الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

العلم والتعليم، في الدولة السعودية الأولى

Share

هذه لمحة قصيرة عن العلم والتعليم فى الدولة السعودية الاولى ، أعددتها على عجل استجابة لطلب الاستاذ الجليل عبد القدوس الانصارى ، وأرجو أن أوفق فيما بعد لدراسة هذا الموضوع دراسة علمية مستفيضة .

كانت نجد والبلاد المجاورة لها قد بلغت منذ أواخر القرن التاسع الهجرى تقريبا درجة كبيرة من التأخر الفكرى والتفكك السياسى والفساد الاجتماعى والدينى واستمرت تلك الحالة تسير من سيء الى أسوأ حتى جاء المصلح محمد بن عبد الوهاب , والنص التالى من ابن غنام يعطى فكرة واضحة عن الحالة الدينية التى كانت سائدة فى المنطقة آنذاك ويعكس بالتالى طبيعة العلم والتعليم الذى تبنته وطبقته                                              الدولة السعودية الاولى .

يقول ابن غنام (( كان غالب الناس فى زمانه متضمخين بالأرجاس متلطخين بوضر الانجاس حتى قد انهمكوا فى الشرك بعد حلول السنة المطهرة بالارجاس واطفاء نور الهدى بالانطماس بذهاب ذوى الابصار والبصيرة والالباب المضيئة المنيرة وغلبة الجهل والجهال واستعلاء ذوى الاهواء والضلال حتى نهجوا فى تلك الطرائق منهجا وعرا ونبذوا كتاب الله تعالى وراءهم ظهرا وأتوا زورا وبهتانا وهجرا ، وزين لهم الشيطان انهم ينالون بذلك أجرا ويحوزون به عزا وفخرا فأركبهم على راكب الاسلاف قسرا وامتطوا كواهلهم فى ذلك السنن قهرا وحسن لهم ان الآباء بحقيقة الحق أدرى ، وأنهم بنهج منهج الشريعة أحرى ، فعدلوا الى عبادة الاولياء والصالحين

وخلعوا ربقة التوحيد والدين فجدوا فى الاستغاثة بهم فى النوازل والحوادث والخطوب المعضلة والكوارث وأقبلوا عليهم فى طلب الحاجات وتفريج الشدائد والكربات من الاحياء منهم والاموات وكثير يعتقد النفع والاضرار فى الجمادات كالأحجار والأشجار وينتابون ذلك فى أغلب الأزمات والأوقات )) ( ١ ) .

ومن هنا فان جهود كل من الشيخ محمد ابن عبد الوهاب وآل سعود كانت تهدف الى تكوين دولة اسلامية على غرار الدولة الاسلامية التى كانت قائمة فى عهد الرسول صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين . بمعنى اقامة دولة اسلامية تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر . وذلك بتطهير العقيدة مما علق بها من شوائب وتجريدها من البدع التى أدخلت عليها والتى تتعارض مع الكتاب والسنة . . والنص السابق يؤكد بعد الناس فى الجزيرة والبلاد المجاورة عن تعاليم الاسلام الصحيحة ، لدرجة انه عم الجهل وتفشى الفساد بين الناس حتى غدا الدين غريبا .

وبلاد هذه حالتها لا أشك مطلقا فى أنها تحتاج الى مصلح يأخذ بيدها نحو الخير والفلاح . وذلك بتعيير الناس بما وصلوا اليه من تأخر وضلال وارشادهم الى الطريق السوي ليعودوا الى الجادة الحقة وهى الايمان بالله الواحد الأحد وألا يشركوا به أحدا . ومن هنا فقد كان طبعيا أن تكون المواد التى يتلقاها طلبة العلم فى الدولة السعودية الاولى تدور حول تطهير العقيدة مما علق بها من شوائب وأدران وتبصير

الناس بأمور دينهم ودنياهم . وكذلك الانكباب على دراسة لغة القرآن الكريم ليتسنى للعلماء وطلابهم فهم معانيه . ولا يستبعد أن يكونوا قد ذهبوا الى أبعد من ذلك فى الدراسة والتحصيل .

وازاء هذا فانه بمجرد وصول الشيخ محمد بن عبد الوهاب الى الدرعية نراه يبادر الى عقد حلقات الدرس فى أصول الدين حيث بدأ فى تعليم الناس معنى كلمة التوحيد وهى : لا اله الا الله ، وغيرها من المسائل التى كان يجهلها الناس فى زمانه يوجزها ابن بشر ، فى النص التالى :

(( ولما استوطن الشيخ الدرعية ، وكانوا فى غاية الجهالة ، وما وقعوا فيه من الشرك الأكبر والأصغر والتهاون بالصلاة والزكاة ورفض شعائر الاسلام ، فتحولهم الشيخ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثم أمرهم بتعليم معنى ( لا اله الا الله ) وانها نفي واثبات . . ( فلا اله ) تنفي جميع المعبودات . ( والا الله ) العبادة لله وحده لا شريك له ثم أمرهم بتعلم ثلاثة الأصول وهى معرفة الله تعالى بآياته ومخلوقاته الدالة على ربوبيته والهيته ، كالشمس والقمر والنجوم والليل والنهار والسحاب المسخر بين السماء والأرض وما عليهما من الأدلة من القرآن .

ومعنى الاسلام انه تسليم الامر لله وهو الانقياد لأمر الله والانزجار عن مناهيه ، ومعرفة أركانه التى بنى عليها . وما عليها من الأدلة من القرآن ومعرفة النبي صلى الله عليه وسلم واسمه ونسبه ومبعثه وهجرته ومعرفة أول ما دعا اليه وهى ( لا اله الا الله ) ثم معرفة البعث وان من أنكره أو شك فيه كافر . وما على ذلك من الأدلة من القرآن ومعرفة دين محمد صلى الله عليه وأصحابه وهو التوحيد . ودين

أبى جهل وأتباعه وهو الشرك بالله تعالى ( ٢ ) .

ولتحقيق هذه الأهداف شرع فى بناء مسجد كبير فى الدرعية يتسع جميع سكانها ليؤدوا فيه أوقات الصلاة جماعة واستعماله كذلك قاعة درس ومطالعة . وكان الشيخ يلقي دروسه فى التوحيد مساء وصباحا من كل يوم وكان على الجميع أن يواظبوا لحضور هذه الحلقات بما فى ذلك الصبيان والنساء . وظلت هذه حالة الشيخ لمدة عام تقريبا . ومما تجدر الاشارة اليه ان الامير محمد بن سعود وأبناءه كانوا يحضرون هذه الدروس كما تعطى لهم الى جانب هذا دروس خاصة على حدة فى التاريخ وربما أصول الحكم لتهيئتهم دينيا وتاريخيا وسياسيا حتى يكونوا على درجة من الكفاءة العالية والسياسة التى تمكنهم من تسيير دفة الحكم .

والى جانب ذلك كان للشيخ مجالس عدة فى التدريس كل يوم وكل وقت فى التفسير والفقه والتاريخ واللغة .

وقد تبع وصول الشيخ محمد الى الدرعية وتنظيم تلك الدروس ان غصت الدرعية بالوافدين من جميع أنحاء البلاد المتطلعة الى معرفة أصول دينهم والاستزادة من العلم والعرفان ، وقد حدث أن غالبية أولئك كانوا من الفقراء ، ولكن يوفقوا بين رغبتهم تلك والحصول على قوت يومهم تراهم بقومون على العمل ليلا ليتمكنوا نهارا من المواظبة على أخذ الدروس والحديث عن الشيخ ومذاكرة ما أخذوه من علوم أخرى .

على أنه بعد أن استبت الامور وذلك بخضوع الناس تباعا للحكم السعودي وتطبيق مبادئ الدين الحنيف ، صدرت

الأوامر الى جميع البلدان بضرورة أن يسأل الناس فى المساجد كل يوم بعد صلاة الصبح وبين العشائين عن معرفة ثلاثة الأصول وهى معرفة الله . ومعرفة دين الاسلام ، ومعرفة أركانه . وما ورد عليها من الأدلة من القرآن ، ومعرفة محمد صلى الله عليه وسلم ونسبه ومبعثه وهجرته وأول ما دعا اليه ، والبعث بعد الموت وشروط الصلاة وأركانها وواجبتها وفروض الوضوء ونواقضه ، وغير ذلك .

ونستنتج من كل هذا ان حلقات الدرس قد عمت جميع أرجاء البلاد واتخذت المساجد قاعات لذلك .

وكان طبعيا أن ينتج عن هذه الحركة التعليمية الواسعة تخريج أفواج من العلماء والقضاة والوعاظ الذين تلقوا تعليمهم على يد الشيخ محمد بن عبد الوهاب نذكر منهم أبناءه : حسين وعبد الله وعلي وابراهيم وغيرهم من العلماء الذين تولوا مقاليد القضاء فى الدولة السعودية كما عمل البعض منهم أئمة ووعاظا ، وقد سار أبناء الشيخ وتلاميذه على نفس الوتيرة التى سار عليها الشيخ ، فكان لهم مجالس علم وحلقات دروس فى الدرعية وغيرها . ومن أولئك الشيخ حسين ابن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذى خلف والده فى الافتاء والذى كان له معرفة فى الأصول والتفسير وحلقات درس فى الفقه والتفسير وغير ذلك ، وكذلك ابنه ابراهيم الذى أخذ عنه ابن بشر فى عام ١٢٢٤ ه .

وعلى العموم فقد كان عند كل واحد من أبناء الشيخ الكثير من طلبة العلم من أهل الدرعية وغيرها ، كما كان يوجد قرب بيت كل واحد منهم مدرسة تضم الطلبة الغرباء الذين ينفق عليهم من بيت المال . فأسهموا فى تخريج أعداد لا بأس بها من العلماء

والمتعلمين كان للبعض منهم شرف الخدمة فى سلك القضاء . بينما عمل البعض الآخر فى سلك الوعظ والأرشاد . فقد كانت عادة الدولة السعودية أن تبعث الى جانب القضاة وعاظا ومعلمين الى جميع أنحاء البلاد والأمثلة على ذلك كثيرة منها ان سعودا بعد احتلاله للاحساء أقام فيها شهرا حيث رتب المساجد والدروس كما رتب فيهم علماء ممن كان معه ليعلموهم التوحيد ويذكروهم فيه ويعلموهم أصول الاسلام وأنواع العبادات وشروط الصلاة وأركانها وواجبتها وغير ذلك من شرائع الاسلام ( ٣ ) .

وهكذا فقد أسهم أولئك فى نوعية المواطنين وتبصيرهم بمبادئ الدين الحنيف .

ومن ناحية أخرى فقد شجع آل سعود حركة العلم والتعليم وكان يلقى طلبة العلم منهم كل عون ومساعدة . . من ذلك أن الامام عبد العزيز بن محمد كان يستقبل تلاميذ المدارس ، ويطلع على ألواحهم فمن استحسن خطه أعطاه عطاء جزيلا ثم يعطي الآخرين أقل منه . وكان كذلك يكتب لجميع أنحاء البلاد حاثا اياهم بأن يقبلوا على القراءة والتعليم وغالبا ما يخصص لهم راتبا فى الديوان . أما من كانت حالته الاجتماعية لا تساعده على التعلم فكان رحمه الله يأمرهم بالتوجه الى الدرعية لينفق عليه من جيبه الخاص . وكان ابنه سعود كذلك جزيل العطاء لطلبة العلم ومعلمة القرآن وأئمة المساجد والمؤذنين .

ولم يقف دور آل سعود على تشجيع الحركة التعليمية بل أسهم نفر منهم فى اعطاء الدروس وتنظيم حلقات الدرس ، ومن هؤلاء : الامام سعود بن عبد العزيز بن محمد الذى أخذ العلم عن الشيخ محمد بن

عبد الوهاب ، وكان له باع طويل فى معرفة الحديث والفقه وغير ذلك . وقد جرت عادته رحمه الله أن يذهب صباح كل يوم لحضور الدروس التى تقام فى الدرعية فى الباطن المعروف بالموسم الذى كان يقام فيه البيع والشراء ، وكانت تعقد تلك الحلقات فى فصل الشتاء عند الدكاكين الغربية وفى الصيف عند الدكاكين الشرقية ويحضرها أهالى الدرعية وغيرهم من الوافدين اليها كما يحضرها أسرة آل سعود وآل الشيخ وخواصهم وخدمهم . فاذا حضر سعود شرع فى القراءة وقد حضر ابن بشر بعض تلك الحلقات حيث يقول : (( حضرت القراءة فى ذلك الدرس فى تفسير محمد بن جرير الطبرى ، وحضرته أيضا فى تفسير ابن كثير ، فاذا فرغ الدرس نهض سعود قائما ودخل مقره )) ( ٤ ) .

وهناك يرفع اليه الناس حوائجهم . ثم يواصل حلقات الدرس بعد صلاة الظهر . يقول ابن بشر (( فاذا صلى الناس الظهر أقبلوا الى الدرس عنده فى مقره فى موضع بناء بين الباب الخارج والباب الداخل على نحو خمسين سارية جعل مجالسه ثلاثة أطوار كل مجلس فوق الآخر فمن أراد الجلوس فى الأعلى أو الأوسط أو الذى تحته أو فوق الأرض اتسع له ذلك ، ثم يأتون أخوانه وبنوه وعمه وبنوه وخواصه على عادتهم للدرس ، ويجلسون مجالسهم . ثم يأتى سعود على عادته ولا يحضر ذلك المجلس أحد من أبناء الشيخ ، لأن هذا الوقت عند كل واحد منهم طلبة علم يأخذون عنهم الى قريب العصر ، والعالم الذى يجلس للتدريس فى هذا الموضع أمام مسجد

الطريف عبد الله بن حماد ، وفى بعض الأحيان القاضى عبد الرحمن بن خميس امام مسجد الطريفى القصر . ويقرأ اثنان من تفسير ابن كثير ورياض الصالحين ، فاذا فرغ من الكلام على القراءة سكت ، ثم ينهض سعود ويشرع فى الكلام على تلك القراءة ويحقق كلام العلماء والمفسرين فيأتى بكل عبارة فائقة واشارة رائقة فتمتد اليه الابصار وتحير من فصاحته الافكار )) ( ٥ ) . ثم ينهض من المجلس ويعاود مجلس الدرس بعد صلاة المغرب والذى يحضره الكثير من الناس ويقرأ فيه عادة صحيح البخارى . بعد هذا العرض السريع يتضح لنا أن التاريخ والحديث والفقه والتوحيد والتفسير

واللغة كانت المواد الاساسية التى تلقى فى تلك الحلقات وان التدريس لم يكن قاصرا على العلماء فحسب بل شارك الحكام فى ذلك كما ان حلقات الدرس والتحصيل لم تكن موقوفة على الدرعية وحدها بل عمت سائر البلاد ، فكما رأينا ان الدولة كانت ترسل معلمين ووعاظا الى البلاد المفتوحة لتبصير الناس بأمور دينهم والاشراف على تفسير أوامر الله عز وجل والزجر عن مناهيه . . فقد استمر المسؤولون فى الدرعية يرعون حركة التعليم داخل الدرعية وخارجها من البلاد الواقعة تحت حكمهم ويقدمون لطلبة العلم ما يحتاجون اليه من رعاية ومساعدة حتى شاء الله ان تنتهى تلك الدولة ولما تستطع تحقيق الوحدة الاسلامية الكبرى ، تاركة الاضطلاع بهذه المهمة لمن يجيء بعدها .

اشترك في نشرتنا البريدية