( 2 )
واضافة إلى ما اكتسب بن باديس ( * ) من شهادات علمية ، وما حصل عليه من التكوين الفكرى والسياسى فى رحاب الزيتونة نراه وقد عاد الى مسقط رأسه قسنطينة فى سنة 1912 وقد حقق احلا عديدة : حقق حلم والده ووالدته اللذين كانا ينتظران رجوعه اليهما يفارغ الصير ليرياه عالما جليلا يفاخران به ، ويرفع سمعة العائلة بعد أن تحملا فراقه ، وصبرا على غربته وشجعاه كل التشجيع كى يتوافر على طلب العلم .
وقد قص الشيخ قصة هذا الحلم على تلاميذه ذات مرة " والبشر يفيض على محياه - يوم أوبته من تونس حاملا شهادة العالمية قال : وحينما ولجت الدار أسرع أبى فعانقنى ، وقال لأمى فى سرور وابتهاج ها هو قد جاءك عالما فانطلقت من فيها زغرودة مازلت أتذكرها ولن أنساها . وشعرت من أعماقى منذ ذلك اليوم بمبدى عبء المسؤولية التى أحملها على عاتقى بصفتى عالما ، وبما أثرت فى نفسى تلك المناسبة الباقية في ذاكرتى ما دمت حيا . . " ( 35) .
كما حقق حلم شيخه أبو حمدان الونيسى الذى بر بمواهبه ، وبارك فطنته ووجهه نحو طلب المعرفة ووضع خطاه في الاتجاه الأقوم ، فعاد كما أحب شيخه عالما مستكملا لكل ما وجد من دروس وشهادات علمية بالجامع الأعظم شعاره فى ذلك العلم للعلم ، وليس العلم للوظيف او المنصب الادارى وحقق فيما حقق من أحلامه توقه الشخصى الى أن يصبح شيخا يتحلق حوله الطلبة من كل فج ليقوم بالواجب ويؤدى الدين الذي يثقل كاهله ويفى بالعهد الذى قطعه على نفسه ، فيساهم بذلك في خدمة الجزائر والعروبة والاسلام ، وتنشئة جيل على حب المبادىء التى كرس لها حياته عسى أن ينبلج من خلال هؤلاء صبح الثورة المنشود .
وقد اكتشف بن باديس أن السبيل الأوحد لتحقيق هذه الأحلام والمطامح الغزيرة هو العمل على توطيد سنة التواصل بين الزيتونة وبين ابناء الجزائر ، واعادة الجسور العلمية التى انقطعت بحلول الاستعمار وتنظيم بعثات تنطلق من قسنطينة أولا لتكون الطليعة التى تعيد بناء هذه الجسور ثم تتوالى بعدئذ وتنتظم فى أشكال جماعية ومن شأن ذلك أن يفضى بدوره الى تعدد المسالك والطرق ، وتوسيع آفاق البعثة . وللوصول الى تحقيق هذه الغاية العظيمة قرر بن باديس منذ الوهلة الأولى التى وصل فيها قسنطينة " أن يتفرغ للتدريس ، وان يكون واسطة عقد حلقات دراسية مثل تلك التى شهدها فى تونس ، والتي فتحت عينيه على آفاق جديدة وفتحت نظره وفكره . لكن صعوبات مؤقتة منعته من تحقيق حلمه آنذاك " (36)
ومن غير أن نتطرق الى جهاد بن باديس منذ انتصابه للتدريس ، ومواجهته للصعوبات والمناورات الاستعمارية وتغلبه عليها جميعا ، ثم مرحلة نضاله السياسي فى صفوف جمعية العلماء الجزائريين وعبر مختلف الصحف التى أسسها أو ساهم بالكتابة فيها مما هو معروف لدى الباحثين فان هناك جانبا من هذا النضال لا بد من الاشارة اليه بهذا الصدد ونحن نورخ للمرحلة التى عاشها بن باديس فى تونس وكانت من الأسباب المباشرة فى تكوين شخصيته العلمية والسياسية ، هذا الجانب هو الذي يتصل بأواصر وعلاقات الشيخ برجال تونس ، وكفاحهم الوطنى وصلاتهم المثلى مع عدد من الكتاب والصحفيين ونظرة التونسيين لهذه الشخصية الاسلامية المرموقة .
من المعروف أن بن باديس تصدر للتدريس بالجامع الأعظم طيلة السنة الدراسية (1912/1911 ) مثلما يفعل ذلك المتطوعون الجدد ( 37 ) . وقد مكنته هذه الفرصة من اكتساب خبرة عملية أهلته لان يكون مدرسا ناجحا ، كما
ساعدته على تكوين صلات علمية بالتلامذة الذين درسوا عليه . ويبدو ان العلاقة بين الشيخ وتلاميذه كانت ودية للغاية وتميزت بالتفتح مما مكنه فى بعض الأحيان من اكتشاف نوابغهم ، والتنبؤ لهم بمستقبل زاخر بالآمال والمطامح .
ومن بين الذين درسوا عليه فى هذه السنة الشاعر التونسي الوطني الطاهر الحداد الذي عد احد نوابغ طلبة الزيتونة . ورغم أن الحداد كان فى سنته الدراسية الأولى ، فان الشيخ بن باديس أستلهم فيه بوارق نبوغ وعبقرية ، وسجل فى دفتره ملاحظة تشير الى قوة هذا الحدس التربوى الذي يتميز به ، اذ شهد له فى الصفحة الثانية عشر من دفتره المدرسى " بالمواظبة ، والفهم ، والأدب " . ( 38) .
وانطلاقا من هذه الملاحظة الموجزة والمعبرة فى نفس الوقت فان بن باديس هو الذي اكتشف الطاهر الحداد ( 39 ) وهو ما يزال بعد غلاما يافعا ، وربما كان لتلك الملاحظة دورها في تفجير طاقات هذا الشاب الذي قدر له ان يقوم بدور مشهود فى تاريخ النضال الوطني والعمالى
واذا كان دور بن باديس كمدرس كان دورا محدودا لم يتعد السنة الواحدة ، بحكم الظروف الخاصة التى أوجبت عليه العودة الى بلاده ، فان صيته الذى اخترق الحدود الجزائرية مع أول بعثة علمية فى اتجاه الزيتونة سنة 1913(40 ) كان كفيلا بأن ينيله المكانة التى أصبح يحتلها فيما بعد وطيلة حياته في نفوس مشائخه بالذات ، وكذلك فى نفوس تلاميذه وزملائه من الطلبة والمدرسين التونسيين ، ممن لم يتسن لهم تقدير مواهبه فى مرحلة الدراسة . ورغم أن تلك البعثة الأولى كانت قد عادت أدراجها ،
ولم تمكنها الحرب العالمية الأولى التى اندلعت آنذاك من الاستقرار بتونس والانخراط في صفوف طلبة الجامع الا أنها انتظمت بعد ذلك " طويلة النفس " بتوجيه من ابن باديس الذي ظل يرعى البعثات ، ويباركها ، ويدفع بها مواكب تلو المواكب .
ولم يلبث ان اشتهر اسمه كرائد من رواد الحركة الاصلاحية ، وباعث النهضة الجزائرية الحديثة ، وعبرت صحافة جمعية العلماء الى تونس فتقبلها القراء بارتياح وعرفوا من خلالها مدى الجهد الذى يبذله ذلك الابن الزيتونى البار ، الذي أخذ يشنها حربا شعواء فى كل الجبهات .
وما ان زار بن باديس تونس بعد غيبة طويلة عنها أواخر سنة 1936 حتى كانت شهرته قد طبقت الآفاق ، فاستقبله العلماء ، واستقبلته كل الفئات الاجتماعية استقبالا حاشدا يليق بمكانته . وأقيم حفل على شرفه فى القاعة الكبرى بالمدرسة الخلدونية يوم 11 شوال 1355 حيث ألقى خطابا علميا سياسيا ، ثم خص الجماهير التونسية الجزائرية بخطاب عام يوم 13 شوال بمقهى الجزائر بالعاصمة بمناسبة انعقاد الجلسة الأولى لجمعية الاخاء الجزائرى .
وقد نوهت الصحافة الصادرة انذاك بشخصيته العلمية ، وافردت صفحاتها للحديث عن مآثره وسجاياه ، حيث قدمته مجلة (الأفكار ) بقولها : " الكلام عن الشيخ ابن باديس لا تسعه صفحات هذه المجله ولا سفر كبير وإذا تحدث عنه مسامر فلا يمله السامعون ولو امتد بهم السمر اياما وأسابيع .
ان شخصية ابن باديس فذة في جميع النواحي ، فاذا سمعته يخطب اعتقدت انك أمام أشهر خطباء العالم ، واذا تحدثت اليه فى مسألة تاريخية خيل اليك أن الرجل لا يعرف الا التاريخ أو هو اختصاصى فيه فاذا دار بينكما الحديث عن المسائل الاسلامية تجزم بأنه وحيد هذا العصر .
ومع ذلك فمنظر هذا الرجل العادي لا يلفت النظر ، ولا يخبر عن مخبره شأن المصلحين حقا ( 41 ) كما نوهت جريدة ( العمل الشعبى ) من جهتها
بشخصيته وحياته ، وحيته تحية العلماء الاجلاء قائلة عنه : " زار العاصمة ورجع الى قسنطينة العالم السلفى المصلح الجليل ، الجهبذ الأستاذ عبد الحميد بن باديس ، رئيس كل من جمعية العلماء بالجزائر ، وتحرير رصيفتها (الشهاب) الزاهرة . فقوبل من الأوساط الزيتونية العلمية بحفاوة مناسبة وازدان مقر الخلدونيه بجواهره النفيسة ودوره الغالية . فخاطب القلوب بدل الاسماع ، وحرك المشاعر ، وأثار بصائر كشرين من الناشئة والشيوخ . وسما بسامعيه الى شوامخ النصح الصريح ، والارشاد الثمين كمألوف رجال السلف " (42)
وفى نفس المناسبة استقبل بن باديس من طرف أعضاء المجلة الزيتونية ( 43)، وأقامت الجمعية الزيتونية مأدبة متواضعة حضرها جمع من العلماء وتلاميذ الشيخ وأساتذته وزملائه . فقد كانت المجلة وأسرتها وأعضاء الجمعية المشرفة على اصدارها على صلة وثيقة وحميمة بالشيخ ، الذى كان بادر الى التنويه بصدور المجلة ، ودعا الى تعزيزها وخصها بالنصح والدعم المعنوى ، فكتب ابان ظهورها يقول : " يحق لى وأنا تلميذ من تلاميذ الزيتونة ، أن اغتبط بالمجلة الزيتونية غبطة خاصة . ويحق لي - وأنا جندى من جنود الاصلاح الاسلامى العام - أن أسر سرورا خاصا بتعزز معاقل الاصلاح بها " ( 44)
ثم يواصل الاشادة بظهور هذه الحركة الدالة على روح الاصلاح والرغبة فيه والاتجاه اليه ، وهو الاصلاح الذى طالما دعا الشيخ بن باديس الى وجوب احداثه لتساير برامج التعليم الزيتونية مختلف التطورات
المعاصرة " فجاءت المجلة الزيتونية تعلن الاصلاح ، وتحمل رايته ، وتدعو اليه باسم جامع الزيتونة المعمور ، فكان فوزا مبينا للاصلاح والمصلحين ونصرا عظيما للاسلام والمسلمين "
ويخص الشيخ فى مقاله المشار اليه محررى المجلة بكلمة تقدير وود قائلا : " وقد ازدانت عزتها بأسماء أربعة من خيرة الشبان العاملين الأستاذ محمد الشاذلى بن القاضى ، والأستاذ محمد الهادى بن القاضى وكنت تلقيت شيئا من البلاغة عن المنعم والدههما ، والأستاذ محمد المختار بن محمود ، والأستاذ الطاهر القصار " .
وفي مجال التوجيه ، وما يريده بن باديس لهذه المجلة من الرسوخ والدوام ، ومساوقة التيارات العلمية والفكرية ، والانفتاح على المعارف الانسانية ، وعلى تيارات الشباب بصفة خاصة نجده يسكب النصح في آذان المشرفين عليها قائلا : " ان اسم الزيتونة " اسم اسلامى علمي تاريخى عظيم ، فيجب أن تكون المجلة الزيتونية ممثلة له ، مجددة لعهده
واني اقترح على أخوانى القائمين بها أن يضموا الى قلم تحريرها رجالا من الزيتونيين الذين يعرفون بعض اللغات الغربية ولهم خبرة بحركات العصر من وراء البحر ، فان العلوم والآداب والفنون تراث الانسانية كلها لا تستقل فيها أمة عن أمة ، وأكمل الامم ازاءها من تحسن كيف تحافظ على حسنها ، وتستفيد من حسن غيرها .
لهذه الأسباب كلها كانت العلاقة جد وطيدة بين بن باديس وبين النخبة الزيتونية . وعلى الرغم من انقطاعه عن زيارة تونس مدة طويلة منذ دراسته وحتى سنة 1936 كان الشيخ لا ينى يتابع عن كثب كل ما يحدث فى الزيتونة من تطورات ، مطالبا بالاصلاح ، متحملا مع المتحملين عبء مسؤولية تطوير هذه المؤسسة العلمية التى كانت خير ظهور لحركته وخير معين لتخريج الأفواج العلمية الجزائرية التى قامت بأهم دور فى الاصلاح ، وواصلت رسالة بن باديس الخالدة
- يتبع -

