... هذا الموضوع من أصعب المواضيع العلمية والفكرية ، ذلك ان المكتبات اليونانية والرومانية والعربية والاسلامية تقل فيها مثل هذه البحوث العلمية فقد تضخمت المكتبة العربية والاسلامية فى العلوم الادبية والعلوم الفلسفية والمنطقية والانسانية بصورة عامة ؛ الا أن البحوث الرياضية والهندسية تقل فيها اذا ما قارناها بالعلوم الانسانية ، وهذا الحكم ينطبق على سائر الامم الاخرى التى ما زالت فى طور المنهوض ... بينما الدول المتقدمة أصبحت هذه العلوم فيها تخدم كل أنواع المعارف وأصبح الحساب والجبر والهندسة يدخل فى كل فرع وفى كل ميدان من ميادين التخصص ف ((الآداب )) و (( الفلسفة )) و (( الفنون )) و (( العلوم )) كلها تخضع الى ساييس محددة . وقد تطورت هذه العلوم عند الاوربيين واليابانيين والامريكيين واصبحت الصناعات والتقنيات والتكنلوجيات الحديثة تخضع الى هذه المقاييس العلمية وها نحن اليوم فى القرن العشرين نرى صيحة تجديدية من أوربا تنادى باستخدام (( الحسابيات العصرية )) وهذه الصيحة ضد النظريات القديمة والكلاسيكية لان الحسابيات العصرية تعتمد على : (( المجموعات العقلانية )) والقوانين المنطقية وربط هذه المعارف بواقع الانسان اليومى مع مراعاة خدمة هذا العلم فى الحياة اليومية لخدمة البشرية فنتج عن ذلك الكمبيوتر (( أ )) (( العقل الالكترونى )) كما ظهرت أيضا الحاسبات الكبيرة والصغيرة فى شتى أنواع المعارف .
وبهذه المقدمة البسيطة أحاول الرجوع الى صلب الموضوع موضوع الحديث حول العلوم الصحيحة أو الرياضيات وأقصد بذلك (( علوم الجبر والهندسة عبر الحضارات )) .
تعريف الرياضيات : هى علم وفن ولغة لها دلالات ورموز ، يطلق عليها بالفرنسية :Mathematiques)) وبالانجليزية : (Mathematics) : وهى عبارة عن مجموعة من العلوم الحسابية والهندسية تشمل فئة الرياضة البحت التى تعنى بالحسابيات والجبر والهندسة وحساب التكامل والتفاضل ... وفئة الرياضة التى تعنى بالآليات وعلوم الفلك والبصريات ... الخ ... وقد عرف البعض بأن الرياضة : هى تهذيب الاخلاق النفسية بملازمة العبادات والتخلى عن الشهوات عند علماء الصوفية ، ومنها ايضا : الرياضة البدنية : وهى القيام بحركات خاصة تكسب البدن قوة والعضلات مرونة رياضية .
ويعتقد البعض ان الرياضيات علم جاف شديد الجفاف ؛ وان هذا العلم يضم مجموعة من الحقائق الابدية تركها لنا السابقون وأضاف عليها اللاحقون . وأن بامكان العلماء والمهندسين وغيرهم أن يعتمدوا على هذه الحقائق فى اعمالهم ويستخدموها متى أرادوا فى مختلف المجالات العلمية ... وانه فى فن الرياضيات أكثر من مجرد الحقائق الرياضية الاصيلة : بعيدة عن الحواس ، لا تخضع للشم أو اللمس أو القياس . وليست فى حاجة لحفظ الثوابت الرياضية فى درجة معينة من الحرارة أو تحت ضغط محدود ، كما هى الحال مع ثوابت العلوم الطبيعية . فالنسبة الثابتة لا تحتاج الى عناية كما يحتاج (( المتر )) أو (( الكيلوغرام )) . ويعمل الباحثون فى الرياضيات على بناء الهياكل من النتائج على فرضيات أو مصادرات تؤخذ ولا يسأل عن أسباب ذلك . ثم ينتقل الباحثون الى بناء الروابط المنطقية المحكمة مع شمولية فى التناسق التام بين الفرضية وبين النتائج والبرهان .
أما صفة الرياضيات اللغوية فان أسلوبها محكم ومحددة المعانى ، وهما معروفان فى العلوم الطبيعية والاقتصادية والاجتماعية ، والسلوكية وبذلك أخذ الباحثون فى مختلف فروع المعرفة يستخدمون الرياضيات فى تطوير البرامج والمعارف (( الجديدة )) و (( المتجددة )) مع تطور العصر وبذلك يحددون النتائج الجديدة التى توصلوا اليها باستخدام الحسابيات فى وصف الاشياء وظواهرها وحتى فى التعليق عليها ....
وهذه العلوم الرياضية او ما نسميها بالعلوم (( الصحيحة )) تمتد جذورها الى أبعد من خمسة آلاف سنة . ففى الحضارات القديمة نقلت عن الاقوام المتحضرة (( نظريات )) عديدة فى علم الهندسة والجبر ومن ذلك نظريات : (( فيثاغورس )) عن الحضارة اليونانية القديمة ؛ كما نقلت ايضا المعادلات
الجبرية من الدرجة الثانية وأنواع أخرى من الدرجتين الثالثة والرابعة فى علم الجبر .
... ومعرفة الانسان الاول بالرياضات قد بدأت من الطبيعة ذاتها من شكل المستقيم والنقطة ومن شكل المستدير المشابه لجذوع الاشجار والمثلت والمربع ، وأشكال الخطوط المستقيمة والمنحنية والمخروطية والمعنية والهرمية . والمستطيلة الخ الخ ... والانسان الاول بدأ يعد الاعداد المحسوسة واحدا مقابلا لواحد من المحسوسات تم تطورت معرفته تدريجيا حتى اصبح يعد بدون معدود . وهذه خطوة عظيمة فى التجديد خطتها الرياضيات فى مسيرتها الطويلة عبر الحضارات .
*** فالاغريق مثلا وهم أقدم الامم بعد الفراعنة فى معرفة هذا الفن بتجمع معلومات كثيرة فى الجبر والهندسة لدى الاقوام السابقة وكان مع ذلك بنقصها الربط المحكم ، فأخذوا عنهم وأدخلوا المنطق فى ربطها وأضافوا لها ولاول مرة فى التاريخ نرى عند اليونان هيكلا جميلا فى الرياضيات المقننه : واستطاع (( اقليدس )) فى كتابه الموسوم بـــ (( أصول الهندسة )) ان يقيم بناء عاليا يرتكز على مجموعة قليلة من المصادرات والتعاريف ويفيض بالنظريات مثلما يفيض الماء الدافق من منبع معطاء .
وكان (( اقليدس )) فنانا وعالما لغويا كما كان معلما من أحسن طراز .
وكانت جامعة الاسكندرية التى عمل فيها (( اقليدس )) يومذاك مركزا علميا مرموقا . ولم تقتصر الحضارة الاغريقية على الإسكندرية فقد انتشرت فى ارجاء بلاد اليونان وازدهرت فيها الرياضيات وبخاصة الجبر والهندسة على أيدى علماء اجلاء من بينهم (( دايوفنتس )) و (( بابس )) و (( أبولونيس و (( بروكلس )) و (( فيثاغورس )) و (( أرخميدس )) .
اما الحضارة العربية الاسلامية : فقد بدأ الباحثون فيها بدراسة الرياضيات الاغريقية المتقدمة عليهم فى الحضارة . وشغف العلماء العرب والمسلمون بهذه العلوم ونقلوها الى العربية بتوسيعات مبتكرة وتعليقات وشروح أصيلة ، وكان كتاب ((الاصول الاشهر)) من بين الكتب التى ترجمت الى العربية مرات عديدة ومنها ما يعود الى (( ثابت بن قرة )) و (( نصير الدين الطوسى )) و (( الحجاج بن مطر )) وغيرهم ، هذا فى الهندسة . أما الجبر فقد ترجموا كتاب
((القطوع المخروطية )) لـ (( بروكس )) وكتاب (( التحليل )) لــ (( دايوفاتس )) ، واجروا عليها تعليقات وملاحظات قيمة ... وبعد هذه المرحلة دخل العرب والمسلمون مرحلة التأليف . فكتب (( نصير الدين الطوسى )) كتابه النفيس: (( أصل القطاع )) ضمنه كل ما هو معروف اليوم فى المثلثات ، كما نشر (( ثابت بن قرة )) بحوثه القيمة حول الكرة والسطوح الدورانية . وتعتبر البحوث التى أنتجها ابن (( الهيثم )) و (( الابهرى )) و (( عمر الخيام )) - فى نظرية التوازى - الاساس الذى ارتكز عليه (( ساكيرى )) و (( والس )) و (( لامبرت )) إذ فيها توصلوا إلى مقدمة الهندسة الاقليدية ...
وفى الجبر : توصل (( الكاشى )) ، فى كتابه (( مفتاح الحساب )) الى اختراع الكسور العشرية . كما استطاع (( الكرخى )) فى كتابه (( الكافى )) ان يعالج الجذور الصماء بمهارة فائقة . وكان (( محمد بن موسى الخوارزمى )) من أول من أعطي للجبر اسمه المتداول وذلك فى كتابه الشهير ((الجبر والمقابلة)) الذى استخدم مصدرا لتدريس الموضوع فى الجامعات الاوربية اكثر من ثلاثمائة عام . وتعتبر بحوث (( الخوارزمى )) و (( الخيام )) فى حل المعادلات الجبرية بالقطوع المخروطية نموذجا رائعا لـ (( الجبر والهندسة )) .
كما تعتبر النتائج التى توصل اليها (( السموأل المغربى )) فى كتابه (( الباهر والزاهر )) حول (( الحدوديات )) و (( المتطابقات )) و (( المتواليات )) و (( المعادلات السيالة )) أمثلة واضحة للبحوث الجبرية الاصيلة !
من مشاهير علماء الجبر والهندسة عند العرب :
(( قطب الدين الشرازى : ( 1236 - 11311 م ) وهو من علماء الطب والفلسفة والفلك والرياضيات له كتاب (( فى حركات الدحرجة والنسبه بين المستوى والمنحنى )) وقد توفى فى (( تبريز )) .
ومن مشاهير علم الجبر والهندسة عند العرب :
القلصادى : وهو ( أبو الحسن أحمد - البسطى ) ولد فى باجة (بافريقية) أى (( تونس الآن )) وهو حساب تعلم فى غرناطة وتلمسان وتونس العاصمة ( توفى 1486 م ) وله مخطوط (( كشف الاسرار عن حروف الغبار )) ما زال مخطوطا بباريس . والقلصادى هذا من علماء العلوم الصحيحة كرمته اللجنة الثقافية بــ (( باجة )) بايعاز من وزارة الثقافة بالجمهورية التونسية وأطلقت اسم هذا الرجل على ملتقيات تعقد تحت اسم (( ملتقى القلصادى للعلوم الصحيحة بباجة )) . بعد كل ثلاث سنوات ...
ومن مشاهير علماء العرب والمسلمين فى العلوم الصحيحة أيضا :
المحلى محمود بن قطب (( وهو حساب مصرى ألف جدولا مشتمل على استخراج (( درج الشمس من التاريخ القبطى )) توفى سنة 1668 م .
ومن المشاهير من العلماء ايضا فى هذا الفن :
(( ابن البناء المراكشى )) ( ت 1321 م ) و (( ابن الشاطر الموقت )) فى الجامع الاموى ( ت 1375 م ) و (( ابن الهاشم الفرضى شهاب الدين )) ( ت 1412 م ) و (( شهاب الدين ابن طيبوغا المجدى القاهرى )) ( ت 1446 م ) و (( بدر الدين محمد سبط الماردينى )) ( ت 1486 م ) .
وفى الاندلس تم التوصل الى نتائج ذات أهمية بالغة فى نظرية الاعداد وفروعها الجبرية . ونظرا لما للحضارة العربية الاسلامية من دور أساسى فى نمو الجبر والهندسية كما هو معروف ، انتقلت الرياضيات العربية الى أوربا عن طريق الاندلس . وتتلمذ الاوربيون فى الجامعات العربية فى الاندلس وشمال افريقيا وحملوا معهم آخر ما توصل اليه الباحثون فى الجبر والهندسة ... وبذلك تمكن (( نبير فيرما )) و (( روبرت الجسترى )) من دراسة الافكار الجبرية والهندسية التى كانت معروفة يومذاك وأدخلوا عليها تطويرات كانت بداية لنهضة جبرية هامة : قام بها علماء بارزون فى الجبر من أمثال : (( كاردان )) و (( ديكارت )) و (( نيوتن )) ثم (( إيبيل )) و (( كالو )) وفى حقل الهندسة تمكن (( ساكبري و ((لامبرت)) و ((والس)) من توسيع النتائج التى ترعرت فى الحضارة العربية الاسلامية ليمهدوا الطريق لــ (( بوليا )) و (( لوباجيفسكى )) و (( كاوس )) و (( ريمان )) لاكتشاف أو اختراع الهندسة اللا إقليدية بفرعها (( الاهليجى )) و (( الهذلولى )) ولتبني بعد ذلك النظرية النسبية . وكانت تلك انطلاقة مذهلة فى الجبر والهندسة اثرت على الرياضيات برمتها .
ومن الجدير بالملاحظة ان ما حدث فى الهندسة مما أدى الى اكتشاف الهندسات اللا إقليدية ، حدث فى الجبر فى نطاق نظرية المجموعات . فالافكار التى اخذت تظهر فى نظرية المجموعات فى بداية هذا القرن أدت بمصادرة
الاختبار ان تلعب فى الجبر دورا مماثلا للدور الذى أخذته مصادرة التوازى فى الهندسة . و أدى الدوران معا دورا مشتركا فى تطوير الرياضيات وبالاخص فى أسس الرياضيات والمنطق الرياضى والتحليل وامتد أثر ذلك الى الفلسفة والفيزياء : وظهرت نظريات جديدة فى العالم ؛ ودخلت الرياضيات منذ منتصف القرن الماضى جميع ميادين المعرفة التجريبية والتطبيقية والفكرية . وهكذا نرى الرياضيات تدخل عصرا ذهبيا رائما . وتمكن (( الرياضياتيون )) أن ينجزوا من النتائج والبراهين ما يمكن معادلته كما ونوعا بما تم انجازه خلال المدة السابقة بأكملها . وبذلك تشعبت الرياضيات الى فروع عديدة شأن الفروع والميادين العلمية والطبيعية التى تخضع للظواهر الفسيلوجية .
ورغم هذا التقسيم فــ (( الرياضياتيون )) سعيدون بما حققوه من انجازات عظيمة أثرت جوهريا فى مسار الحضارة البشرية . وبذلك اصبح للمؤتمرات العلمية دور فعال فى النهوض بابحاث طريفة فى هذا الميدان كمكتشفات العقل (( الالكترونى )) والدعوة الى (( الحسابيات العصرية )) و (( الهندسة المعمارية )) و (( هندسة المواصلات )) (( البرية وللاسلكية )) و (( التالكس )) وغير ذلك من المكتشفات التى لا تحصى فى فن العلوم الصحيحة وتشعبها واستخدامها مع : (( الكهرباء )) فى حاسبات البنوك او التجارة الداخلية والخارجية .
فعلا ان ميدان العلوم الصحيحة بدأ يغزو حياتنا فى جميع الميادين وان القرن الواحد والعشرين هو قرن هذه العلوم وفرضها على الحياة البشرية لانها توافق المدركات الحسية والعقلية والفكرية وقد كانت الصيحة التى نادى بها الشيخ (( محمود قابدو )) فى أوائل هذا القرن خير دليل على أهمية هذه العلوم ومكانتها عند الدول لانها أساس التكنولوجيا والتقنات الحديثة الخاضعة للمحك العقلى والفكرى .

