٢
قد يقول قائل . ان العقول لو كانت متساوية لما وجدنا بعض الناس يستغلق عليهم فهم امر من الامور او مسالة من المسائل . ويتعذر عليهم الكشف عن كنيها والالمام بدقائقها مهما بذلوا من الجهد بينما نجد غيرهم سرعان ما يدركون . ذلك الامر ويلمون بحقائقه ودقائقه . وفات هذا القائل
ان هذه الظاهرة لم تكن ناشئة عن نقص فى عقلية الاولين واستكمال فى عقلية الآخرين ولكنها ناشئة عن فقدان التجارب النفسي لذلك الامر او لتلك المسألة . فى الفريق الاول ووجوده فى الفريق الثانى . ولهذا التجاوب النفسى تاثير كبير فى توجيه العقول الى وجهاتها المختلفه . ومن ذلك كان ما هو مشاهد فى هذه الحياة من انصراف كل الى وجهة تختلف ووجهة الآخر . ومن هنا نشأ تنوع العلوم والمعارف واختلاف الاداب والتقاليد وتباين المدنيات والحضارات وتشكل المهن وتنوع الصنائع وتعدد الاعمال .
فان العقل لا يتهيأ لفهم شئ من الأشياء ما لم تستجب له النفس ويرن صداه فى الأعماق . وإذا لم تستجب نفس الانسان لعمل من الاعمال كان من العبث صرف الجهد وفي ادراك ما تصدف النفس عن الاستجابة اليه . وليس لأحد ان يتخذ من مثل هذا دليلا على التفاوت بين البشر فى عقولهم بدليل انه ما من امر من الامور تستجيب له نفس اي انسان كائنا من كان الا وتكشف له عن حقيقته إذا صرف له شيئا من جهده وعنايته لأن العقل فى تلك الحالة متهيئ لفهم ما يعرض عليه . ونحن إذا تتبعنا تراجم كثير ممن كتب لهم ذيوع الاسم وبعد
الصيت نجدهم بداوا حياتهم بخمود وجمود . وختموها بشهرة واسعة وصيت بعيد . وما دلت الا ان العقل فى كلتا الحالتين هو العقل وكذلك هو فى جل ادوار الحياة . ولكنهم فى مبدئها لم تصرف نفوسهم الى ما انصرفت اليه فى أواخر ايامهم فذعبت أوائل اعمارهم ضياعا وجاءت أواخرها بالنفع الجزيل . والمجد الاثيل
ولا أظن اني في حاجة الى سياق المثل . الشواهد على ذلك ومن اراد الاطلاع على شئ من هذا فليتتبع سير العظماء وتراجمهم فانه وجد - بغير شك - مصداق ما اقول .
رب قائل يرى اننا بجعل الناس فى مستوى عقلي واحد نتجني على المفكرين والمخترعين . والساسة المحنكين . ونغمطهم عقولهم إذ تجعلهم فى مستوى عقلي واحد مع الحمالين والجزارين والطباخين . والمكارين وهؤلاء أقل عقلا - كما يتراءى للقائل - وربما قال لنا انه لا يحكم بمثل هذا الا المشكوك فى سلامة عقولهم وله العذر فى ذلك . لان مثل هذا الكلام يبدو معقولا او قريبا من المنقول ولكنه ومع الاسف ما هو بالصحيح . لان الاصابة على مثل هذا القول ليست بعسيرة . ذلك بانه ليس بين هؤلاء وهؤلاء ما يمنع من ان نقول انهم سواء فى العقل بيد أن الحمالين والخبازين و . و . و الخ لم ينصرفوا الى ما انصرف اليه المفكرون وغيرهم من امثالهم وهم حينما انصرفوا الى ما انصرفوا اليه من اعمال ومهن صار لهم من المهارة فى اداء اعمالهم واتقان مهنهم . ما لاولئك من المهارة فى علومهم ومعارفهم . وهم فى جهلهم بالعلوم والمعارف لا يقلون جهلا عن المفكرين بدقائق مهنهم هذه التى ترى بسيطة ودنيئة مع أن لها من النفع فى حياة البشر مثل النفع الذى يجنيه الناس من وراء فكر من الافكار او اختراع جديد او اي شئ تجود به قرائح اوائك الجهابذة وإذا عدلنا عن مثل هذه الاجابة التى لا سبيل
الى جحود الاقناع فيها نعنى الاستطاعة ان نأتى باجابة فيها صورة اخرى من صور الاقناع ربما كانت اقرب تسربا الى الاذهان من غيرها . وهي اننى إذا انكر وجود العاقل والاعقل بين الناس فاني في الوقت نفسه لا انكر وجود الذكي والاذكى بينهم . إذ ان الذكاء شئ والعقل شئ اخر ، الذكاء هو ادراك الأمور بسرعة او السرعة فى تصور الاشياء . اما العقل فهو الضابط والمنظم والفائض في الاعماق والاغوار البعيدة والباحث والدارس وهو الذي يتوسع في الأشياء بتوسع مجاريه وهو الذي يرد الأسباب الى مسبباتها والأشياء الى اصولها وغير ذلك من الاعمال التى لاشأن لغير العقل فيها . وقد يوجد الذكاء حيث لا يوجد العقل فكم من حيوان ذكي ولكنه ليس بعاقل والعقل لا يوجد فى غير الانسان من المخلوقات الدابة فوق الارض وقد يفقد الانسان عقله ولا يفتقد ذكاءه فهذا - مثلا - مجنون ذكى : إذ انه حينما افتقد عقله لم يفقد ذكاءه .
فاذا توفر الذكاء فى شخص تساند ذكاؤه مع عقله وربما حصلت له الميزة على غيره من جراء ذلك وللانسان ان يمايز بين الساس من هذه الناحية . وليس له ان يمايز بينهم من الناحية العقلية . إذ ان الجل في العقل متساوون غير ان لكل اعتباره العقلي الخاص به . وإذا يخالف الناس فى الاعتبارات العقلية فانما ذلك التخالف فى العرض . اما الجوهر الذي هو العقل الفطرى الذى ميزالله به الانسان عن سائر الحيوانات فهو واحد .
رب قائل يقول اننا إذا اردنا ان نناسب بين انسان وانسان فى العقل وجب علينا ان نناسب بينهما في شئ واحد ثم يحكم على نتيجة تصرفهما فيه . وبذلك تظهر لنا ميزة احدهما على الاخر لا ان نحكم بين شخصين فى امرين مختلفين ليستقيم لنا منطق الحكم فيما إذا كانا متساويين فى العقل أو بينهما تفاضل وتمايز ولنمش مع هذا بمنطق جدله . فنقول له إذا اردت ذلك وجب عليك ان تتضمن
الوحدة والتساوى بينهما فى كل شئ فى القيود والعوامل والاعتبارات العقلية وذلك لا يتسنى لك وان تسنى لك كانت النتيجة واحدة بغير شك مثال ذلك كان اعطينا لكل شخص ممن نريد ان نقابل بينهما مبلغا من المال وفرضنا عليهما ان يشتريا به سلعتين متساويتين من صنف واحد ويبيعاها اجزءا سعر الجزء فى كليهما واحد ووزعنا عليهم الزبائن توزيعا عادلا . وعادلنا بينهما فى كل شئ دون أن نخل بكل ما يعترضنا فى هذا السبيل كانت النتيجة - بغير شك - واحدة ومن هنا ظهر لهذا القائل ان منطقه فى جدله غير موفق . لأنه ترك العقل بهذه القيود فى كلا الشخصين يسير بحركة هي اشبه ما تكون بالحركة الاليه منها إلى التصرف العقلي .
وفاته ان لكل عقل اعتباره الخاص به وتلك الاعتبارات العقلية تختلف باختلاف الاذواق والامزجة فى الناس . ومن هذه الاعتبارات المتفاوتة كان ما هو مشاهد - كما قلنا - من التخلف والتنافس . والتعارض . والتوافق بين البشر ولذلك تنوعت العلوم والمعارف والادب والأخلاق والعادات . وكان لكل أمة من الامم منهج خاص بها فى هذه الحياة وما كان للامم والافراد ايضا أن يتخالفوا فى أى شئ من الأشياء لولا انهم يستشعرون من انفسهم بالتكافؤ العقلي فاعتمد كل على عقله وسلك فى الحياة سبيلا يختلف وسبيل الاخرين فيها ولو لم يستشعر الناس بهذا التكفؤ العقلي لرأيت العالم تسوده الوحدة
نتفهم هذا من حالة الياس فاننا نرى المريض يذعن للطبيب والجاهل يذعن للمتعلم والمتعلم يذعن لمن هو اعلم منه وكذلك الفقير يذعن للغنى والضعيف لا ينافس القوى . وهم اذ يذعنون لهؤلاء فلا يذعنون لهم الا من الناحية التى يقدفون للمذعن لهم بالتفوق عليهم فيها ولكنهم لا يذعنون نواح اخرى لاعترافهم بتساويهم معهم فيها .
وكذلك لو يعلم الناس ان بينهم العاقل والاعقل لما ترددوا عن الاذعان لمن هو اعقل منهم . وليس فى واقع الحياة الا تخالفا وتنافسا مما يدلنا على ان الناس
يستشعرون بالتكافؤ العقلي ويحسبون به . ولذلك اختلفوا ولا يزالون مختلفين .
هذا قليل من كثير من الادلة والبراهين التى تقوم على صحة القول بان عقول جل البشر سواء وان كل الناس متساوين فيما منحوه من العقل . ومن تكشف له ذلك رفعت عنه غشاوة الوهم . التى يظن معها ان فى جل الناس العلل والأعقل وصغير العقل وكبيره واستشعر الطمأنينة الى عقله واحس بالثقة فى نفسه وعلم مقدار المنحة التى اوتيها والموهبة التى وهبها وفضل بها على كثير من الخلق
وبهذا العقل الذي أوتيناه - فضلا من الله وكرما - نستطيع إذا احترمناه فى نفوسا وانصرفنا به عن سفاسف الامور وتوافهها ان نزيل غمرة هذا الدهش المستولى على نفوسنا من جراء ما نسمع وما نرى مما وصل اليه العقل البشري في الغرب وفى اقصى الشرق وفى الدنيا الجديده من عظمة . اذ تتجلى لنا اسرار الكائنات التى احتجبت عن عقولنا من جراء اهمالنا لها وعدم اعتدادنا بها وتهاوننا بشأنها وصرفنا لها فيما لا يجدينا نفعا ولا يعود لنا بفائدة .
ان عقولنا لا يمكن ان تكون اقل من عقول غيرنا من البشر . وما كان لنا أن نقعد بها عن ادراك ما ادركه غيرنا لولا اننا افتقدنا الثقة بانفسنا وعقولنا فافتقدنا بذلك الحياة السامية . ولم يأخذ بنصيبنا منها وكان لنا مندوحة فى ذلك لو لم يكن لنا من الذكاء ما اشتهرنا به بين الناس . اما ولنا من الذكاء ما هو مشهور عنا ومعترف به لنا فلا عذر لنا فما نراه حائطا بنا من تاخر وجحود .
ان هذا الذكاء الذي تفوق به اباؤنا على من سواهم يوم كانت لهم العزة على اهل الارض . والذي انحدر الينا منهم إذا نساند وما اوتيناه من عقل وتبصر وصرف الى ما يجدى ويفيد . وخصوصا وان نفوسنا متشوقة إلى التسامي في الحياة لا نلبث أن نتفوق على كثير من المتفوقين . وربما تفوقنا على اهل الارض كانه وسمونا على الناس اجمعين

