الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5الرجوع إلى "الفكر"

العلامة عبد الحميد بن باديس في تونس

Share

( ٣ ) - ( * )

ان هذا التعاطف والتساند هو الذي جعل الجمعية الزيتونية وأعضاء مجلتها يسارعان الى الاحتفاء بمقدم الشيخ ، ويولون حضوره أهمية خاصة . وقد شجع هذا الاستقبال الأخوى الحار بن باديس على التردد على تونس مرتين أخريين ، فى المناسبات التى كان يرى فيها وجوب تعزيز التضامن بين أبناء الأمة الواحدة ، ودعم اللحمة والتقارب ، فزار تونس للمرة الثانية فى شهر جوان 1937 بمناسبة ذكرى البشير صفر أستاذه الذي درس عليه التاريخ والمثل الوطنية ، وقد أقيمت هذه الذكرى فى الجمعية الخلدونية التى كان المحتفى بذكراه أول حافظ لها .

وأثناء اقامته هذه كان الشيخ بن باديس محل حفاوة بالغة ، فدعي لالقاء محاضرة بقصر الجمعيات الفرنسية تحت اشراف كل من جمعية الطلبة الجزائريين ، والجمعية الودادية الجزائرية بتونس . وكما جاء فى الصحافة الصادرة آنذاك والتي تابعت نشاط الشيخ عن كثب ، فقد تصدر بن باديس مسرح قصر الجمعيات وعلى يمينه جلس الشيخ الشاذلى بن القاضي صاحب ( المجلة الزيتونية ) ، والسيد حسان بوجدرة من أعيان الجالية الجزائرية ، كما كان على يسار المحاضر رئيسا الجمعيتين المذكورتين السيدان الشاذلى المكى ، وقلش الزين .

وتناول بن باديس في هذه المحاضرة الحركة العلمية والسياسية فى القطر الجزائري ، فأوضح فى مستهلها بأسلوبه البارع بأنه دعى لالقاء هذه المحاضرة بدعوى من الجمعيتين المذكورتين ، فلم يسعه الا أن يلبى النداء رغم شعوره بالارهاق والتعب ، اذ هما لسان الشباب ، ومن الواجب تلبية هذا النداء الذى هو نتيجة الماضي ، وزهرة الحاضر ، وآمال المستقبل ، وعدة الحياة

وقال فى بدء المحاضرة يعتذر عن اختيار الجمعيتين الحديث عن الجزائر دون المغرب العربى الذى يمثل فى أجزائه مظهرا من مظاهر الأمة الموحدة حتى فيما نالها من عنت الاستعمار " ان الجمعيتين اختارتا أن يكون الكلام عن الجزائر وانا أحب أن يكون الحديث عن عموم المغرب العربى ، لأني اؤمن بأن هذا الشمال الافريقي لا ينهض الا بتضامنه مع بعضه بعضا . لكن اذ تحدثت عن الجزائر فانما أتحدث عن جزء من كل ، وأذكر عن الأخ ما يسر اخوانه " ( 45 )

وحدد بعد ذلك موضوع المحاضرة ، واطارها السياسي العلمي منبها الى وجوب خوض العلماء ميدان السياسة ، لان العلم والدين لا ينهضان الا بنهوض السياسة ، معارضا الرأى القائل بوجوب اقتصار العلماء على معالجة الموضوعات الدينية أو العلمية الصرفه قائلا بهذا الصدد : " وقد يرى بعضهم ان هذا الباب صعب الدخول لأنهم تعودوا من العلماء الاقتصار على العلم ، والبعد عن مسالك السياسة مع انه لا بد لنا من الجمع بين السباب والعلم ، ولا ينهض العلم والدين حق النهوض الا اذا نهضت السياسة بجد .

واني أحدثكم لا بصفتى رئيسا لجمعية العلماء الجزائريين ، تلك الجمعية الدينية المحضه التى لا دخل لها فى السياسة ، وانما احدثكم بصفتى شخصا خدم الصحافة اثنتا عشر سنة وخدم العلم خمسة وعشرين سنة "

ثم حلل بافاضة كما تقول جريدة " الزمان " الحالة العلمية والحالة السياسية فى الجزائر ، وانتهى الى وصف الحالة العلمية بأنها " اليوم علم مبنى على روح اسلامية عربية لا يمكن أن يقاومها مقاوم ، أو يعارضها معارض ، ولا يمكن للظلم أن يقف في طريقها .

اما الحالة السياسية فقد شرحها من خلال موقف الجزائريين من حكومة الواجهة الشعبية ، فبرر دعم الجزائريين لهذه الحكومة ، وعدم خوفهم مما قد تتعرض اليه من الخيبة ، لان خيبة الأمة الجزائرية سوف تكون فى هذه المرة مرتبطة بخيبة فرنسا كذلك ، لأنها وضعت هى الأخرى ثقتها فى هذه الحكومة .

وعلى هامش هذه المحاضرة التقت جريدة ( السردوك ) ( 46 ) الأسبوعية

الساخرة بالشيخ ، ورجته أن يتفضل على قرائها بحديث يشرح بعض المسائل القائمة فى الحياة الجزائرية ، فعين لمحررها موعدا فى النزل الذي يقيم فيه . ويصف محرر الجريدة هذه المقابلة ، ويقدم لنا وصفا حيا عن نشاط بن باديس وحيويته المتدفقة بقوله : " فى حدود الساعة الثامنة والنصف ( صباحا ) كنت أطرق باب غرفة الشيخ بن باديس في نزل ( ناسيونال ) فلاقاني ببشاشته وحسن أخلاقه مرحبا . وكنت أظنه ما يزال نائما بالنظر لما يشكوه من التعب عند حلوله بتونس للمشاركة فى ذكرى المبرور البشير صفر ، ولكنى وجدته يحرر ويعمل فى انتظارى " .

وسأله مندوب الجريدة عدة أسئلة تتعلق ( 47 ) بموقف جمعية العلماء من الطرق والزوايا ، ومن جمعية نجم الشمال الافريقي ، وموقف النواب الماليين والعماليين من الجمعية وأعمالها بباريس . كما سأله المندوب عن امارة الشعر ومن يستحقها ، ومن يعجبه من شعراء الجزائر ، وأخيرا سأله رأيه فى بعض المشاكل الخاصة بالجامع الأعظم وتجنيد طلبته

وقد أجاب الشيخ عن هذه الاسئلة بدقة العارف المتأمل الذي يعرف لكل مسألة حلها .

أما زيارته الأخيرة لتونس فقد كانت بمناسبة عودة الشيخ عبد العزيز الثعالبي من منفاه بالشرق العربى فى شهر اوت 1937 ، فجاء بن بادييس موفدا من قبل جمعية العلماء يهنئه بالعودة مع جملة المهنئين اذ كان يكن له كل احترام وتبجيل ويراه من رجال الشمال الافريقي الافذاذ ، حتى انه كان يبيح لنفسه ان يذكره بالاسم المجرد دونما صفات أو ألقاب : " هكذا أذكر دون لقب أو صفة ، فان هذا الاسم لم يبق على ذات مشخصة تحتاج الى صفاتها وألقابها ، بل صار فى أذهان الناس علما على الرجولة والبطولة والزعامة ، وعلى التفكير والعمل والتضحية ، وعلى الاسلام والشرق والعروبة وعلى وحدة افريقية

فاذا قلت عبد العزيز الثعالبي فقد قلت هذا كله " ( 48 ) .

وهكذا يتضح من خلال ما كتب بن باديس ان زيارته الأخيرة هذه الى تونس كان لها غرض سياسي معين ، وهو تأييد موقف الثعالبي الذي كان بحاجة آنئذ الى تأييد ومؤازرة ، بعد تصدع الحزب الدستورى التونسي اثناء غيبته فى الخارج ، وقيام الشطر الذى يمثل العناصر الشابة فى الحزب يعقد مؤتمر استئائي للحزب ببلدة قصر هلال ( 49 ) فى 2 مارس 1934 والخروج بمقررات تهدف الى عزل اللجنة التنفيذية للحزب القديم التى لم تعد قادرة فى نظرهم على القيام بالدور المنوط بعهدتها ، بحكم التطلعات الجديدة للشعب التونسي

ولا شك في ان هذه الزيارة الأخيرة كانت محكومة بعدة عوامل ، فالثعالبي من أسرة جزائرية عريقة ( 50 ) وهو فى نظر بن باديس يمثل بهذا الانتساب جانبا من نضال الجزائريين الذين أنقذتهم جنسيتهم التونسية من ملاحقة السلطة الاستعمارية ، ومن القبضة الشديدة التى كانت تفرد الجزائريين بمعاملة شاذة . وهو زيتوني عريق علما وسلوكا ، تتجسم فيه مآثر العلماء ومآثر الزعماء معا بنظرته المتطورة واقدامه الذى كثيرا ما جعله عرضة لسخط الوسط الزيتوني المحافظ

وفي هذا الصدد كان بن باديس يرى نفسه صورة شديدة المشابهة لشخصية الثعالي : انتماؤما الوثيق لوطن واحد ، وحماسهما لرفعة شأن الدين والعروبة ، ومزاوجتهما بين العمل السياسي الذي يتطلب المرونة والحذق والصلابة ، وبين الاندفاع الوطني والاصلاحى الذى لا يهادن في سبيل نصرة الحق وتقويم الباطل ودحضه

كما أن من مظاهر التشابه بينهما هو أن كلا منهما رحل الى الأزهر بعد الدراسة بالزيتونة لحضور بعض الدروس العلمية هناك استكمالا للطموح ودعما لشخصيته العلمية ، فدرس الشيخ الثعالبى على الشيخ البشرى ( 51 ) كما درس بن باديس على الشيخ بخيت المطيعى ، وقد فتحت للثعالبى " هذه  الرحلة عالما آخر ، وابتدأ تكونه العالمي والاقليمي " ( 52 ) وهي نفس الغايات التى تحققت للشيخ بن باديس من رحلته الى الحجاز ومصر حيث التقى هنا بالشخين مبارك الميلي ، وحمدان الونيسى . وبدأت فكرة تأسيس ( جمعية العلماء ) تخامر ذهنه بعد التحادث معها فى الشؤون الجزائرية

ومثلما كان الثعالبي وطنيا مغربيا عربيا اسلاميا ، كذلك كان ابن باديس يرى وجوب اطراد الكفاح من أجل الشمال الافريقي أولا ثم العروبة ثانيا وفي ضمن هذا وذاك الدفاع عن الاسلام الذى ينافى الظلم والقهر

ولهذه الغايات تردد الثعالبي على المغرب والجزائر للاتصال برواد الحركات الاصلاحية هناك وتنسيق التعاون بين الجميع ، كما تردد ابن باديس على تونس وصحب علماءهما ، وتدخل المرار العديدة عبر صحافتها فى الشؤون التونسية والمغربية حاثا على الاصلاح ، داعيا اليه ، منبها الى وجوب توثيق اللحمة وتوطيد عراها من هذه الأقطار

وأخيرا فان الثعالبي كان ضحية من ضحايا الاستعمار الذى شرده الى الافاق ، وطوح به لأنه أنف حياة الذل والخنوع ، مثلما كان بن باديس جنديا من الجنود الصلاب الذين نهضوا فى وجه الاستعمار الفرنسي وتعرض لمختلف مضايقاته .

ان عناصر التشابه بين الشخصين اكثر من أن تحصى ، ولعمري فهي التى جعلت رئيس جمعية العلماء شديد التعليق بالثعالبي رغم فوارق السن بينهما . ومن ثمة فقد كانت لمشاركته فى استقبال الزعيم التونسى أكثر من مغزى سياسي ، وما كان تعبيره عن الفرحة الغامرة التى هزت " الشمال الافريقي " سوى وجه من أوجه الدعم الاعلامي الذي أرادت جمعية العلماء تقديمه للثعالبي الذى تعرض موقفه الى هزة سياسية أخرجته من الحزب الذي أنشأه وكرس له كل نشاطه واغترب بسببه . ولاعطاء هذه العودة ما تستحق من الهالة السياسية والاجتماعية نرى بن باديس يصفها بقوله : " عاد الثعالبي فاهتزت فرحا افريقيا الشمالية كلها وتونس وطنه ، والجزائر مسقط رأسه وموطن أسلافه . ورأت جمعية علماء المسلمين الجزائريين فى قدومه اعتزاز الاصلاح الاجتماعى من ناحية الفكر والعلم والاخلاص والسلوك فى الحياة . وهذا ما تعمل له الجمعية ، فأبرقت تهنئه وتهنئ الأمة التونسية الشقيقة به .

ثم رأت أن تعرب عن سرورها بقدومه واعجابها بمواهبه ، وتعظيما لجانبه بذهاب رئيسها لتحيته وتهنئته بقدومه ، وابلاغه كل ما تحمله الجمعية والجزائر العربية المسلمة من الحب والتعظيم والاحترام لشخصه " ( 53 )

ومن هذه الصورة المقضبة عن المؤثرات العلمية والسياسية والفكرية التى ساهمت في تكوين شخصية بن باديس العلمية منذ نشأته وحتى أواخر أيام نضاله يتضح لنا ان البيئة الزيتونية هى استاثرت بالجانب الاوفى من اهتمامات الشيخ وشغفه ، واليها يعود الفضل فى انجاب هذه الشخصية

الاسلامية الفذة . فقد أتاحت الزيتونة للشيخ بن باديس الارتشاف من ينابيع علمها ، واكتساب صداقات هامة مع المستنيرين من أساتذتها دعاة الاصلاح والنهضة . كما أتاحت له الزيتونة الفرصة كي يمد عليها الجسور الثقافية والعلمية من خلال البعثات التى كان أول واضع لبرامجها التثقيفية وأهدافها السياسية الطموحة .

ومثلما تجلى سلوك بن باديس ومثله الاخلاقية العليا فى الامتثال لتعاليم أستاذه الأول أبى حمدان الونيسى الذى أخذ عليه عهدا بأن لا يتكسب بعلمه فان هذه الفلسفة هى التى وجهت كل تفكيره لا لتكريس علمه فقط لخدم وطنه ، ولكن لتكريس حياته كلها ، واشاعة هذه الفلسفة فى كل البعثات التى رعاها كي تنتهج المنهج الاخلاقي والفلسفي والوطنى الذى أصبح عنوانا على الشخصية الباديسية

وقد تجاوز نشاط بن باديس مجرد قيامه بتجهيز البعثات ومد الجسور العلمية المقطوعة ، بين الزيتونة وتونس ، الى تجنيد كل الجزائريين المهاجرين ، والاتصال بهم خلال زيارته لتونس ، وتبصيرهم بمجريات الأمور فى الجزائر ، والأشراف على جمعياتهم وتكتيل جهودهم من أجل جزائر الغد .

وبذلك السلوك انما لهجت الصحافة التونسية ، والأوساط العلمية بتونس التى رأت في حركة بن باديس حركة استرداد للمقومات المسلوبة التى يعمل الاستعمار جاهدا على طمسها وقتلها فى نفوس الجزائريين . وخصوصا منها الأوساط الزيتونية التى اعتبرت بن باديس ابنا بارا من أبناء الجامع الأعظم ، ونموذحا للعالم السلفى الذى لا يرى ضيرا فى الجمع بين الدفاع عن الدين والدفاع عن الوطن ، بل يرى السياسة والعلم توأمين يجسد توحدهما أكبر الأخطار على الاستعمار الساعى على الدوام للتفريق بين هذين العاملين .

واذا كان للزيتونة من فضل على الجزائر ، فان فضلها الكبير يكمن فى هذه الصدفة النادرة التى أتاحت لابن باديس التتلمذ على بعض أعلامها أما أفضال بن باديس على العروبة والاسلام وعلى الجزائر قاطبه فتكمن فى حلقة الوصل التى أحكم رباطها المقدس بين شعبين طالما حلم الاستعمال ببتر الامشاج التى تربطهما .

اشترك في نشرتنا البريدية