الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 3الرجوع إلى "الفكر"

العلامة عبد الحميد بن باديس في تونس

Share

وفد الشيخ عبد الحميد بن باديس (1) على تونس للدراسة بجامع الزيتونة فى سنة 1908 ، وذلك بتحريض من والده محمد المصطفى ، وبتأثير من أستاذه أحمد أبو حمدان الونيسى (2) الذي تلقي عليه دراسته  الأولى فى اللغة والثقافة والدين بمسقط رأسه قسنطينة .

وكان هذا الأستاذ الصالح قد أخذ عليه عهدا بألا يقرب الوظيفة ولا يرضاها ما عاش (3) ولا يتخذ علمه مطية لها ، كما كان يفعله أمثاله فى ذلك الوقت ، وهى المبادئ التى وعاها بن باديس وأخلص لها حتى الرمق الأخير تلبية لهذا العهد الذى قطعه على نفسه فى حضرة أبى حمدان الونيسى ، والذي أصبح فلسفته التى يحث كل خريجى الزيتونة على ترسم خطاها كلما التقي  بهم فى مناسبة من المناسبات العديدة .

فقبل وفاته بسنة واحدة أقامت جمعية التربية والتعليم بقسنطينة حفلة تكريم للطلبة المتخرجين من جامع الزيتونة فى ذلك العام ، دعي بن باديس للاشراف عليها باعتباره رئيس الجمعية . وعندما وقف خطيبا لم ينس أن  يذكر هؤلاء الخريجين بفضلهم الوحيد والفريد ، وهو تميزهم على أقرانهم  وزملائهم من الأقطار المجاورة الذين درسوا معهم جنبا الى جنب بأنهم  يقرؤون العلم للعلم وليس العلم للوظيف كما يفعل غيرهم ، مبصرا اياهم بما  تؤملة الأمة فيهم قائلا : " انكم رجعتم الى وطنكم تحملون شهادات علمية ، ومن أجل ذلك كنتم جديرين بهذا التكريم ، ولكن لا تظنوا أنكم ستجدون مصاعب الحياة قد ازيلت من طريقكم ، ويجب أن تعلموا يا ابنائى انكم  مقبلون على خوض معركة جديدة من أجل خدمة أمتكم ووطنكم ، بما أحرزتم عليه من علم " . ( 4 ) .

وبهذه المناسبة التكريمية كان لا بد من أن يلفت أنظار الطلبة الجزائريين المكرمين الى الظروف الخاصة التى كتبت لهم شرف التعليم من أجل المعرفة ، وهو شرف قلما توفر لغيرهم مقارنا وضعهم هذا بوضع أقرانهم  من الخريجين التونسيين قائلا : " واذا كان ابناء الشقيقة تونس يدرسون  العلم فى الزيتونة ليصبحوا موظفين فى بلادهم ، فان فضلكم الوحيد هو أنكم تقرؤون العلم للعلم ، وليس للوظيف ، وهو شرف كبير فكونوا عند  حسن ظن أمتكم بكم ، كونوا على استعداد لأداء واجبكم نحو وطنكم " . (5)

وفي رحاب جامع الزيتونة أقام بن بادريس أربع سنوات دراسية متواصلة امتدت من سنة 1908 الى سنة 1912 ، حيث حصل فى نهاية السنة الدراسية (1910-1911) (6 ) على شهادة التطويع ، ثم قضى سنة رابعة أخرى بعد

تخرجه تبعا للتقاليد المتوارثة بين الخريجين ، والقاضية بتطوع الطالب المتخرج حديثا للقيام باعطاء دروس لمدة سنة أو أكثر للصفوف الدنيا ، تمكنه من اكتساب خبرة تربوية وبيداغوجية ، وتتيح له فرصة أداء بعض الواجب نحو معهده .

وخلال هذه السنة الأخيرة التى قضاها بن باديس مدرسا بالجامع وهي السنة الدراسية (1911-1912 )تعمقت صلته بالشيخين التونسين اللذين  نوه بهما مرارا فى خطبه وكتاباته ، واعترف بتأثيرهما عليه ، والاقرار بما لهما من المكانة والفضل فى نفسه ، وهما الشيخان محمد النخلى القيرواني ، ومحمد الطاهر بن عاشور .

ويتجلى نبوغ بن باديس فى انه استطاع على غرار الطلبة المتفوقين ، اختصار مراحل الدراسة التى تستلزم قضاء الطالب سبع سنوات حسب البرامج المقررة الى ثلاث سنوات فقط ، اذ أهلته الدروس التى تلقاها على استاذه الونيسى بقسنطينة للحصول على مستوى السنة الرابعة من التعليم الزيتونى دفعة واحدة ، كما أن الظروف السائدة آنذاك في الجامع وقيام  الطلبة بمعارضة أحد القوانين الصادرة فى تلك الفترة وهو القانون القاضي بوجوب قضاء سبع سنوات فى الدراسة والغاء نظام " الادعاء " أو التجاوز  من مرحلة الى اخرى أنقذته من قضاء السنوات السبع المقرر قضاؤها ،  وأتاحت له فرصة الاجتياز .

بقول الشيخ الطاهر بن عاشور ، واصفا الحالة التى كان عليها التعليم بالزيتونة فى سنة 1908 أى فى السنة التى وفد فيها بن باديس للدراسة  بهذا المعهد : " كان التعليم فى الجامع الأعظم يخضع للامتحان والتحصيل ،  ولا يشترط مكوث الطالب مدة سنوات معينة للحصول على " التطويع " الا  انه " صدر مكتوب من نظارة الجامع بتاريخ ( 1328 ه / 1908 م ) بأن لا يقبل طلب تلميذ يرغب امتحان التطويع فى هذا العام الا بعد أن يثبت أنه قضى سبع سنوات من تاريخ تسلمه الدفتر " (7) .

وقد أثار هذا الاجراء هيجان الطلبة لأن القرار المذكور لا يحقق في نظرهم غير هدفين سلبيين أولهما : حرمان التلميذ النجيب من فرص التفوق ،  واختزال مراحل الدراسة ، وثانيهما تقويض آمال صنف آخر من الطلبة  الذين يتلقون المراحل الأولى من تعلمهم فى قراهم ومدنهم على مدرسين  فاضل ، ثم يقبلون على الجامع للاشتراك فى الامتحانات الخاصة التى تصنفهم حسب امكانياتهم وقابلياتهم العلمية . ومن حسن طالع بن باديس أن ثار الطلبة فى وجه هذا القانون الجديد الذي أصدرته نظارة الجامع ، وقاموا بتنظيم مظاهرات لمعارضته ، وقدموا عرائض استنكار الى الجهات المعنية ، وخوفا من تفاقم الاضرابات استجيب لطلبهم ، وعلق العمل بهذا القانون الى السنة الموالية .

وبهذا تسنى لابن باديس " الادعاء " الى السنة الخامسة ، فيما يبدو . فكسب بذلك أربع سنوات مدرسية بأكملها .

على أن التأكد من الوضعية الدراسية التى أتاحت للشيخ بن باديس القفز الى شهادة التطويع خلال ثلاث سنوات فقط تستدعي الاطلاع على دفتره (8) المدرسي الذي ربما كان ضمن تراثه العائلي . فقد جرت العادة  على عهده أن يحتفظ الطلبة بدفاترهم المدرسية طيلة سنوات الدراسة  بحوزتهم ، ممهورة بملاحظات مدرسيهم فى كل مادة ، ومشفوعة بقرارات الادارة . وذلك قبل أن تسن القوانين الاصلاحية اللاحقة التى خولت للادارة الاحتفاظ بنسخة من هذا الدفتر بعد الاصلاح الذى ادخل على التعليم  الزيتونى وأنظمته الادارية .

ومن المرجح أن دراسة الشيخ بن باديس كانت توجت بحصوله على شهادة التطويع بتفوق ، أما الاشارات الواردة في بعض خطبه وكتاباته الى حصوله على شهادة " العالمية " من الزيتونة ، فانما كان يعنى بها شهادة

" التطويع " دونما شك ، اذ من المعلوم ان شهادة (العالمية) (9) المذكورة كانت قد أسندت اليه فى مصر عند حضوره بعض دروس الجامع الأزهر  على الشيخ محمد بخيت المطيعى (10) ، وهي شهادة لم تكن قد استحدث بعد فى المناهج الزيتونية .

ورغم السنوات القليلة التى قضاها بن باديس فى رحاب الزيتونة فاننا نجده يحتفظ لهذا الجامع ولبعض مدرسيه بأسمى الاجلال والعرفان . وكثيرا ما أشار فى المناسبات الكبرى التى احتفل فيها بتكريمه الى ذوى الفضل عليه من الأساتذة العلماء الذين أثروا فى نفسه أبلغ تأثير ، وبروا بمواهبه . وفي مقدمة هؤلاء " المشائخ الذين علموني العلم ، وخطوا لي مناهج العمل فى الحياة ، ولم يبخسوا استعدادي حقه أتذكر منهم رجلين كان لهما الأثر البليغ فى تربيتى ، وفى حياتى العلمية ، وهما من بين مشائخى اللذان تجاوزا بى حد التعليم المعهود من أمثالهما الى امثالي - الى التربية والتثقيف ، والأخذ باليد الى الغايات المثلى فى الحياة " (11)  أحد الرجلين هو حمدان الونيسى الذى لم يفتا بن باديس يذكره بفضائله الكثيرة ، فضائل من بذر البذرة الأولى ورعاها ، وغرس في نفسه مبدأ العلم ، والمعرفة من أجل خدمة الوطن والانسانية قاطبة .

أما الثاني فهو الشيخ محمد النخلى القيروانى (12) الذي فتح له آفاقا لا تحد ، ودفعه الى اعمال الرأى ، وخلصه مما كان يرين على بصيرته من  الضجر الذى انتابه من جراء أساليب المفسرين من أساتذته التقليديين الذين  كانوا يعتمدون فى تفسيرهم ودروسهم على الجدليات ، والاختلاف فى كلام الله .

وحشو ذهنه وأذهان أضرابه من التلاميذ بما يحفظون من القوالب والمقولات دون اعمال فكر أو تدبر .

ويذكر لهذا الشيخ نصيحة كان لها تأثيرها العميق على تغيير مجرى تفكيره : " ذلك أننى كنت متبرما بأساليب المفسرين ، وادخالهم لتأويلاتهم الجدلية ، واصطلاحاتهم المذهبية فى كلام الله ما ضيق الصدر من اختلافهم فيما لا اختلاف فيه من القرآن .

وكان على ذهنى بقية غشاوة من التقليد ، واحترام آراء الرجال حتى فى دين الله وكتاب الله . فذاكرت الشيخ محمد النخلى فيما أجده فى نفسي من التبرم والقلق فقال : (اجعل ذهنك مصفاة لهذه الاساليب المعقدة ، وهذه الاحوال المختلفة ، وهذه الاراء المضطربة ، يسقط الساقط ويبقي الصحيح وتستريح ) ، فو الله لقد فتح بهذه الكلمات القليلة على ذهنى آفاقا  واسعة لا عهد لى بها " (13) .

على انه كان يحتفظ أيضا الى حد سنة 1936 بذكرى عطرة للشيخ محمد الطاهر بن عاشور (14) أحد مشائخه القلائل الذين تأثر بهم ، وأعجب بأساليبهم وطريقة تدريسهم ، ونظرتهم للأدب وللغة العربية ، وذلك قبل ان يتحول الشيخ بن عاشور فى نظره الى موظف فى الادارة التونسية  " يقاوم السنة ويؤيد البدعة ، ويغرى السلطة بالمسلمين " (15) .

على أن اعجابه القديم بشيخة الطاهر بن عاشور لم يحجب عنه رؤية مناقشته ، والتصدى لآرائه ، عندما أستوجب الأمر ذلك ، موضحا بهذا الصدد وجوب التفريق بن الانصياع للعاطفة والدفاع عن الحق قائلا عن نفسه " اننى امرؤ جبلت على حب شيوخى وأساتذتى ، وعلى احترامهم الى حد بعيد ، وخصوصا بعضهم ، وأستاذى هذا من ذلك الخصوص .  ولكن ماذا أصنع اذا ابتليت بهم فى ميدان الدفاع عن الحق ونصرته ؟ (16) "

وهو لا ينسى حتى فى موقف نصرة الحق والدفاع عنه ، واعلان الخصومة فى وجه استاذه أن يقر بما له من الفضل عليه ، وبعدد مآثره ، ويعظم صورته القديمة التى ظلت على ما هى عليه ، قبل أن تداخلها الصور الجديدة  التى نقلتها الصحافة عنه : " وان انس فلا أنسى دروسا قرأنها من ديوان  الحماسة على الأستاذ بن عاشور ، وكانت أول ما قرأت عليه ، فقد حببتني فى الأدب والتفقه فى كلام العرب ، وثبتت فى روحا جديدا فى فهم المنظوم  والمنثور ، وأحيت فى الشعور بحب العروبة ، والاعتزاز بها كما أعتز  بالاسلام " .

وحفاظا على روعة تلك الصور القديمة ، وغيرة عليها نجد بن باديس يجاهر بمشاعر الحزن لما نقلت جريدة (الزهرة) ما ساءه من كلام أستاذه ، ولما بلغه عن طريق تلاميذه انه أصبح يميل الى الطرق اللفظية ، شأنه شأن الأساتذة التقليديين الذين حذره شيخه القديم من اتباع طرائقهم العقيمة .

ويعزو بن باديس تحول استاذه هذا الى طابع الوظيف الذى طغى عليه  عندما دخل سلك القضاء " فخبت تلك الشعلة ، وتبدلت تلك الروح ،  فحدثني من حضر دروسه فى التفسير ، أنه - وهو من أعرف إنكاره على الطرق اللفظية وأساليبها - قد أصبح لا يخرج عن المألوف فى الجامع من  المناقشات اللفظية على طريقة عبد الحكيم فى ممحكاته وطرائق أمثاله ،

وبقى حتى تقلد شيخ الاسلام ، ووقف هو (17) وزميله الحنفي في مسألة التجنيس المعروفة منذ بضع سنوات ، ذلك الموقف ، حتى أصبح اسمه لا  يذكر عند الأمة التونسية الا بما يذكر به أمثاله .

وها هو اليوم يتقدم بمقال نشر بجريدة (الزهرة ) فى عدد يوم الاثنين الرابع عشر من هذا المحرم يقاوم السنة ، ويؤيد البدعة ، ويغرى السلطة  بالمسلمين .

فهل ابن عاشور هذا الملقب بشيخ الاسلام هو ابن عاشور استاذى الذى لا أعرفه " ( 18 ) .

فى سلسلة من المقالات بنفس الجريدة طفق بن باديس يرد على شيخه ابن عاشور ويناقش أفكاره ، ورغم ما اتسمت به تلك المقالات من الحدة والحماس فانها ولا شك ذات دلالة واضحة على روح الجرأة التى كان بن باديس يتحلى بها . فهو فى مواقف العرفان والاكبار لا يدخر كلمة حق وصدق ووفاء يقولها فى حق أستاذ بارز ، ولكنه فى مواقف الخصام والدفاع عن الاسلام ، واختلاف الاراء لا يكتم الشهادة ولا يدع الكلمة الصادقة  تتلجلج في صدره خيفة أن يؤاخذ بالتنكر والجحود . والحقيقة أن قضية  الخلاف بين الشيخين ، أو لنقل بين التلميذ وأستاذه مردها في الأساس اختلاف طبيعة التفكير في شخصية كل منهما ، واختلاف الأوضاع السياسية  والاجتماعية بين القطرين الجزائرى والتونسي .

كان بن باديس في هذا الظرف العصب من نشاط (جمعية العلماء المسلمين) يشن حرية الضارية المتواصلة ضد السلطات من جهة ،  والطرقيين والأحزاب السياسية من جهة أخرى ، متسلحا بحوافز الدفاع عن الشخصية الجزائرية العربية الاسلامية ، فى حين لم يكن الوضع في

تونس يدعو للخوف أو الحذر من مسخ الشخصية أو المس من العقائد والمذاهب . وكل ما هنالك هو أن الشيخ ابن عاشور كان يدافع فى مرونة عن مقومات هذه الشخصية وقد عدت هذه المرونة فى بعض الأحيان مظهرا من مظاهر الضعف وأسلوبا من أساليب المناورة خصوصا موقفه من التجنيس ، وموقفه مما أسماه بن باديس بتأييد البدعة .

وبالاضافة الى شيخيه الزيتونيين اللذين ظل على العرفان لأحدهما وهو الشيخ محمد النخلى ، وخاب مأموله فى ثانيهما وهو الشيخ ابن عاشور ، فقد تعرض بن باديس باكبار واضح الى ما تركته فى نفسه دروس البشير صفر (19)  ، وكراريسه " الصغيرة الحجم ، الغزيرة العلم التى كان لها الفضل فى اطلاعى على تاريخ أمتى وقومى والتى زرعت فى نفسى هذه الروح التى انتهت بى اليوم لأن أكون جنديا من جنود الجزائر " (20 )، وهي الدروس التى كان يتلقاها فى الخلدونية (21 ) على أستاذه المذكور الذى كان أحد كبار الزعماء الوطنيين والأساتذة المرموقين ، حيث جرت العادة أن تخصص دروس الخلدونية منذ انشائها فى سنة 1896 الى تلاميذ جامع الزيتونة  لاستكمال معلوماتهم في المواد العلمية العصرية كدروس الحساب، والمساحة ، والجغرافيا والتاريخ ، والكيمياء ، واللغة الفرنسية ، ومبادئ حفظ الصحة ، والطبيعيات (22)، ويتطوع بالقاء هذه الدروس خيرة الأساتذة  بمن فيهم حافظ الجمعية الخلدونية نفسه الشيخ البشير صفر .

ولا شك أن بن باديس كان كغيره من التلاميذ تلقى بعض هذه الدروس . سواء بصورة انتظامية أو غير انتظامية ، اذ كانت التراتيب الادارية لا  تمنع الطلبة من الاقبال التلقائى وحضور الدروس بصفة فردية حرة .

هؤلاء العلماء الثلاثة هم الذين كانوا أثروا تفكير الشيخ بن باديس ،  وكان لهم أثر فى توجيه ذوقه الأدبي الذي برز فى أسلوب مقالاته التى كانت فى متناول كل مستويات القراء ، وفتح آفاقه الذهنية ، وتخليصه من  الرواسب والمكبلات ، فتبوأ لأعمال الرأى والاجتهاد والفهم السليم ، كما كان لهم الفضل فى اطلاعه على تاريخ أمته وقومه ، ودفعه لأن يكون جنديا من جنود الجزائر المثالين . ولا شك أن هذه المآثر والسجايا هي التى اصبحت فيما بعد علامة بارزة من علامات شخصية بن باديس ، وانعكست على سلوكه ودروسه ، وملأت نفسه بحب العروبة والاسلام ، واضحت فلسفته وطابع حياته .

فقد أعجب بن باديس بروح التحرر وبالنظرة الاصلاحية التى لمسها فى تفكير شيخيه النخلى وابن عاشور فهما متشبعان بقوة الاصرار على تجاوز المنافسات والحساسيات والجمود ، الذى يزخر به الوسط الذى يعيشان فيه ، فأحب بن باديس فيهما هذا الجانب البناء ، والاندفاع نحو الاصلاح ، والحماس لأراء كبار المصلحين أمثال : جمال الدين الأفغاني (23) ومحمد عبده ( 24 ) ممن لاح أثرهما جليا على الفئة المتحررة من مشائخ  الزيتونة .

يحلل بن باديس فى بعض مقالاته واحاديثه الظروف التى تعرف فيها على هذين الشيخين ، وما تركا فى نفسه من الأثر بعد اتصاله بهما واحتكاكه بآرائهما قائلا " عرفت الأستاذ الطاهر ابن عاشور فى جامع الزيتونة ، وهو ثانى الرجلين اللذين يشار اليهما بالرسوخ في العلم ، والتحقيق فى النظر ، والسمو والاتساع فى التفكير . أولهما العلامة شيخنا محمد النخلى القيروانى رحمه الله ، وثانيهما الأستاذ شيخنا الطاهر بن عاشور وكانا كما بشار اليهما بالصفات التى ذكرنا ، يشار اليهما بالضلالة والبدعة وما هو كثر من ذلك ، لأنهما كانا يحبذان آراء الأستاذ محمد عبده فى الاصلاح ، ويناضلان عنها ، ويبثانها فيمن يقرأ عليهما .

وكان هذا مما استطاع به الوسط الزيتوني أن يصرفني عنهما . وما تخلصت من تلك البيئة الجامدة واتصلت بهما حتى حصلت على شهادة " العالمية " (25 ) ووجدت لنفسى الاختيار ، فاتصلت بهما عامين كاملين كان لهما فى حياتى العلمية أعظم الأثر . على أن الأستاذ بن عاشور أتصلت به  قبل نيل الشهادة بسنة فكان ذلك تمهيدا لاتصالى الوثيق بالأستاذ  النخلى " ( 26 ) .

على أن هناك عاملا هاما من عوامل التأثير فى تكوين شخصية بن باديس الاصلاحية والوطنية لم تقع الاشارة اليه من طرف أغلب الدارسين ، كما لم يتعرض له بن باديس نفسه فى احاديثه أو خطبه ، وهو الذي أعتاد أن يلقي بعض الأضواء من حين لآخر على المؤتمرات العامة التى رافقت نضاله ، وأمدته بالعون ، وأسعفته فى اللحظات الحرجة من لحظات قلقه الذهنى أو عمله الوطني ، هذا العامل الخفى المتغاضى عنه هو عامل جزائرى بحث برتبط بظهور كتابات عمر راسم ، وعمر بن قدور (27 )التى ملأت الصحافة  التونسية بشكل ملفت للنظر خلال الفترة من سنة 1907 الى 1911 ، وهي الفترة ذاتها التى أقامها بن باديس طالبا بالزيتونة .

وليس من المناسب قط تصور عدم اطلاع بن باديس على المقالات المشار اليها ، وهى تتطرق بعمق الى المشاكل الجزائرية ، وتغطى أخبار  الوطن البعيد ، وتساهم فى طرحها على الرأى العام التونسي ، الذى كان  طلبة الجامع الأعظم يشكلون قاعدته العريضة . فما لا شك فيه أن بن  باديس طالع هذه المقالات ، وتثقف بها وفتح عليها وعيه السياسي  والوطنى ، سيما وقد كانت تعالج قضايا نتجاوب فى أبعادها المنظورة  والخفية مع آراء الأفغاني وعبده ، وتعبر عن انتماء النخبة الاسلامية الجزائرية  الى هذه الحركة الاصلاحية الشاملة .

واذا لم يكن بن باديس قد طالع كل ما نشر بهذا لصدد فانه أطلع دونما ريب على العدد الصادر من جريدة (المشير) بتاريخ 6 اوت 1911 والمتضمن قصيدة الشاعر عمر بن قدور التى عنوانها ( الضمير والاصداع اذ صادف أن حمل هذا العدد نفسه قائمة المتطوعين الذين تخرجوا في تلك الدورة من الزيتونة وفي طليعتهم بن باديس .

ولعل السبب الذى جعله لا يذكر هؤلاء في عداد المؤثرات التى تأثر بها هو اعتبار حركته امتدادا لحركتهم ، واعتبار تراثهم الفكرى والنضالى  ارثا وطنيا وليس عاملا أو مؤثرا .

ومن ثمة يجوز الادعاء بأن بن باديس أعتنق الفكرة الاصلاحية فى رحاب الزيتونة ، متأثرا بشيخيه المذكورين النخلى ، وبن عاشور . واكتشفها على صفحات الجرائد التونسية فى مقالات نخبة الاصلاحيين الجزائريين وفي مقدمتهم عمر راسم وعمر بن قدور . ويبدو من المستبعد فعلا ان يكون قد  تناقل الفكرة الاصلاحية عن أساتذته بقسنطينة ، أو تسربت اليه بمناسبة  زيارة محمد عبده الى هذه المدينة ، والقائه هناك بعض المحاضرات التوجيهية ، اذ ان بن باديس كما يؤيد ذلك الدكتور تركى رابح " كان في ذلك التاريخ لا يزال غلاما يافعا لم يتجاوز عمره الرابعة عشر بعد . ولذلك فلا نعتقد أنه اجتمع بالامام محمد عبده فى مدينة قسنطينة ، وحتى اذا  كان قد اجتمع به وحضر دروسه فلا يمكنه أن يستوعب أفكاره الاصلاحية ،  وهو فى هذا السن المبكر " (28 ) .

ذلك أن الأفكار الاصلاحية التى روح لها الأفغاني وعبدة لم تحتل مكانتها ولم تنتشر انتشارها الواسع الا بعد زيارة محمد عبده الى تونس في سنة 1903 ، واتصال النخبة التونسية بمجلتى ( العروة الوثقى (29 ) . ( المنار) ( 30 ) وافساح صفحات هذه المجلات لمقالات هؤلاء المشائخ ، وربط الصلة

بهم ، والتعبير عن اعجابها بطرق تفكيرهم وأساليبهم (31 ) حيث أصبح الوسط الزيتونى شديد التعلق بهذه الحركة الاصلاحية ، تربطه علاقات شخصية ودية برجالاتها ، منفعلا بالدعوة اليها . وقد صادفت هذه الحركة بن باديس وهو فى عنفوان الطلب ، يعيش حياته الطالبية بعمق فى صحبة اساتذته الذين اعجب بهم ، ومع الوسط الاجتماعي الطالبى والسياسي الزاخر بالمناقشات والأفكار الجريئة .

وهكذا نجد بن باديس يتأثر بالأفكار الاصلاحية بصورة مباشرة عن طريق اساتذته الذين اشار اليهم وكذلك بصورة غير مباشرة عن طريق  الوسط الفكرى والاجتماعى والسياسي الذي عايشه فى تلك المرحلة  العصيبة من مراحل النضال الوطني . واذا كان اولئك الأساتذة قد كان لهم  فضل تخليصه من الغيبيات والمكبلات الفكرية ، ورفعوا عن بصيرته غشاوة  التقليد ، وعلموه الجرأة والاصداع بالرأى ، وخلصوا أسلوبه من الترهات اللفظية ، وحببوا اليه اللغة العربية ، وأيقظوا حسه على حب العروبة  والاسلام فان الوسط الاجتماعى الزيتونى هو الذى كان له الفضل فى تكوينه السياسى بما طالع فى الصحافة والمجلات من مقالات سياسية ، واخبارية  وتحليلية حول وضع الجزائر وهي تناقش مسألة التجنيد الاجبارى طيلة  السنوات (1912/1908) وبما كان يشاهد من كوارث تحقيق بالأقطار الشقيقة المجاورة لبلده ومن أطماع ايطاليا وحربها فى طرابلس الغرب فى خريف 1911(32 ) ، وفرنسا وهجوماتها العسكرية على المغرب (33) ومحاولة اخضاع  شوكته لسيطرتها . ثم كان شاهد عيان لما جرى فى تونس من حوادث فى شهر نوفمبر 1911 (34) ، وسقوط لضحايا ، والصدام الدموى الرهيب  اثر حادثة الزلاج المعروفة .  - يتبع -

اشترك في نشرتنا البريدية