ؟ الايام الماضية لم تحمل له نقطة ضوء واحدة . كان يتقدم وسط نفق ضيق مظلم وكانت فى كل لحظة تقف أمامه امرأة ذات قوام رشيق ، جميلة الملامح . ولكن كل شىء فيها تغير . . تتردد أمام عينيه . ثم تغيب ، عملية متجددة كالليل والنهار . كان يشعر بالداء يحفر قلبه فيقفز
فى فراشه فى الليل مرات متتالية ، ويصيح دون أن يتذكر محتوى هذا الصباح . ولم يستطع مرة واحدة أن يقنع نفسه بأنها قد ماتت ولن تعود . . فقد كان يتصور أنها ما تزال على قيد الحياة فى قبضة الذين هجموا عليها منذ خمس عشرة سنة .
تنقل في مساحة الغرفة بعض خطوات . ارتمى على الحائط بكل قواه . . التصق به وقال مستغيثا - انها أمي . . ويحق لى أن أعرف عنها كل شئ اختلجت عينا الرجل وهو يلازم جلسته . وأحس وهو يهم بالكلام ان الحرارة داخل الغرفة قد ارتفعت أكثر مما تتحمل طاقته
- أتعرف كيف جئنا إلى هذا الملجأ ؟ تنحى الشاب عن الجدار - عندما سلبوك منها اعتدل فى جلسته
لا لقد كان الطقس باردا جدا . . وكنا لا نملك شيئا . . وكان الوقت ليلا لو تعرف ! . كل شئ كان يوحى بالموت . . كان لا بد ان اختار بين امرين . . لقد فتكوا بكل شئ فى البيت . . حتى الجدران خربت . . كانت على وشك الانهيار . . لو تعرف . كان كل شئ يتبخر . . ولم يعد هناك اى طعم لاى شئ . صدقني كان لا بد أن اختار بين امرين
صمت فحأة كأنما ليستجمع أفكاره - أمعك سيجارة ؟ قال بسرعة - لا . . أنت تعرف ذلك استدرك معتذرا :
اه لقد نسيت . . لم نغادر البيت بعد هجموا علينا . . وبعد ان حملوها وهي تستغيث . وكنت آئذ مشلول الحركة . . كنت مقيد الساقين واليدين هل كان بوسعك أن تفعل أنت شيئا لو كنت مكاني تصور . كانت تستغيث .
تهدجت نبرات صوته . . شعر بدمعة تنحدر على وجنته وتضيع فى الشعر الكث . . قال مسترسلا :
- انها أمك ما فى ذلك شك . ولكنها أقرب منى اليك ، لقد عرفتها قبلك أنت ثمرة ذلك الحب الكبير الذى أكنه لها . . يجب ان تعلم ذلك . حين انصرفوا بها كان لا بد أن افعل شيئا . طبعا لم يكن باستطاعتى انقاذها . انا بمفردى . . بهذه الذراع الواهنة أتدرك . . لم أكن أبدا أستطيع ولكنى كنت انتظر أن يأتي امر من السماء من الرب يعيد الامور الى مجراها . . ثم يئست
كان صوته مبحوحا . . وكلما تكلم ، كلما اشتدت حرقة عطشه . وحين تقطع قليلا عن الكلام يلتقط أنفاسه قال الشاب - لو كنت مكانك لفعلت شيئا رنا اليه بنظرة معاتبة
لو كنت مكانى لما فعلت شيئا . حين غادرنا المنزل كانت كميات البرد تتهاطل دون هوادة . . وكنت أحملك على كتفي . كان الوقت ليلا . . وكنت تبكى وتطلب منى أن أحملك الى أمك . . تماما مثل ما أنت تفعل الآن . ولكن ما الذى دفعنا الى مغادرة المنزل ؟ . كانوا يقدمون كل يوم بأسلحتهم ويبولون على الجدران . . وكان بامكاني ان اقتل واحدا منهم وأموت ولكن . . يجب ان تدرك لماذا لم أفعل ذلك قبل أن يحملوا " طيبة " كانوا يأتون أيضا ويطلبون منا النزوح ويعرضون علينا المال . . ولكننا كنا نرفض . لم يكن بوسع أمك ان تنزح . . لقد كانت طيبة ضاربة فى الارض لا تتزحزح
تسلل شعاع شمس حارق من الكوة وانصب على صدغه الايمن . . نهض يتلمس مكانا آخر فى الغرفة . . وكان العرق يبلل ظهره التقت نظراتهما مدة قصيرة . استندا على الجدار فى اعياء .
قال الشاب : - ان الطريق مفتوحة أمامنا ، ويمكن لنا العودة ربت الرجل على كتف الشاب دون أن ينظر اليه - لم أقل أبدا انها مسدودة . . ولكن يجب أن يكون لك نعل جيد ، وقدرة على السفر . . ثم لا بد من الاتفاق أولا . لقد خارت ركبتاى . . وهب أنى أعود ماذا بامكاني أن أفعل ؟
اندفع الشاب صائحا وهو يدير نظره ناحية أخرى . - ألم تقل أنك لست واثقا من موتها ؟ - آه . . قلت ذلك - اذن قد تكون على قيد الحياة ؟ - لقد كانت طيبة . . امرأة طيبة جدا . كانت بالنسبة لى كل شئ . فهي الظل والدفء والماء . . وهي الهواء الذى أتنفس ، والشمس حين تطلع على مشارف الحبل . . وهي القمر الساهر ، والبحر . . كانت طيبه . انظر انني نسيت ذلك ؟ لقد قطعت طرقا طويلة أن اصل الى هذا الملجأ وطوال السر كنت أبحث عنها . ولكنها ماتت
التفت الشاب بعنف . - ماتت ! أتقول ماتت ؟ هبط الرجل على ركبتيه وانحنى الى الامام يتهيأ للجلوس . وسأل : - متى يوزعون الماء ؟ استعد الشاب للجلوس وهو يقول - غدا مساء على أكثر تقدير . كيف جئنا الى هذا الملجأ تململ الرجل يستحث الذاكرة
كانت الطريق الى الملجا كالانحدار من أعلى القمة الى أسفل . . كانت بسرعة خاطفة رغم أن المسافة كانت طويلة . . وكنت وأنا انقل الخطى كأنني ارفع ساقي في كل خطوة من وحل كثيف . . وكنت أود لو أتريث قليلا لقد كان البرد أشد من أى وقت مضي . . والطرق موحدة والسماء كثيفة السحب . . والشمس قليلا ما تظهر . لم أتصور أنى سأتنفس هواء نقيا بعد ذلك .
لوح الشاب بيده فى الفضاء . . ارتعدت فرائصه . - لم تفكر فيها بعدئذ ؟ واربتها التراب . ذبحت كل الخيوط التى تشدنا اليها . ومنذ كم من السنوات ونحن ننتظر ؟ . حقا ان الاجوار طيبون . . ولكن فى بعض الاحيان يمنعوننا حتى عن الصياح . . يجب أن نطلب منهم اذنا لكى نصيح . . لكي نقول " لا " ولكى نقول " نعم " . والصدقة ! أيمكن ان
نقضى كل الوقت نترقب صدقة تأتى من الاجوار . . ثم هم يمنعوننا من التفتيش عنها . . يستغربون أن تتشنج أعصابنا ونحن نبحث عن أمي
اتكا الرجل على مرفقه ومدد ساقيه . - البحث عن طيبة " يجب أن يبدأ من جديد وبطريقة أخرى . . اني متيقن من ذلك . . عندما كانت خوذاتهم تلمع تحت وهج الشمس وهم يعبثون بأدباشنا ومتاعنا . . عندما كانوا يضعون فوهات بنادقهم فى صدورنا ويطلقون القهقهات وعيونهم مشدودة الى كنت أعلم أن لا بد من طريقة جديدة . كنت أعرف أنهم يبحثون عن طيبة وسيطردوننا
رفع مرفقه الى فوق ، ومدد ذراعه . ثم الصق بطنه الارض جيدا . . كان بفتش عن برودة التراب ليقاوم بها لاعج اليبس فى حلقه . قال الشاب : - لن ينطفئ الحريق . . ان الاجوار يساعدوننا . . ولكن كان بالامكان ان نعثر عليها ما دمت لست متأكدا من موتها . اتكأ على جانبه وواصل
- حدثني عنها كان الرجل يلتمس بحركات متعددة برودة التراب . . وكان وهو يتحدث بيس بخشخشة فى لسانه . . كان يود أن يدخل فى أعماق التربة . . وكان يعرف أن خارج البيت تعصف ريح حارة تحمل شارات صفراء كالحة . خطوة واحدة الى الساحة ويحترق كما تحترق السيجارة . . قال وكأنه يخاطب نفسه :
- كنت أقول لها : انهم سيهجمون ذات يوم . . وسيبددون ما نملك وكانت تقول لى كل مرة . . أنت قوي وصلب لن يتغلبوا علينا . كنت أقول لها . . انهم شياطين وسيدوسون كل شئ . . وكانت تقول لى سنواجههم كنت أقول لها وأنا امضغ ألمي . . سيطردوننى . . سيفرقون بيننا وكانت لا تفتا تردد . . سنلتقي ولو بعد زمن طويل . . وكانت طيبة تشعر بالخجل وبالاعتزاز فى آن واحد . . ولكنني لم أكن قادرا على دفع أسلحتهم ونارهم . كانوا شياطين حقا . . قالت " طيبة " : لن يأخذوا مني شيئا مهما فعلوا ولكنهم جاؤوا . . اغتصبوها . . هربوا بها . . وخرجت أحملك على كتفي . أحملك على هذه الكتف الواهنة وضع الشاب كفه على جبهة الرجل . . كانت الحمى تنهال عليه . قال له
- أنت مريض . . ولا بد من اليام بعمل ما . تحامل على نفسه . . رفع رأسه قليلا واستعان بيديه ليجلس - لا لست مريضا . . ولكنها اشياء تحدث . . أطلب منك أن تذهب . ان اجوارك طيبون ولكنهم لا يعطوننا بعض ما نحتاج اليه . . ألم تقل لى ان المكوث هنا في هذا الملجأ لعنة . . ثم تحدثت عن الاجوار بشئ من الاسف قلت كان من واجبهم ان يمدوا يدا أطول من هذه
حاول أن يقف على قدميه فسقط على الارض قال : انه العطش ولا شئ اخر . . ثم حاول من جديد حتى استوى على قدميه . . مال بكتفه اليسرى حتى لامس كتف الشاب .
لقد حملتك على هذه الكتف حتى هرمت . والآن يمكن لك أن تذهب لقد اغتصبوا " طيبة . وربما قتلوها . . " طيبة " أمك . يمكن أن تأخذ الطريق إذا أردت .
اتجه نحو الباب الفاصل بين الغرفتين . ارتمى عليه بكامل جسمه فانفرج قليلا . . تسلل الى الداخل ثم أعاد غلق الباب وراءه
وضع الشاب عينه على الثقب . رآه يتهالك ، يمد ذراعيه وساقيه وبعض عينيه . . واستمع الى أشياء يقولها ولا يفهمها ثم اختفى الصوت
ألقى نظرة عابرة ، ومرق الى الخارج . . كان لابد من الذهاب أحس بموجة من الريح الحارة تصفع وجهه . كانت السماء متجهمة صفرا ، . . تراقصت أمام عينيه أشياء كالسراب ، فاندفع يمشى . ومع كل خطوة كانت تلوح طيبة ثم تختفى . تمحي صورة الجيران . . وتبتعد . . يقفز الرجل من على الارض ويصفعه " فتش . . فتش عن طيبة " .
حين نظر الى فوق كانت الشمس قد بدأت تغوص فى الغرب . . وأخذت الحرارة تنخفض . . وكانت تنتصب أمام عينيه كالجبل الشامخ لا يهرم ولا تقهر ولا يموت . " طيبة " كرسم لا يمحي من الذاكرة والوجود تسحس خنجره ، وواصل السير ينتظر الفجر
