بقلم : الدكتور سليم عمار الاستاذ المبرز بكلية الطب
1 ) معنى الامراض النفسية الحديث
أصبح علم الامراض النفسية اليوم فرعا هاما من العلوم الطبية يكاد يستلزم من طالبه أوسع ثقافة عامة لا فى حقل الطب العام فحسب بل في حقل العلوم الاجتماعية والانسانية جمعاء ، حيث أن مكان ارتكازه فى مفترق كل هذه العلوم . فكثيرا ما نجد مثلا بصفة جلية واضحة اصابات عضوية جسمانية ملموسة تتسبب فى اضطرابات عصبية عديدة ، وحتى فى انحرافات نفسانية مماثلة . كما اننا نعلم من قديم الزمان - والعلم الحديث أكد ذلك اليوم - أن العوامل النفسانية البحتة - على مختلف انعكاساتها فى مستوى الفرد والبيئة والمجتمع - كانت ولا تزال من الاسباب الرئيسية التى ينجم عنها العديد من الاضطرابات العقلية المختلفة الانواع والمظاهر والتطورات . لذا اصبح علم الامراض النفسية يبحث عن مظاهر الاضطرابات التى تزداد كل يوم حدة وتشعبا بعدما اصبحت الحياة معقدة جدا فى عصرنا هذا الذي ما انفك يخوض الانسان فيه صراعا مستميتا لتحقيق رغباته الوجدانية . وان كل هذه العوامل قد ازدادت خطورة مع تطور المجتمعات وارتفاع مستواها ، وبالخصوص مع تفكك أصول العائلة القديمة وتعدد الأزمات النفسية الناجمة عن صعوبة الانسجام فى الاوضاع الجديدة وكثيرا ما تجتمع كل هذه العوامل النفسانية والاجتماعية وكذلك ارتكاساتها العضوية والفيزيائية معا فى نطاق ديناميكية موحدة ، متكاملة ، فتصبح فى آخر الامر المحرك الأوحد لجميع الحالات المرضية أو غير السوية التى يعانيها الانسان فى عصرنا هذا .
2 ) ما هو العقل إذن ؟
يتميز لنا مما سبق انه ليس هناك وظيفة مستقلة تدعى بالعقل . فما العقل إلا جواب العضوية المجرد على مجموعة القوى الفيزيائيه والنفسانية الاجتماعية التى تواجهها ولا يبقى اليوم لخرافة انفصال الجسم والعقل العتيقة وجود .
فيما العقل والحسم اذن الا مظهران مختلفان لوحدة أساسية . فلا يسعنا الا ان نستعمل كلمة العقل لنعني بها صفات العضوية عندما تتلاءم أو ترتكز كوحدة شاملة .
فالتغيير الظاهر لارتكاس هذه الوحدة يدعى بالسلوك ، وما السلوك الا مجموعة الجواب على المؤثرات المختلفة سواء كانت باطنية ناجمه عن داخل ذاتنا أو ظاهرية ناتجة عن المحيط الخارجي . فالسلوك اذن ليس بجواب منفصل بل هو يمثل ارتكاز الشخصية على مختلف مصادرها الوراثية و البيولوجية والنفسانية والاجتماعية والثقافية فاذا قال شخص : ( أنا حزين ( فلا يسأل نفسه فى أى موضع من شخصيته هو حزين ، بل إن حزنه أو فرحه يمثل ارتكاسا كليا لعضوية حيوية كاملة يختص بها وتعبر عن نفسه بالذات بصفته كائنا حيا فريدا بذاته ذا سلوك معين فريد بنوعه ، وان هذا السلوك والاتزان لا يمكن ان يستقرا الا بالتلاؤم مع المحيط والمجتمع .
3 ) حقل الامراض النفسية وأسبابها
فغاية علم الامراض النفسية هى اعادة سلوك المريض على ضوء ما نعرفه اليوم من المعلومات التى تتعلق بالعوامل الكيمياوية والفيزيولوجية من جهة وبالمؤثرات النفسية والتربوية والاجتماعية والثقافية بصفة أعم من جهة أخرى ، تلك العوامل المتكاملة التى تداخلت فى نشأة وتطور انحرافه ومرضه .
فعلى هذا الاساس تبحث علوم الامراض النفسية فى مظاهر اضطرابات الشخصية ومنشئها وعلاجها ، سواء أساءت هذه الاضطرابات الى الشخص ذاته او الى علاقته مع الغير ، ثم انها تدرس ايضا وظيفة العمليات العقلية وتأثيرها ، فالحالات الانفعالية وارتكاساتها المختلفة من الاضطراب البسيط الذي يكاد يعتبر سويا الى الاضطراب الحاد الشديد الذى له انعكاسات خطيرة على الاتزان والسلوك بصفة عامة . وهكذا نرى أن علوم الامراض النفسية لا تنحصر فقط فى درس المظاهر السريرية ( يعنى التى نعاينها على سرير
عام كما انها لا تقتصر على بحث انحراف فيزيولوجية الدماغ المرضية الواضحة ، بل تتناول أيضا محاولات الشخص لارضاء حاجاته الغريزية والوجدانية امام المجتمع والمحيط وبالتالى مفعول التربية التى تعاكس غالبا هذا الارضاء . وهكذا يصبح العقل والجسم - وهذا أكده طويلا الاعلام القدامى - وحدة شخصية لا تنفصل أصولها ولا تفصم ولا يمكن النظر اليها كعنصرين منفصلين بل كمظهرين مختلفين لعضوية موحدة حية ، يمثل العقل الدور الذاتى لها لا وجودها . وبهذا يصبح علم الامراض النفسية فرعا هاما من علم الحياة بصفة عامة .
على أن علوم الامراض النفسية تفترق عن غيرها من العلوم الحيوية بانها تبحث في العضوية (Organisme) كوحدة كاملة متكاملة لا باعتبارها مكونة بل مزدوجة من اجزاء وذلك بعكس علم التشريح مثلا ، فتتكون العضوية من اعضاء تحقق باتصالها وبتعاون وظائفها وحدة منسجمة تربط بينها اولا وبالذات الحملة العصبية فتركز مظهرها الحيوى الجملة العصبية النباتية والغدد الصماء ( Systeme neuro - vegetatif endocrinien ) أولا ، وتؤمل ثاني الجملة العصبية المركزية ( Systeme nerveux central ) اتصالها بالمحيط بواسطة الحركة والاحساس . وان هذه العضوية المتكاملة تملك خصائص حيوية جديدة لا تتصف بها مركباتها من الاعضاء ، فيمكن ان نذكر مثلا من هاته الخصائص الشعور والادراك والرغبات والمحاكمة والتمييز الخ . . وهكذا فان علم الحياة الذي يبحث فى الخصائص الجديدة التى تمتاز بها العضوية عند البشر يعرف باسم علم النفس الحيوى (Psychobiologie ) وهو يدرس وظائف العضوية وتطورها بصفتها وحدة متكاملة لا تتجزأ ، بل انه يدرس بصفه آدق الشخص ككائن حي ذى سلوك ومحاكمة وتمييز . فالعقل هنا يصبح وظيفة كاملة لعضوية نجمت عن الحاجة للتلاؤم مع مختلف الشروط التى تجابههها ، وهو غير منفصل عن الجسم ، كما انه ليس بشئ أضيف الى الجسد فى مرحل من مراحل التطور .
وفي الختام ينبغي ان نذكر ان السلوك البشرى ، سواء ما يسمى السلوك السوى او السلوك المرضى ، انما يمثل دائما محاولة نفسية وحيوية لضمان تلاؤم ما مع شروط الحياة وظروفها ، فتستنتج من هذا كله اعتبارات هاما لفهم معنى سلوك البشر على مستوى الافراد والجماعات وذلك لا من ناحية المرضى فحسب بل حتى فى المظاهر السيئة السوية لهذا السلوك . وهذه المبادى لها ارتكاسات هامة بالنسبة للمواقف الفلسفية والعلمية والاجتماعية بصفة عامة .
4 ) الاستنتاجات فيما يخص الجهاز الصحى
فعلى هذا الاساس نفهم اليوم لماذا والى أى حد تطورت الاجهزة والمؤسسات العصرية المختلفة الانواع التى ترمي الى الوقاية من اضطرابات شخصية ، وفى تدهور سلوكها من جهة ، والى علاج الانحرافات الناجمة عن تهجمات المحيط الباطنى والظاهرى للانسان من جهة أخرى ، فأصبحت الطرق الرامية الى الوقاية والعلاج فى هذا الميدان متكاملة منسجمة بعضها مع بعض ، لا يمكن استعمال البعض منها دون الآخر فيتحتم أن يصبح الحقل الصحى والحقل الاجتماعى بالمعنى الاوسع متكاملين على هذا الاساس سواء فى مستوى فهم الاصابات او معالجتها . هذا وان هذه الطرق والاساليب اصبحت تتفرع و أقصى درجة ولكنها ملتزمة التكامل والتعامل المتبادل المستمر فيما بينها .
وهكذا نفهم لماذا ينبغى ان تتركز المصالح الرامية الى علاج الانحرافات العصبية والنفسية الى مؤسسات مفتوحة الابواب قائمة فى صدر المستشفيات العمومية ومتكاملة معها ذلك لتنتفع بكل الاختصاصات الطبية المجاورة ثم عليها أن تنتشر خارج المصالح الصحية ذاتها لتتسرب فى المحيط الخارجي وفى الحياة العادية سواء كانت منزلية او مدرسية او مهنية او اجتماعية بصفة أعم فتصبح هذه المؤسسات مصطبغة باشكال عديدة متنوعة الصفات من مستوصفات مصالح نهارية حيث يعالج فيها المريض بالنهار ويعود الى منزله ليلا ، او بالعكس من المؤسسات ليلية حيث يعالج خلالها المرء ليلا ويعود الى عمله اليومى طيلة النهار الى آخر ذلك من المصالح المتنوعة الاسس والاتجاهات ، لكنها دائما متكاملة منسجمة فى أداء رسالتها الشاملة باعتبارها تجابه مشكلا متشعبا يتعلق بمظاهر متكاملة لوحدة عضوية وحيوية واحدة لا تنفصل ما العقل الذى يرتكز عليها ، وذلك سواء فى الحياة العادية او فى الحالات المرضية ، وهكذا تصبح المبادئ والاكتشافات العلمية تتماشى مع الواقع فتمون التجربة وتغذيها ثم تنجم عنها فى نفس الوقت فترجع فى آخر الامر بارتكاسات تطبيقية مفيدة جدا بالنسبة لحياة الفرد والجماعات .
وهكذا تصبح الاكتشافات العلمية والمبادئ العضوية الناجمة عنها تؤكد التجارب اليومية ، وتستخلص منها فى آن واحد ، فتترتب عن ذلك استنتاجات مفيدة جدا بالنسبة لحياة الفرد واستقرار شخصيته وسلوكها السوى ، وفى آخر الامر بالنسبة لاستقرار المجتمع واتزانه بصفة أعم .

