يتوهم المستشرق "كارا دى فو" Carra de Vaux أن الشرق الاسلامى أهمل قديما شؤون التربية لان الاسلام فى رأيه لم يعتن بالاحداث بقدر ما اعتنى بهم الدين المسيحى واعتبر الطفولة طورا سعيدا من أطوار حياة الانسان وقلب الصبي الطاهر جوهرة نفيسة ساذجة منزهة عن كل خبث وشر (1) فلا داعى اذن الى توجيه الطفل وتربيته . ولقد نطق " كارادى فو " عن الهوى وما كان لينكر طرافة المربين المسلمين فى القرون الوسطى وفضلهم لو اطلع على نتاجهم التربوى وكان جله مخطوطا عندما ألف كتابه كرسالة " آداب المعلمين " لمحمد بن سحنون (2) وكتاب " تعليم المتعلم طريق التعلم " (3) للزرنوجى و " رسالة فى التربية والتسلك " لبرهان الدين الاقصرائى و " الرسالة المفصلة لاحوال المتعلمين وأحكام المعلمين والمتعلمين " (4) لابى الحسن القابسى والفصول التربوية الواردة فى مقدمة ابن خلدون وكتب الفلاسفة وغيرهم .
ويقيني أن الاسلام لم يناد باهمال الطفل وتركه على سجيته بل حث على صيانته بالتأديب والتهذيب والتعليم ، ولا أدل على ذلك من فرط اشتغال الفقهاء ورجال الدين بشؤون التربية والمربين ، ومن قول أبى حامد الغزالى حجة الاسلام فى هذا الشأن : " وان ... أهمل ( الصبى ) اهمال البهائم لشقى وهلك وكان الوزر فى رقبة القيم عليه والوالى له وقد قال الله عز وجل " يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا " . . . وصيانته بأن يؤدبه ( أى الصبى ) ويهذبه ويعلمه محاسن الاخلاق . . " (5) ألا ترى أن الطفل
فى المذهب الاسلامى يحتاج الى من يسوسه ويرعاه ويقوده ولكن كيف يساس ؟ أيؤخذ بالشدة أم يعامل باللين ؟
هذا المشكل تبادر الى عقول المربين المسلمين فى القرون الوسطى فانكبوا على دراسته مبينين الطرق الناجعة فى سياسة الصبيان (1) وقالوا وأطالوا . وغرضى ها هنا عرض آرائهم فى العقوبة ولاهمية العقوبة فى التربية انكب على دراستها اليوم علماء النفس التربوى فى باب دوافع التعلم والاكتساب Les mobiles de' apprentissage اعتنى بها علماء القانون الحنائى فى علم خاص سموه علم العقاب Science penitentiaire . وسأعتمد خاصة فى بحثى على آراء مربين افريقيين قصد اظهار ما كان للبلاد التونسية من حظوة وحظ فى الميدان التربوى مستنيرا بأضواء من علم النفس التجريبى .
تعريف العقاب وهدفه :
العقاب كما عرفه علم النفس هو " أن نسوم الالم أو العذاب كائنا ما بسبب خرقه لنظام أو اتباعه مسلكا لا يرضينا " (2) ويكون الايلام وهو الجزاء فى العقوبة ماديا ومعنويا ، غير أنه لا يقصد لذاته بل لاغراض اخرى هى التكفير عن الذنب أو الارهاب أو الاصلاح ..
التعلم بالعقاب فى الاسلام :
وشرع الاسلام العقوبة وبين ألوانها المختلفة باختلاف الجرائم واعتبرها المربون فى الاسلام وسيلة للتربية فأجاز محمد بن سحنون المتوفى سنة 255 ه ضرب الصبيان على منافعهم كما أجازه أبو الحسن القايسى المتوفى سنة 403 هـ باعتبار الضرب حافزا للتعلم فقال " واذا استأهل (الصبى) الضرب فاعلم أن الضرب من واحدة الى ثلاث . . . وهذا هو أدبه اذا فرط فتثاقل عن الاقبال على المعلم فتباطا فى حفظه أو أكثر الخطأ فى حزبه أو فى كتابة لوجه من نقص حروفه ، وسوء تهجيه وقبح شكله وغلطه فى نقطه ، فنبه مرة بعد مرة ، ولم يغن فيه العذل " (3)
وبحث أبو الحسن المربى على أن يلجأ قبل الضرب الى العذل والتقريع بالكلام " الذى فيه التواعد من غير شتم ولا سب لعرض كقول من لا يعرف
لاطفال المؤمنين حقا فيقول : يا مسخ ، يا قرد ، فلا يفعل هذا ولا ما كان مثله فى القبح ، فان قلت له واحدة فلتستغفر الله منها ولتنته عن معاودتها (1) ويمج المربى هذه العقوبة الفاضحة لانها تجرح الشعور والاداب وتثير نفس الصبى وتخلق فيها كراهية وبغضا للمعلم المتجاوز حدود التربية السليمة ، غير أن أبا الحسن القابسى لا يصرح بذلك وانما يعلل رفضه للعقوبه الفاضحة بأن قبيح الالفاظ يجرى من لسان المربى اذا تمكن الغضب من نفسه فيضرب عندئذ بدافع التنفيس عن غضبه فيكون ضربه انتقاما . ولعمرى انه تعليل حسن ، فاقرأ قوله :
" وانما تجرى الالفاظ القبيحة من لسان التقى اذا تمكن الغضب من نفسه ، وليس هذا مكان الغضب وقد نهى الرسول عليه السلام أن يقضى القاضى وهو غضبان ، وأمر عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه بضرب انسان فلما أقيم للضرب قال : اتركوه ، فقيل له فى ذلك فقال : وجدت فى نفسى عليه غضبا فكرهت أن اضربه وأنا غضبان . قال أبو الحسن : كذا ينبغى لمعلم الاطفال أن يراعى منهم حتى يخلص أدبهم لمنافعهم . " (2)
ويصف الغزالى فى كتاب " احياء علوم الدين " أثر الغضب فيقول : " وأما أثره فى اللسان فانطلاقه بالشتم والفحش من الكلام الذى يستحى منه ذو العقل ويستحى منه قائله عند فتور الغضب ... وأما اثره على الاعضاء فالضرب والتهجم والتمزيق والقتل والجرح عند التمكن من غير مبالاة . . " (3)
رفض العقاب الانتقامى :
فحتم على المربى حسب القابسى والغزالى ومحمد بن سحنون قبلهما أن يسقط الانتقام من أغراض العقوبة وأن يجتنب ضرب الصبيان بدافع التنفيس عن رغبة انتقامية " مكبوتة " وأن ينظر الى العقاب كوسيلة للتربية فحسب . فاقرأ لتتيقن من ذلك قول أبى الحسن : " كذا ينبغى لمعلم الاطفال أن يراعى منهم حتى يخلص أدبهم لمنافعهم وليس لمعلمهم فى ذلك شفاء من غضبه ، ولا شئ يريح قلبه من غيظه ، فان ذلك ان أصابه فانما ضرب أولاد المسلمين لراحة نفسه " (4) ان هذا القول يبشر بنظرية علماء النفس فى تفسير دوافع العقاب . فالرأى عندهم أن بعض المربين يعاقبون تلاميذهم مدفوعين بالتنفيس عن عقدة التسلط والخضوع التى تكونت فى صغرهم حين كانوا مثلهم هدفا للعقاب والقسوة من جانب أوليائهم ومعلميهم . (٥)
نوع الضرب وحدوده :
واذا كان لا بد من العقاب فينبغى حسب محمد بن سحنون وأبى الحسن القابسى أن يكون رقيقا قصيرا . وقد حددا عدد الضربات من واحدة الى ثلاث واذا زاد الضرب على ثلاث فلا بد من استئذان ولى أمر الصبى . فها هو محمد ابن سحنون يقول :
" ولا بأس أن يضربهم على منافعهم ولا يجاوز بالادب ثلاثا ، الا ان يأذن الاب فى أكثر من ذلك اذا آذى ( الصبى ) أحدا . ويؤدبهم على اللعب والبطالة ولا يجاوز بالادب عشرا ، وأما على قراءة القرآن فلا يجاوز أدبه ثلاثا " (1) ويقول القابسى : " فان اكتسب الصبى جرما من أذى ولعب وهروب من الكتاب وادمان البطالة فينبغى للمعلم أن يستشير أباه أو وصيه ان كان يتيما ، ويعلمه بحرمه اذا كان يستأهل من الادب فوق الثلاث فتكون الزيادة على ما يوجبه التقصير فى التعليم عن اذن من القائم بأمر هذا الصبى " (2)
ومهما يكن من أمر فلا يزاد على الثلاث ضربات الا اذا كان الصبى " يناهز الاحتلام . . . سئ الرعية غليظ الخلق لا يريعه وقوع عشر ضربات عليه ويرى للزيادة عليه مكانا وفيه محتمل مأمون " (3)
أما الضرب الذي يبيحه القابسى فهو " ما يؤلم ولا يتعدى الالم الى التأثير المشنع أو الوهن المضر " (4)
وأما آلة الضرب فهى الدرة أو الفلقة " وينبغى أن تكون الدرة رطبة مأمونة لئلا تؤثر أثر سوء " (5)
ولا يوقع الضرب الا فى الرجلين لانهما " أحمل للالم فى سلامة " (6) وأما رأس الصبى ووجهه فيجتنب ضربهما ويستشهد القابسى بقول الامام سحنون " لا يجوز له أن يضربه فيهما ، وضرر الضرب فيهما بين ، قد يوهن الدماغ أو تطرف العين أو يؤثر أثر قبيحا فليجتنبا " (6)
العدالة فى العقوبة :
واذا استأهل التلميذ الضرب فى بعض الاحايين واذا كان لا بد منه فينبغى أن يكون عادلا يتناسب مع جسامة جرمه ودرجة مسؤوليته فهو القائل " وفى بعض الاحايين يوقع الضرب ... بقدر الاستئهال الواجب فى ذلك
الجرم " (1) وهو القائل أيضا : " وانما هى أعراض المسلمين وأبشارهم فلا يتهاون ينيلها بغير الحق الواجب " (2) وينصح المعلم بأن يوقع من واحدة الى ثلاث ضربات اذا استأهل التلميذ الضرب وبأن يستعمل جهده " لئلا يزيد فى رتبة فوق استئهالها " (3)
وأجمع فقهاء الشريعة على أن الضرب يباح للتأديب لكن على شرط ألا يكون شديدا ولا شائنا . فاذا لم تكن غاية العقوبة الجسدية التهذيب او التعليم واذا تجاوز المعلم حدود التأديب المعقولة ، فانه يزجر أو يعاقب ، وتفهم ذلك من جواب أبى الحسن الفقيه المربى المستمد مبادئه التربوية من أصول الفقه المالكى ، لمن سأله عن موقف المشرع من المتعلم المتجاوز حدود العقاب المعقولة " وأما سؤالك عما يتعدى به المعلم فى ضرب الصبى فترقى الى ما هو أكثر من الضربة فهذا انما يقع من المعلم الجافى الجاهل ، وقد قدمت لك فى نهى المعلم عن ضرب الصبي وهو غضبان . .. فان ضربه باللوح أو بعصا فقتله فعليه القصاص لانه لم يؤذن له أن يضربه بعصا ولا بلوح . " (4) ويشدد أبو الحسن فى موضع آخر من الرسالة على المعلم الجافى الذى يقسو فى ضرب الصبى الى حد القتل فيقول : " وأما العصا واللوح فقصده الى ضرب الصبى بهما تعد منه فليس له عذر اكثر من أنه غضب فتعدى الواجب فاستأهل القود . . فان جاوز الادب فمرض الصبى من ذلك فمات فان كان جاوز بما يعلم أنه أراد به القتل أقسموا ( أى أهل الصبى ) وقتلوه به " (4)
نعم قرر القابسى الضرب عقوبة ولكنه شرط فيه شروطا دقيقة محرجة للمربى " كى لا يخرج الضرب من الزجر والاصلاح الى التشفى والانتقام " (5) وكى تكون العقوبة عادلة .
أضرار العقوبة :
ومتى امعنت النظر أيقنت أن أبا الحسن والمربين الافريقيين نادوا باتباع سياسة اللين لما فى العقوبة من أضرار تحيد بها عن غرضها الاساسى وهو التربية واصلاح الفرد . غير أنهم لم يتعمقوا دائما فى تحليلها كما فعل بعض الدارسين الذين اهتموا بشؤون التربية الحديثة وليس ذلك عيبا نعيبهم به اذ لم يكن فى استطاعتهم التعمق فى تحليلها . ومهما يكن من أمر فكلهم متفقون على أن الامعان فى الشدة والغلظة يكسب الصبى الجرأة . على أن للعقاب اضرار أخرى منها أنه يعزل الفرد المعاقب عن المجتمع الذى يعيش فيه
ويجعله عدوه ينفث العداوة فى الآخرين (1) كما يولد فى المعاقب عقدة كامنة للانتقام (2) ولم يفلح العقاب كوسيلة للتأديب وردع الغير بل انه يكسب المعاقب الحذر والتفنن فى تجنبه فيتعلم الصبى تحاشى الوقوع فى قبضه المربى بحمل قناع يرضى هذا الاخير وبالتظاهر بغير ما فى ضميره خوفا من سطوته (3) ولا يؤدى العقاب على فعل يراد تحريمه " الى ما نريد من تجنب هذا الفعل ، بل أن تحريم الشئ أدعى الى التشوق اليه والتعلق به . . كما أن العقاب على الخطيئة الاولى بالطرد من الجنة والانزال الى شقاء الارض لم يطهر نفوس بنى آدم من الجريمة بل ملا الدنيا بالدماء والعصيان " (4) وحتى لو سلمنا بأن العقاب يردع المخطئ ويصلحه فأنه ينشأ عنه فى نفس المعاقب خوف يباعد بينه وبين المربى . ومن آثار العقاب السيئة أن المعاقب يفقد شيئا فشيئا الثقة بنفسه وشعوره بكرامته . (٥)
وفضلا عن هذه المضار كلها فان العقاب لا يعيد بناء الشخصية بل يميت القوى الحية الخلافة فلذلك يؤكد الدكتور كمال دسوقى فى دراسته القيمة أن العقاب " عملية هدم لا بناء ( وأنه ) . . . حافز سلبى اكثر منه ايجابى ما دام يؤدى الى عكس المقصود ، أو ان حقق الغرض مؤقتا فهو لا يأتى بتكاليفه ، وغرمه اكثر من غنمه . فالعقاب لا ينشأ عنه الا الخوف والخوف وحده ليس كافيا لتغيير الطباع وبناء الشخصية " (6) كما يستخلص الدكتور كمال دسوقى من دراسات بعض علماء النفس ومنهم بلدين Baldwin واليانور هو لنبرج Eleanor Hollenberg ومارجريت سبيرى M. Sperry " أن الاطفال الذين يتربون فى ظل فلسفة منزلية ديموقراطية أكثر احتمالا لان يكونوا أكثر حيوية واشد جرأة وأكثر قبولا لان يتزعموا واستعدادا لان يرسموا خطط أفعالهم بأنفسهم ... أما أطفال الاسر التى هى أشد رقابة فالاحتمال أكثر لان يكونوا أكثر تقيدا فى ميولهم واستطلاعهم " (7) وهكذا يتضح أن العقاب لم يفلح كوسيلة لبناء الشخصية
وانه غل للنشاط وقيد للحرية ومدعاة للكذب والخبث والكسل وذلك ما اهتدى اليه العبقرى الفذ والعلامة المربى ابن خلدون منذ ستة قرون فقد عقد فى المقدمة فصلا " في أن الشدة على المتعلمين مضرة بهم " جاء فيه : " ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر ، وضيق على النفس فى انبساطها ، وذهب بنشاطها ودعاه الى الكسل وحمل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما فى ضميره خوفا من انبساط الايدى بالقهر عليه وعلمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقا . وفسدت معانى الانسانية التى له من حيث الاجتماع والتمرن وهى الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله وصار عيالا على غيره فى ذلك ، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل ، فانقبضت عن غايتها ومدى انسانيتها فارتكس وعاد في أسفل السافلين . " (1) ويضرب ابن خلدون كعادته بعد عرض نظرية مثل الامة التى استعبدت وفقدت جميل الخلق والفضائل وصارت توصف بالكيد والتخابث : " وهكذا وقع لكل أمة حصلت فى قبضة القهر ونال منها العسف . واعتبره فى كل من يملك أمره عليه ، ولا تكون الملكة الكافلة له رفيقة به وتحد ذلك فيهم استقراء ، وانظره فى اليهود وما حصل بذلك فيهم من خلق السوء حتى أنهم يوصفون فى كل أفق وعصر بالحرج ومعناه فى الاصطلاح المشهور التخابث والكيد وسببه ما قلناه " (2)
الرفق بالصبيان :
ان ما ينجر عن العسف والجبروت فى التربية من اماتة الشخصية وتحجير القوى الحية الخلافة فى الانسان جعل ابن خلدون الذى يأبى القيود ينادى بتعويض الكبت العنيف والتخويف بالتسامح واللين وينصح المربين بقوله : " فينبغي للمعلم فى متعلمه والوالد فى ولده الا يستبد عليهم فى التأديب " (3) .
ويستحب محمد بن سحنون للمعلم أن يرفق بالصبيان وألا يكون عبوسا . وكذلك الشأن بالنسبة لابى الحسن القابسى . فهو لا يميل الى الشدة بقدر ما يميل الى أخذ الصبيان باللين ، ولئن قرر أن أقصى عقوبة تسلط على الصبى المخلف هى عشر ضربات رقيقة ، فانما فعل ذلك بموجب العرف والعادة غير أنه فى قرارة نفسه يؤمن بأن اللين أحسن حافز للتعلم وان الضرب لا يصدر الا عن معلم جاف جاهل . ولا أدل على ذلك من قوله : " وأما سؤالك عما يتعدى به المعلم فى ضرب الصبى فترقى الى ما هو أكثر من الضربة فهذا
انما يقع من المعلم الجافى الجاهل " (1) ويريد أبو الحسن أن يضبط المعلم نفسه ويحبس غيظه عملا يقول الله عز وجل " والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين " ( س آل عمران ) وعملا بمأثور الحديث اذ يقول : " ومن حسن رعايته لهم أن يكون بهم رفيقا فانه قد جاء عن عائشة أم المؤمنين رضى الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : اللهم من ولى من أمر أمتى شيئا فرفق بهم فيه فارفق به . وقد قال رسول الله صلى الله وعليه وسلم : " ان الله يحب الرفق فى الامر كله وانما يرحم الله من عباده الرحماء " (2) .
وتشعر بعد مطالعة رسالة القابسى أنه لا يرتاح كل الارتياح لاتخاذ العقوبة حافزا للتعلم الا ان العرف أقرها فلم يتحرر من قيوده . لكن ألم يحث المعلم على الرفق بالصبيان فى غير ما موضع ؟ ثم ألم يحط العقوبة البدنية بسياج من الشروط المقيدة لها بصفة تحرج المعلم وترغمه على مراعاة مصلحة الطفل الى أقصى حد وكظم غيظه ان كان فى حالة غضب . ومتى نظرت فرأيت أن أيا الحسن الفقيه المربى يقتصد شديد الاقتصاد فى اباحة العقوبة البدنية حكمت بأن التربية الافريقية والاسلامية بصفة عامة لا تقوم على الشدة .
ولقد أظهر محمد بن سحنون قبل القابسى بقرن تشديدا على المؤدبين فى مسألة ضرب الصبيان حتى تذمر منه بعض من كأن يعانى مهنة التعليم وهو " أبو اسحاق الجبنيانى " التونسى المتوفى سنة 369 ه فقال : " رحم الله أبا عبد الله محمد بن سحنون لو علم الصبيان لرفق بالمعلمين يريد أنه شدد عليهم " (3)
وليس من شك فى أن نظرة أبى الحسن الى الصبيان انما هى نظرة تلائم طفولتهم . فالاطفال لا يملكون من أمرهم شيئا لصغر سنهم وطيش أعمالهم وقلة ادراكهم ولهذه الاسباب وجب الرفق بهم وتوجيههم بالاقناع والتنبيه . فاقرأ لمزيد تيقن من أن أبا الحسن يميل الى الرفق بالصبيان ويكره التشديد عليهم قوله فى موضع آخر من رسالته " اذا أحسن المعلم القيام وعنى بالرعاية وضع الامور مواضعها لانه هو المأخوذ بأدبهم والناظر فى زجرهم عما لا يصلح لهم والقائم باكراههم على مثل منافعهم . فهو يسوسهم فى كل ذلك بما ينفعهم ولا يخرجهم ذلك من حسن رفقه بهم ولا من رحمته اياهم فانما هو لهم عوض من آبائهم " (4) .
وجاء فى رسالة " آداب المعلمين " لمحمد بن سحنون عن ابن عباس " قال رسول الله : أشرار أمتى معلمو صبيانهم أقلهم رحمة لليتيم وأغلظهم على المسكين . قال محمد ( اى ابن سحنون ) وانما ذلك لانه يضربهم اذا غضب وليس على منافعهم " (1) .
ونادى أبو حامد الغزالى فى فصل من كتاب " احياء علوم الدين " يحتوى بذور علم النفس التربوى ، بضرورة غض الطرف فى كثير من الاحيان عن هفوات الاحداث والرفق بهم ، فقال : " فان خالف ( الصبى الخلق الجميل والفعل المحمود ) فى بعض الاحوال مرة واحدة فينبغى أن يتغافل عنه ولا يهتك ستره ولا يكاشفة ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر أحد على مثله ولا سيما إذا ستره الصبى واجتهد فى اخفائه ، فان اظهار ذلك عليه ربما يفيده جسارة حتى لا يبالى بالمكاشفة فعند ذلك ان عاد ثانيا فينبغى أن يعاتب سرا ويعظم الامر فيه ويقال له : اياك أن تعود بعد ذلك لمثل هذا وأن يطلع عليك فى مثل هذا فتفتضح بين الناس " (2).
وبحذر الغزالى المربى من مغبة الاكثار من اللوم لان الاكثار منه مدعاة لاستئناس الصبى سماع الملامة فيسقط وقع الكلام من قلبه فيجترىء على المربى . فها هو يقول : " ولا تكثر للقول عليه بالعتاب فى كل حين فانه يهون عليه سماع الملامة وركوب القبائح ويسقط وقع الكلام من قلبه " (3) .
وسواء كان العقاب رادعا أو واعظا يخشى منه دائما تصيير كل ممنوع مرغوبا كما بيناه فى أضرار العقوبة ولذلك يتحتم تعويض الكبت العنيف والارهاب بنظام يقوم على الروح الطيبة المتأصلة فى الانسان وعلى المحبة والاحترام فاذا أحب التلميذ أستاذه زاده ذلك اجتهادا ونمى ميله الى التعلم .
وقد آمن الامام سحنون رحمه الله بنجاعة هذا المبدأ التربوى لما نصح معلم ولده أبى عبد الله محمد صاحب رسالة " آداب المعلمين " بقوله : " لا تؤدبه الا بالمدح ولطيف الكلام ، ليس هو ممن يؤدب بالضرب والتعنيف واتركه على نحلتى " (4).
ويمكنك معرفة مذهبه فى التربية أو ما يسميه نحلته بالعودة الى قصة الامام مع محمد بن معاوية وأقرانه ، الواردة فى كتاب " رياض النفوس "
للمالكى . فقد حضر محمد بن معاوية يوما حلقة من حلقات دروس سحنون التى كانت تعقد أمام بيته فى الشارع ، وجلس فى الطريق لضيق الموضع فها هو يحكى ما جرى يومئذ ومن الغد :
" فجاءه حمل طعام من البادية فنظر الى وقال لى : " قم من الطريق " فلم أقدر أن أقوم ، فقال " قد جاءنا رزق فمن أين يدخل الينا اذا قعدتم لنا فى الطريق ؟ " ثم تخطانى وجاز . ثم نظر الينا ثم قال : " قد نهيتكم غير مرة عن أن تقعدوا فى الطريق " وضاق علينا . . فلما كان من الغد خرج علينا وعلى يده الكتب للسماع ، فلما قعد فى موضع أخذ الكتاب ليقرأ ، فلما قرأ " بسم الله الرحمن الرحيم " وضع الكتاب من يده ثم تبسم قليلا ثم قال : " كبرنا وساءت أخلاقنا ! ويعلم الله ( أنى ) ما أصيح عليكم الا لاؤدبكم ، وما أريد بكم - يعلم الله - مكروها ، الا أنا ابتلينا عند الكبر ونحن أحوج ما كنا الى أنفسنا " كأنه يريد أن يعتذر بما ابتلى به من أمر القضاء . " وما أريد الا لترعوا وتفقهوا وتعملوا بما سمعتم " (1) فخبرني هل سمعت اعتذارا ألطف وأشد تأثيرا فى نفوس الطلاب من اعتذار سحنون المربى . انه لا شك متيقن من أن اللوم والتأنيب قد يتركان أثرا سيئا فى نفوس المتعلمين ولذلك نصح معلم ولده أن يؤدبه بالمدح ولطيف الكلام ، وترقب الفرصة للاعتذار عما صدر عنه من غضب بعد ما ضاق على طلابه وصاح عليهم لان سحنون يعلم يقين العلم أن مهمة المربى انما هى التوجيه الصالح وأن التوجيه يحتاج الى سياسة ولا سبيل الى سياسة المتعلمين سياسة حقة ما لم يكن المربى متسامحا معهم رفيقا بهم .
سياسة الترغيب والترهيب :
غير أن الرفق ليس استسلاما فكلما تحتمت الشدة وجب استعمالها . وذلك ما انتبه له ابن خلدون المربى عند ما أورد في الفصول التربوية من كتاب المقدمة نصيحة الرشيد لخلف الاحمر معلم ولده محمد الامين واعتبرها من أحسن مذاهب التعليم فقال : " ومن أحسن مذاهب التعليم ما تقدم به الرشيد لمعلم ولده محمد الامين فقال : يا أحمر ان أمير المؤمنين قد دفع اليك مهجة نفسه وثمرة قلبه فصير يدك عليه مبسوطة وطاعته لك واجبة . . . ولا تمرن بك ساعة الا وأنت مغتنم فائدة تفيده اباها من غير أن تحزنه فتميت ذهنة . ولا تمعن فى مسامحته فيستحلى الفراغ ويألفه وقومه ما استطعت بالقرب والملاينة فان أباهما فعليك بالشدة والغلظة " (2) .
أليس معنى ذلك أن التربية الحق هى التى تبنى الشخصية وتفجر ينابيع النفس الحية وتنشط الذهن وتخلصه من عقاله وتمكنه من الخلق والابتكار ، ولا خلق بدون حرية ولكن الحرية تؤول الى الفوضى اذا جاوزت
الحد وأمعن المربى فى مسامحة المتعلم . فلا بد اذن من الترهيب اذا أخفقت سياسية الترغيب ولا تخفق الا قليلا . ولئن اعترف ابن خلدون بأن الترغيب والترهيب من أحسن مذاهب التعليم فانه اعتبر اللين أحسن حافز للتعلم ، وأبى أن يكون المعلم عدو التلميذ وأن يكون مذهبه التربوى " اذا أقللت من العصا فسد الطفل " فلم تكن العصا والخيزرانة والفلقة اذن هى العوامل الاولى فى نظرية التربية الاسلامية بأفريقية فى القرون الوسطى . حتى العقاب الواعظ فلم يكن رغب فيه كثيرا . وقد فطن المربون المسلمون فى تلك العصور إلى حافز أكثر نجاعة وأقوى أثرا فى نفس المتعلم من الدرة والفلقة (I)
الثواب أحسن حافز للتعلم :
وهذا الحافز القوى الاثر فى التعلم هو التشجيع المادى والمعنوى للتلميذ فاقرأ قول أبى حامد الغزالى : " ثم مهما ظهر من الصبى خلق جميل وفعل محمود فينبغى أن يكرم عليه ويجازى عليه بما يفرح به ويمدح بين أظهر الناس " (2) .
وكذلك أثبتت تجارب علماء النفس ، أن معرفة نتائج التقدم حافز قوى للتعليم وهكذا تفهم أهمية الاحتفال بختم الصبيان القرآن فى الكتاتيب بأفريقية وما يتبع ذلك من تشجيع وعطل قصيرة ويكفيك ما ذكره القابسى وابن سحنون عن ختمة القرآن الجزئية والكاملة .
فليس من شك بعد ما ذكرناه فى أن الثواب حافز قوى يستعين به المربى لتوجيه التعليم وادارة حجرة الدرس . واتضح فى علم النفس التجريبى من تجارب " ليرد " A Laird و " بريجز " و " Briggs و " هيرلوك " Hurlock وغيرهم " أن التقدم انما يأتى بالتشجيع والمديح أكثر مما يأتى باللوم والتأنيب " (3)
ونبه علماء النفس التربوى الى حافز آخر قوى الاثر فى التعليم يتمثل فى المنافسة والتسابق emulation'L وقد فطن لنجاعته المربون الافريقيون فى القرون الوسطى فسماه محمد بن سحنون والقابسى تجاوزا وتخايرا أى تسابقا . فاقرأ لتتيقن من ذلك قول محمد بن سحنون :
" وينبغى له (للمعلم) أن يجعل لهم وقتا يعلمهم فيه الكتابة ويجعلهم يتجاوزون لان ذلك مما يصلحهم ويخرجهم " (1) واقتبس القابسى قول محمد ابن سحنون حين قال : " فينبغى أن يجعل لهم وقتا من النهار يعلمهم فيه الكتابة ويجعلهم يتخايرون لان ذلك مما يصلحهم ويخرجهم " (2).
أيقنت حفظك الله أن لهذه الوثائق أهمية كبيرة بالنسبة للعصر الذى كتبت فيه ، وتجلت لك - أبعد الله عنك الشبهة - ناحية لا يستهان بها من نواحى تفكير المربين الافريقيين والمسلمين بصفة أعم فى القرون الوسطى . فلقد وجدنا عندهم وان بلت بعض آرائهم مبادىء ونظريات فى العقوبة صالحة أقرها علم النفس التربوى .
ويمكن القول بأن التربية الاسلامية جديرة بأن تحتل مكانتها فى تاريخ المذاهب التربوية العامة (3) ونحن اذ نروم فى ثورتنا بعثا ثقافيا حقا لا بد من أن نربط ماضينا بحاضرنا وأن نبحث الى جانب ما نتبناه من المذاهب التربوية الحديثة - عن سند تعليمى قومى ، وجدير بالذكر أن هذا السند انقطع فى قرون الظلام فنتج عن انقطاعه تقهقر الاقطار الاسلامية وقد فطن لذلك عبقرينا التونسى ابن خلدون فى مقدمته (3) وما نحن اليوم بغافلين .

