١
ما أسرع ما يتطرق الوهم الى النفوس وهو إذا استحوذ على الاذهان باعد بين الناس وبين استجلابهم الحقائق على ما هى عليه فى الواقع . وما تسرب الوهم الى نفس الا قعد بها عن مساواة من بزها بالتفوق فى ميادين الحياة
والوهم مجلبة الخور . وأساس الضعف ومدعاة الكسل وعلة الانحطاط وما على من اراد ان يتخلص من مخالب الوهم . وينجو من براثنه الفتاكة الا ان يشحذ عقله ليحترق من الوهم تحت اشعته المتوهجة . فان للعقل اشعة تصهر تحتها الاوهام والاباطيل والضلالات كما تصهر المواد المتصلبة تحت توهج النيران المحرقة . وحينئذ تتكشف الحقائق وترى وجها لوجه وتبدو عقد الحياة ومستغلقاتها واضحه وضوح الشمس في رابعة النهار
دعاني لهذه التقدمة الموجزة ما سار على بعض الافهام من وهم جعل بعض الناس يتخيلون معه ان مقادير العقول تختلف بين البشر زيادة ونقصا او صغرا وكبرا مما جعلهم يرون ان فى الناس من هو العاقل وفيهم من هو الا عقل وفيهم من هو صغير العقل وفيهم من هو كبيره وفيهم من هو كثير العقل وفيهم من هو قليله .
وحبا فى وقف شيوع هذا الوهم وعدم تسربه الى الناس بوجه عام والى ناشئة البلاد بوجه اخص بدا لي ان اوجه الانظار الى ان الناس متساوون فى العقول وان كل البشر فى العقول سواء .
نعم ان العقول سواء . وليس فى الناس من يدعى انه اعقل من غيره الا وهو عاجز عن اقامة البرهان على صحة دعواه . ومن يقول ان في الناس من هو
اعقل منه - وكان يعنى ما يقول - يستخف بعقله ويستشعر الضعف من نفسه فلا يثق بهما . وخليق بهذا ما يخلق بمن يجحد النعمة ويتجاهل ما اسدى اليه من معروف واحسان .
قد يبدو هذا القول غريبا . وما هو بالغريب . وقد يبهت له من غشيه طائف من الوهم جعل على بصره غشاوة يرى معها ان فى الناس العاقل والاعقل وصغير العقل وكبيره . ولكن بقليل من التفكير الصحيح تظهر الحقيقة التى تكاد تكون من البداهة بحيث لا تحتاج الى شئ من النقاش .
ان الله ساوى بين عباده فى أوامره ونواهيه واقام لهم سبحانه حدودا وأمر كل الناس أن لا يتعدوها على السواء . وفرض عليهم تكاليف وأمرهم بادائها على السواء . ووجه خطابه الى كافة الناس دون أن يستثنى منهم احدا الا من استلبهم نعمة العقل وما كان الله ليوجه خطابه الى الناس كافة لولا انه - وهو خالقهم - وهب لاكثرهم من العقل ما جعلهم فى منحة سواء . ولو تفاوت الناس فى هذه المنحة التى منحهم بها لكانوا متفاوتين فيما يطلب منهم من تكاليف دينية بدليل ان الله تباركت اسماؤه لم يفرض فروضه الا على قدر منحته وعطائه فهو سبحانه لم يفرض الزكاة الا على الاغنياء ولم يجعل الحج فرضا على من استطاع اليه سبيلا . ولم يفترض على النساء كثيرا مما افترضه على الرجال فليس عليهن جهاد ولا جمعة وما هن ملزمات بحضور الجماعة ولم يساوي بينهن وبين الرجال فى كثير من الشؤون وما ذلك الا لانهن ) ناقصات عقل ( كما جاء فى الأثر .
ولو لم يكن الناس فى مستوى عقلي واحد لما جابه الفلاسفة والمخترعون الناس باكتشافاتهم ومخترعاتهم وآرائهم ولامتنعوا عن ذلك كما يمتنع الكبير - مثلا - عن بسط ارائه للصغير ولما جرا احد على مناقشتهم والرد عليهم كما
لا يجرأ الجاهل على مناقشة العالم ولتعذر على الناس الانتفاع بهذه المخترعات الحديثة المتعددة كما يتعذر على ضعاف البصر ادراك الابعاد التى يصل اليها نظر ذوى البواصر الممتازة . ولا نعدم التنافس بين الافراد والجماعات والامم والشعوب كما ينعدم التنافس بين الضعف والقوة . والصغير والكبير اذ لا يوجد التنافس الا حيث التكافؤ المتماثل فى شئ واحد بين الفريقين المتنافسين واذا انعدم هذا التكافؤ زالت اسباب التنافس ودواعيه . فما كان لفقير ان يتعرض لمنافسة غنى وكما يتحاشا الضعيف التعرض لمنافسة من هو اقوى منه كذلك يجب ان يتحاشا صغير العقل منافسة من هو اكبر منه عقلا . وهل رأيت امة قعدت عن منافسة اختها فيما يختص بالامور العقلية كما قعدت الأمم الضعيفة عن منافسة الأمم القوية فى الميادين التى لا منطق لغير القوة فيها ؟ .
وقد يتعاون المتكافان ويأتلفان اذا اتفقا على أمر يعود بالمصلحة المشتركة بينهما ويختلفان ويتنافسان اذا اراد كل منهما ان يستاثر بالمصلحة لنفسه دون ان يشرك فيها غيره . ومن اسباب الخلف والتنافس ان يعترض المتكافئين المتفقين اعتباران من الاعتبارات يتوجه عقل كل فريق الى احدهما ويرى السداد في تقديمه على كل اعتبار عداه
ولا تكاد ترى تكافؤا الا وجدت تخالفا وتنافسا أو تعاونا وتآلفا وتجد مصداق ذلك في كل البيئات ولدي كل المجتمعات وعند كل الافراد وما دام التكافؤ شائعا بينهم . وهذه هى حالة البشر من يوم ان دبوا على وجه الأرض الى يوم الناس هذا وسوف يكونون كذلك الى يوم يبعثون ولو لم يكونوا متكافئين في العقول لكان لهم شأن غير هذا .
صحيح ان للاعتبارات الخلقية والدينية دخلا كبيرا فى تكييف العقول وتلوينها بالكيف واللون الملائمين لتلك المؤثرات والاعتبارات . ومما يختلف الناس في مظاهرهم من حيث الألوان والأزياء بتأثير الجو والمناخ ولم يقلوا عن
كونهم بشرا كذلك تختلف العقول فى مظاهرها - فقط - لدى الافراد والجماعات والأمم والشعوب ولكن العقل فى جوهره واحد عند الكل . وما اشبه العقول فى اختلاف مظاهرها الا بالماء يختلف باختلاف الانية : وهى فى تفكيرها بين السمو عند فريق من الناس والانحطاط عند فريق اخر اشبه ما تكون بماء فى اناء متعدد المجارى فترى الماء يخرج من بعضها نقيا صافيا ويخرج من البعض الاخر عكرا متكدرا . وهو فى كلتا الحالتين لم يقل عن كونه ماءا . وازالة ما علق بتلك المجاري من الادران يعود للماء صفاؤه ونقاؤه بحيث تراه لا يختلف عن الماء المتدفق من المجاري النظيفة
وكذلك العقل اذا صقلناه وجلوناه بالعلوم والمعارف حق تزول عنه ما علق به من اوهام الجهل والخرافة يتوهج باشعة تذهب بالظلمة وتهتك الحجب ويسطع بضياء تخشع له القلوب والابصار
