2 ايمان الشابى ببعض العناصر المكونة للعقلية العلمية
وهذه العناصر هي : أ ) وجوب دحض السذاجة . ب ) وجوب النقد البناء وعدم التقليد .
أ) وجوب دحض السذاجة :
والشابى يؤكد على هذا فى عدة مناسبات . ففى المذكرة الخاصة بيوم 5 جانفى 1930 يقول : (( أمسية جميلة هى التى قضيتها هذا النهار ، جميلة بوجه أخص لانها كانت فى نزهة خلوية الى البلفدير ، جميلة بوجه أخص لانها لم تصرف فى تلك الاحاديث السخيفة المبتذلة ، وانما صرفت في حوار ان لم يكن فنيا كله ، فان فيه كثيرا من طابع الفن وميسمه (11) .
وفى المذكرة المتعلقة بيوم 7 جانفى 1930 يقول متحدثا عن عزلته الفكرية : (( لكننى حينما تحدثت عن الحقيقة لم أتحدث عنها بتلك الاحاديث التافهة التى الفوا ان يسمعوها عن جداتهم فى سكون الليل ، وهم بين تهويم النوم ومناجاة الاحلام )) (12) .
ويمكن أن نقول : إن الشابى يتهكم من السذاجة الفكرية فى المذكرة الخاصة بيوم 8 جانفى 1930 والعامل هو الذى يمثل هنا ذلك الفكر الساذج هذا زيادة على كونه مركزا للثقل النوعى (13) .
ويمكن أن نقول أيضا : إنه يتهكم من سذاجة طلبة جامع الزيتونة الذين لا يعبؤون بدروس السيد لاموت حول العقل الباطن والعقل الواعى وذلك فى مذكرة يوم 28 جانفى 1930 (14) .
وأخيرا يمكن أن نقول : إنه يتهكم من الفكر الساذج عندما يقول فى مذكرة 5 فيفرى 1930 ما يلى : (( فدخلنا فى مواضيع أخرى كلها نقد وشدة . ومن بينها مسألة الزوايا و (( البندير )) فقد تشددنا فى هاته المسألة وهجمنا عليها هجوما عنيفا )) (15) .
ولنلاحظ اولا أن الشابى لم يستعمل أبدا كلمة السذاجة على كل حال فى النصوص التى وقع ذكرها وانما استعملنا هذا اللفظ لا للدلالة على تلك الحالة الفكرية التى يريد الشابى دحضها ومحاربتها ونحن نقصد بكلمة السذاجة تلك الحالة الفكرية التى تسبق المعرفة والتى تكون فى تناقض معها ، نقصد اذن بهذا اللفظ الماقبمعرفة (16) ويقابل هذه الكلمة فى الفرنسية لفظا : ( La Niavé ) و ( L' opinion ) والشابى يتحدث عن السخافة والابتذال والتفاهة الخ ... وكلها الفاظ تقربنا من لفظ السذاجة الذى يدل فى اعتقادنا اكثر على المعنى الذى نريد ابرازه عند الشابى . ومهما يكن من أمر فمضمون النصوص التى ذكرناها يدل على السذاجة كما حددناها : ففى النص الاول هناك تناقض بين الاحاديث السخيفة المبتذلة والمعرفة المتمثلة هنا فى المعرفة الادبية وفى النص الثانى الاحاديث التافهة تعنى احاديث الجدات الجاهلات التى تعنى السذاجة بعينها والتى تتناقض مع احاديث اهل المعرفة ويمكن ان نقول ان ذلك العامل الثقيل يمثل الجهل وعدم المعرفة وفى النص الاخير لم يكتب الشابى لا كلمة السذاجة ولا لفظ الابتذال الخ ... وانما حدثنا عن الزوايا والبندير وقال انها محل نقد شديد من طرفه وطرف اصدقائه . وكأنى بالشابى هنا يتحدث عن السذاجة اى عن تلك الحالة التى تسبق المعرفة الناضجة وتتناقض معها وانه يدحض هذه السذاجة ويدافع عن المعرفة الناضجة .
ولنلاحظ ثانيا ان الكاتب يبرز هذا الموقف عند حديثه عن الاعمال الفكرية بصفة عامة ( وخاصة الادب ) والاعمال العلمية بصفة خاصة ونقصد
هنا بالاعمال العلمية اعمال فرويد حول التحليل النفسى وبالتحديد حول العقل الباطن والعقل الواعى . وقد أشرنا الى هذا عند ذكرنا للنصوص التى يدحض فيها الكاتب الفكر الساذج .
وفى الواقع وضع الشابى هنا اصبعه على خاصية هامة جدا من خاصيات العقلية العلمية ذلك ان الفكر العلمى بصفة عامة يتناقض مع الفكر الساذج او ما سميناه فى مناسبة أخرى بماقبعلم (17) لناخذ امثلة سريعة لتدعيم هذه الفكرة . فالفكر الساذج يقول لنا ان الارض هي مركز الكون وانها سطحية والفكر الساذج يقول لنا ان النجوم صغيره جدا . اما العلم وبالتحديد العلم الفلكى فقد اثبت لنا ان الشمس هى مركز الكون وان الارض بوضاوية ( Elliptique ) والعلم اثبت ان هناك نجوم كبيرة جدا . وتوالى العلماء لاثبات كل هذه الحقائق ولابعادنا عن الفكر الساذج وهنا نذكر بالخصوص كوبرنيك وكبلير ونيوتن (18) .
ثم دخلت كل هذه المعلومات شيئا فشيئا وبنسب مختلفة فى الفكر الساذج واصبح كثير من الناس يؤمنون بها ويفكرون من خلالها . غير ان هذه السذاجة الجديدة ان صح هذا التعبير لم يخطر لها على بال ان الزمن لا يسير بنفس السرعة على سطح الارض وعلى سطح القمر وان له ارتباطا شديدا بالمكان الخ ... وجاء اينشتاين ليثبت كل هذا وليدخل الفكر العلمى فى تناقض مع السذاجة الجديدة .
ومهما يكن من أمر فباشلار وهو من أبرز المختصين فى تحديد العقلية العلمية يحدد الفكر العلمى كفكر مناقض أساسا للفكر الساذج . واننا لنجد التجديد هنا وهناك فى مؤلفات باشلار وعلى كل حال فهو معروف بهذه الفكرة (19) .
وخلاصة القول هى ان الشابى يؤمن بفكر يقول لا للسذاجة وهذا لعمرى جانب هام جدا من جوانب الفكر العلمى بل لعله الجانب الاساسى والشابى
يؤمن ايضا كما سنرى بفكر يقول لا للافكار والمعارف السائدة المتداولة وسنرى ان الكاتب يضبط هنا مرة اخرى خاصية هامة من خاصيات العقلية العلمية . لنصل الى هذا الباب بالذات .
ب : وجوب النقد البناء وعدم التقليد :
يدافع الشابى وذلك فى المذكرة الخاصة بيوم 5 جانفى 1930 عن الفكر الحر الخلاق الذى همه الخلق لا المدح والاطراء والجوائز الخ ... ويتهجم على الفكر المقلد . وهو يقول مثلا فى نفس المذكرة : (( والتماس هاته الحقيقة لا يكلفنا عناء البحث . فان اكبر الشخصيات فى عالم الادب والفنون إنما هى تلك الرؤوس المفكرة التى تعتز بما لها من مواهب ، وبما عندما من شعور والتى تشعر ان لها كيانا مستقلا لا يمكن ان يندمج فى سواه ، وان لها عزة لا ينبغى ان تهان ، فى حين ان احقرها هى تلك التى يضعف شعورها بنفسها وبما لها من عزة وكرامة فتزج بنفسها فى سبيل المهانة والذل والتقليد ولا تشق لنفسها سبيلا بكرا للمجد والحياة )) ومن الواضح ان الشابى هنا مع فكر غير مقلد ، مع فكر مستقل يشق لنفسه طريقا بكرا ، وفى كلمة واحدة انه مع فكر خلاق يخرج عن نطاق المعارف المتداولة والانماط المعروفة .
وهذا الفكر الذي يدافع عنه الشابى لا بد ان يكون ناقدا ، لا بد ان يتحلى بالنقد اذ يمكن ان نقول ان عدم التقليد والنقد توأمان فالنقد هو الطريق المؤدية إلى الخلق والابداع وعدم التقليد ومن الطبيعى اذن ان ينوه الشابى بالنقد وبالفكر الناقد وهذا ما قام به فعلا فى مذكرة 21 جانفى 1930 (21) اذ يقول مثلا : (( كانه يحسب سامحه الله ان انتقاده على ربما يثير حفيظتى ويحرك فى نفسى عوامل الغضب . مع اننى لست من هاته الطائفة التى لا تفهم من النقد الا عداء وسبابا . ولا ترفع قلمها الا لغاية سافلة وغرض دنى لست والحمد لله من هاته الطائفة . ولكننى ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه . وممن يسرون بكل انتقاد لا تكون غايته غير الحقيقة ، ولا مصدره غير الاخلاص ... )) ومن الواضح هنا ان الشابى مع النقد البناء المخلص .
وخلاصة القول هى ان الشابى مع فكر خلاق غير مقلد وناقد ، مع فكر ينسلخ عن المعرفة المتداولة لخلق اشياء اخرى وطرقا اخرى ومعارف اخرى .
ولنلاحظ ان الشابى يبدى ايمانه بهذا الضرب من الفكر وهو يتحدث عن الادب ، فالمعارف التى يقصدها هى اذن المعارف الادبية والطرق التى تشغل باله هى الطرق الادبية .
لكن هذا ينطبق ايضا على الفكر العلمى . فالفكر العلمى الخلاق هو ذلك الفكر الذى ينقد ولا يقلد الفكر العلمى المتداول ونحن هنا فى الواقع فى مستوى البديهيات . فلو لم يقم نيوتن بنقد الفيزياء التى كانت متداولة فى عصره مثل فيزياء ديكارت وفاليلى (Galillée) لما وجد العلم النيوتونى وبالتحديد الميكانيكا النيوتونية التى تعتمد على اسس منهجية مغايرة تماما لتلك التى يرتكز عليها العلم الديكارتى . فالعلم النيوتونى أو ما سمى بالفيزياء الكلاسيكية هو ناتج فى الواقع عن فكر خرج من بودقة التقليد الى مجال الخلق ويمكن ان نقول نفس الشئ بالنسبة الى العلم الاينشتاينى الذى هو بدوره نتيجة حتمية لعدم تقليد نيوتن من طرف صاحب فيزياء النسبية الذى كان له موقف نقدى ازاء العلم النيوتونى كل هذه الامور سهلة الفهم والمقام لا يسمح على كل حال بتفسيرها (22) .
ومهما يكن من امر فباشلار احد المختصين فى تحديد العقلية العلمية يشاطرنا الرأى اذ نراه فى مناسبات عديدة يحدد الفكر العلمى بكونه فكرا ناقدا للعلوم السابقة والمتداولة وهو فكر خلاق يقول لا لكل هذه العلوم وهو يقول مثلا فى فلسفة اللا : (( ومع ذلك فمن الضرورى ان نصل الى استنتاج كهذا ان كان دأبنا تحديد فلسفة المعرفة العلمية باعتبارها فلسفة مفتوحة ، ووعى عقل يؤسس نفسه عند اشتغاله بالمجهول ، وبحثه فى [صميم] الواقع عما يناقض المعارف السابقة وجب قبل كل شئ أن نعى ان التجربة الجديدة تقول لا للتجربة القديمة اذ بدون ذلك لا يتعلق الامر ، بالطبع ، بتجربة جديدة ولكن هذه اللا ليست أبدا نهائية بالنسبة الى عقل يعرف مجادلة (Dialectiser) مبادئه ... )) (23) . والتجربة الجديدة تعنى العلم الجديد ، أما التجربة القديمة فتعنى العلم القديم .
وخلاصة القول هى ان الشابى يؤمن بفكر يقول لا للفكر السائد وللمعارف السائدة ويقول لا للسذاجة أى للفكر غير العارف وهذا لعمرى ما ينطبق تماما على تحديد باشلار للفكر العلمى وهذا لعمرى ما ينطبق فعلا على الفكر العلمى كما يبرزه تاريخ العلوم والشابى لم يطلع على تاريخ العلوم بصفة جدية ولم يطلع على باشلار وهو لم يحاول تحديد العقلية العلميه بصفة صريحة . لكنه ضبط رغم ذلك خاصيتين أساسيتين للعقلية العلمية .
الخاتمة :
هكذا يمكن اذن ان نتحدث ولو بصفة مجازية ان صح هذا التعبير عن العقلية العلمية عند الشابى .
ونحن نريد فى هذا المقام القيام بدعوة ملحة الى اعتبار الشابى من هذه الزاوية بالذات . ونحن نعتقد ان هناك على الاقل مستويين اثنين آخرين فى هذا الصدد .
أ - اعتبار المفاهيم الشابية التى يمكن ان يكون لها معنى علمى والتساؤل إذا ما كانت فعلا لهذه المفاهيم خلفيات علمية ونحن نقصد مثلا هنا مفاهيم الزمن ( الدهر) والحياة والطبيعة الخ ...
ب - دراسة هيكلية قصائد الشابى والتثبت من درجة شدة الروابط المنطقية فيها فهيكلية (( النبى المجهول )) مثلا هيكلية تكاد تكون رياضية - هل يمكن أن نقول نفس الشئ بالنسبة الى القصائد الاخرى ؟ (24) .
ويمكن للباحث ان يصل الى بعض النتائج كما يمكن ان لا يصل الى شئ . ومهما يكن من امر فالنتيجة فى كل الحالات ايجابية .
