خبر فتح العرب لأفريقية معروف ، أطال ذكره المؤرخون ، وجاب تفصيله رواة الاخبار .
فما كاد يقر قرار العرب فى افريقية بعد فتحهم اناها واخضاعهم اصقاعها سلطانهم القاهر ، حتى حولوا اهتمامهم الى تمصير البلاد وتعمير مدائنها وقراها وتنظيم هيئتها الاجتماعية على اصول اوضاعهم وقواعد دينهم الجديد ، معتمدين في ذلك على الأسس التي اتبعها معاصروهم من الصحابة والتابعين في عمران السلطنة العربية في الحيرة والشام ومصر .
واول سؤال يتبادر لذهن هو ماذا وجد العرب أمامهم من العمران السالف في المداثن الكبيرة بافريقية ؟ ولا بد هنا من التعرض الى الحالة التي كانت عليها هذه البلاد في العصر الرومي البيزنطي .
لا مراء ان العرب لم يجدوا في البلاد من المدائن التي تستحق الذكر سوى مدينه فرطاجنة - عاصمة القطر من عهد الفينيقيين ، فالرومان ، فالوندال ، فالروم البيزنطيين - ومن يتبع تاريخ استيلاء الروم عليها ير ان قرطاجنة لم تكن عند ظهور العرب الا عاصمة تزلزلت أكانها ، وزالت عنها النضارة القديمة وروعتها ، ولم يبق بها من المعالم الجليلة الوارد خبرها فى كتب الاغريق واللاطين سوى طل متقلص ، وبقية تافهة ممن الزخرف التالد التى كانت عليه ، وسبب ذلك الحروب والفتن المتوالية عليها مدى عصور مضت ، وقرون خلت ، ولم يبق بها من سكانها غير حثالة صغيرة لا عبرة بها ، تعيش متحصنة بقلاعها القديمة ، وتعمل في ظل اسوارها المنيعة التي حاربت الدهر ، وبقيت سياجا حافظا لها من غارة المهاجمين .
وما عدا قرطاحنة ، ماذا كان في البلاد ؛ لا شيء يذكر من المدائن العظيمة ، بل كنت ترى قرى مزجاة متفرقة هنا وهناك ، ضعيفة المبنى ، قليلة المساكن ، واللهم
الا ما يقال عن بقية باقية في سوسة ( حضر موت ) ، و وقفصة وتبسة ، وفيما سوى ذلك فبعض الحصون المتلاشية فى البراري من بقايا آثار الرومان ، أعاد الروم ترميمها مدة عز دولتهم باستعمال ما تيسر من أنقاض المعالم الرومانية الشامخة . ولم يكن الروم ليتوقفوا عن تهديم هياكل الرومان وقصورهم لترقيع القلاع والحصون التى شيدوها بسرعة لرد العصابات البربرية المناوئة لهم واتقاء هجوماتهم
فمتى وجدت في البلاد مسرحا قديما منهدم الجوانب ، او معبدا مندك العرصات ، أو معبدا منتقض الاركان ، فاجزم بأن معاول الجيوش البيزنطية عملت فيه وقوضته للغرض الذى ذكرناه
وادل دليل على ذلك ملعب " الحم " العظيم الشأن ، الشامخ البنيان ، الذي هدم كامل ركنه الغربي " بليشار " Belisaire القائد البيزنطي ، لما اغتصب افريقة من الونداليين وما زالت تلك الثمة المشوهة للبناء منقضة الاوصال متبددة الاطراف الى يوم الناس هذا .
وعبثا يحاول بعض المغرضين من كتاب الافرنج اليوم اظهار البلاد التونسية فى مظهر العمران الزاخر ، والزخرف البديع ، وغزارة التمدين قبيل قدوم العرب وحبن استيلائهم على افريقية ، فالتاريخ - وخصوصا علم الآثار - يكذبان هذه الدعوة الملففة ، والترهات المزيفة التى انما حمل كتاب الافرنج على محاولة اثباتها ماضي افريقية القرطاجني والروماني الزاهر الذى اصبح في ايام الروم أثرا بعد عين .
والحقيقة التي لا يطرقها شك ، ولا يعتريها وهم هو أن العرب لما قدموا فاتحين لم يجدوا في البلاد سوى خرائب مهدمة تعلوها مسحة من زخرف قديم أبلاه الدهر ، وغير نضارته الزمان ، لتعاقب الفتن ، وتوالي المحن ، ولم يصيبوا غير مدائن - مثل جلولا وغيرها - متداعية البنيان ، نزرة السكان ، ضعيفة الايراد بالنسبة للعهد الروماني ؛ غير منتظمة ولا متألفة الهيئة .
ولهذا السب نفسه لم يفكر العرب في نصب مركزهم الذي عزموا على ايجاده في البلاد المفتوحة على انقاض احدى تلك المدائن البالية ، وقد يصعب على الانسان ايجاد الجديد بترقيع القديم ، بل انهم صمموا على احداث مدينة مستقلة فى مركز لم يسبقهم احد بالعمران فيه وهذا ما حمل القائد عقبة بن نافع
واصحابه على تأسيس معسكرهم في وسط غيضة مشتبكة ذات اشجار واحراج ، فأنشأوا فيها ( قيروانهم الخالد ) .
وكان اختيارهم لمكانه بعد التأمل والتروى الشديد وطرق اطراف البلاد طولا وعرضا في ارتياد موضع يكون معسكرا لجندهم ومقرا لحكومتهم ، ودارا لولاتهم ومحزنا لاسلحتهم وأقواتهم ، ومستودعا لتجارتهم ومصنوعاتهم ، فاختاروا عن خبرة تامة ذلك الموقع لحكمة حربية وعمرانية واقتصادية معا .
فلو كانت في البلاد عاصمة قديمة تناسب الفاتحين لما ارتادوا سواها كما فعلوا بدمشق فى الشام . وطليطلة ثم قرطبة بالاندلس ، يؤيد نظريتنا في خلو البلاد من الامصار ذات الشأن اعتناء العرب بعد فتحهم باحداث مدائن لم تكن موجودة اسما ولا رسما مثل تونس وصفاقس والمهدية
وهنا نتوقع معارضة ناقد ينكر علينا صحة ما ذهبنا اليه لما تعلق بذهنه من غزارة عمران افريقية على عهد الرومان ولا سيما ما تملية عليه عواطفه اللاطنية وحنينه الى آثار ذلك الزمان الغابر ، فنقول لذلك الناقد ليس الامر من باب العاطفة او الوجدان ، وانما هو رجوع الى قواعد العمران ، وتأييد لما أثبته التاريخ وعلم الآثار ، وليست نظريتنا من باب المجازفة أو رغبة فى اظهار مزايا العرب ، ولكن اتباعا للحق وعملا بأصول التاريخ .
ولنبدأ بخبر القيروان عاصمة العرب الاولى :
تأسيس القيروان
تتابعت الغزوات الاولى على افريقية مدة ربع قرن - من سنة ٢٧ الى سنة ٥٠ ه وما منها واحدة الا كانت توسع نطاق الاستيلاء وتضيف الى التي قبلها منطقة " جديدة " لم يسبق اخضاعها .
ولم تكن هذه الغزوات في الحقيقة الا حركات حربية لاطلاع العرب على مجاهل البلاد ، وكشف ما تحويه من قوة معارضة ، واختبار مسالك يطرقها الفاتحون في حملاتهم القادمة تمهيدا للفتح النهائي .
ويمكن تحديد الغزوات وات الاولى بأربع ، عدا السرايا وجرائد الخيل التي كانت تاتي فى اثنائها الى اطراف افريقية - قابس وقسطيلية وغيرها - فتسبر احوال البلاد وتعود ببعض الغنائم .
واول هذه الحملات غزوة عبد الله بن سعد بن ابى سرح - سنة ٢٧ ه - وتعرف ايضا باسم غزوة " العبادلة السبعة " من الصحابة الذين شاركوا فيها ، وكان من أثرها ان خضدت شوكة الروم والبربر المنحازين الى " سبيطلة " قاعدة الجهة الوسطى من افريقية التونسية ، وبعد الصلح مع اهلها على غرامة حربية عاد الجيش العربي الى مصر - سنة ٢٩ ه - وكان فى هذه الغزوة وجوه من كبار الصحابة ما بين مهاجرين وانصار .
وفي كل مرة كان العرب يتركون في البلاد المغزوة أفرادا من وجوه الجيش نوايا لتنفيذ شروط الصلح او الهدنة ، وفي واقع الامركان هؤلاء النفر أعوانا لافادة القيادة العربية العلياء بما يحصل فى البلاد ، وكانوا ، خلال اقامتهم يتصلون
السكان ويتعرفون بأخلاقهم وعوائدهم واستعدادهم .
والعرب يسمون هؤلاء الاعوان " عيوناً " وهم المعبر عنهم اليوم في ممالك الغرب " بأعوان الاستعلام " .
ولم يكن الغزاة ليطيلوا مقامهم في البلاد بعد انتهاء المعارك والمواقف الحاسمة وحصول الصلح ، بل كانوا يسارعون بالعودة الى المشرق ، فيلتحقون بمراكزهم الاصلية في مصر او في الشام ، والسبب في اسراعهم بالرجوع هوائه لم
يكن لهم وقتئذ بافريقية معقل حصين يحميهم ، ولا مدينة خاصة بهم يلتجئون البها بعد المعارك ، لاصلاح شؤونهم ، واستجماع قواتهم ، وتضميد جراحهم ، وتجديد أسلحتهم .
قال المحقق البلاذري " ولما صالح عبد الله بن أبي سرح اهل افريقيه رجع بعسكره الى مصر ، ولم يكن لافريقية يومئذ " قيروان " ولا مصر جامع (١) "
على ان بعض قواد الغزوات اهتموا من اول قدومهم بانزال القوات المصاحبة لهم فى مكان مناسب اختاروه عن تدبر وروية ، واتخذوه مقرا برجعون اليه ، ويجتمعون فيه كلما وضعت الحرب أوزارها ، فنصبوا فيه خيامهم ، وانزلوا به حريمهم وذراريهم وأثقالهم ، ريثما يرتحلون قافلين بها الى المشرق .
وأول من اختار قيروانا للنزول به هو الامير معاوية بن حديج ، قال ابن عبد الحكم (٢)
" ثم خرج الى المغرب بعد - عبد الله بن أبي سرح - معاوية بن حديج التجيبي سنة ٣٤ ه - فافتتح قصورا عظيمة واتخذ قيروانا عند ( القرن ) ، فلم يزل فيه حتى خرج الى مصر ، وكان معه في غزواته هذه جماعة من المهاجرين والانصار "
ثم كرر ابن عبد الحكم الخبر من طريق آخر : فقال : (٢)
" وانتهى معاوية بن حديج الى " قمونية " وهي موضع القيروان ، ثم مضى الى جبل يقال له ( القرن ) فعسكر الى جانبه " .
وقوله عسكر به يقصد انه نزل مع اصحابه المكان من غير أن يكون به بناءات تأويهم ، وانما سكنوا أخببتهم وخيامهم الى وقت قفولهم ، ومما شت هذه الرواية ان من مات فى هذه الغزوة من الصحابة ومن التابعين دفن فى ذلك المكان ، منهم " ابو زمعة البلوي " الصحابي الذي استشهد في وقعة ( جلولا ) - سنة ٣٤ ه - وسيق جثمانه فدفن الى جانب المعسكر ، حيث مقام ضريحه الآن في القيروان ، ومنهم البنية ( فاطمة ) بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب ، حفيدة الخليفة الثاني .
قال الدباغ :
" غزا معاوية بن حديج افريقية ثلاث مرات احداهن سنة اربع وثلاثين ( ٦٥٥ م ) في خلافة عثمان فنزل بمكان القيروان اليوم ، واحتفر بها آبارا تسمى " آبار حديج " غلب عليها اسم أبيه وهذه الآبار خارج باب تونس منحرفة عنه الى الشرق عند مصلى الجنائز "
ثم زاد تفصيلا آخر نقلا عن غيره طبعا ، ولم يذكره ، فقال :
" كان معه في هذه الغزوة عبد الله بن عمر بن الخطاب . وعبدالله بن الزبير ، وأبو زمعة البلوي ، فمات أبو زمعة ودفن " بالبوية " احدى مقابر القيروان الآن سميت به .
" وفي هذه الغزوة ماتت بنت عبد الله بن عمر بن الخطاب ودفنت بمقبرة باب سلم الآن ...
" ثم غزا معاوية افريقية سنة احدى وأربعين ، وسنة خمسين وفي احداهما نزل " القرن " وأقام به ثلاثة أعوام ، وبنى هنالك بيوتا بالطوب وذلك قبل تخطيط القيروان (١) "
ومن هنا يتبين الباحث المحاولات المتتابعة التى بذلها قواد الجيش العربي الغازي في ارتياد موضع مناسب يكون مقرا دائما لجنودهم في البلاد قبل مباشرة الفتح النهائي
ويعود كامل الفضل الى القائد عقبة بن نافع في عزمه على تأسيس " قيروان ثابت " نهائيا وبنائه رغبة فى اقرار الفتح وتركيز سلطان العرب في البلاد ، وها هو ابن عبد الحكيم يخبرنا كيف نفذ عقبة عزمه بعد أن تولى قيادة الغزو سنة ٥٠ ه - قال : (٢)
" ثم انصرف عقبة الى القيروان فلم يعجب بالقيروان الذي كان معاوية بن حديج أنشأه قبله ، فركب والناس معه حتى أتى الى موضع القيروان اليوم ، وكان وادياً كثير الشجر ، كثير القطف ، تأوي اليه الوحوش والسباع ... وأمر الناس بالتنقية والخطط ، ونقل الناس من الموضع الذي كان معاوية بن حديج نزله الى مكان القيروان اليوم ، وركز رمحه وقال : " هذا قيروانكم ! "
وبعد ان خطط عقبة لاصحابه المجاهدين أماكن منازلهم ، شرع في بناء المسجد الجامع فى مقره الحالي ، واتخذ حذوه من الجهة الجنوبية ( دار الامارة ) لنزول الولاة ، وكأنه قلد في ذلك كله السنن التي اتبعها قبله العرب في انشاء مدائنهم الاولى ، يعني الكوفة ، والبصرة ، والفسطاط المتقدمة عن قيروان افريقية ، فانهم كانوا يفردون كل قبيلة أو بطن من بطون الفاتحين بناحية معينة من التقسيم لانشاء دور مساكنهم .
فنزل قوم من ( فهر ) بالجهة الشمالية من الجامع وبنوا بها المساكن واتخذوا حولها بعض الاجنة . و ( فهر ) ، كما لا يخفى بطن من قريش ، قوم عقبة بن نافع الفهري ورهطه ، وعرف هذا الحي بمنازل الفهريين (٢) .
وكانت بناءات الفيروان في أول أمرها على غاية البساطة ، وقد استعمل لتشييدها قراميد الآجر غير المطبوخ لوجود الطين المناسب على عين المكان ولخلو ضواحي العاصمة من الحجارة .
ويلوح لي ان الذي حمل عقبة على اختيار مكان المسجد الجامع ودار الامارة في ذلك المكان هو وجود بئر عذبة غزيرة الماء وهي بئر ( ام عياض (١) وقد جعلها وسطا بين البناءين . ومعروف ان ضاحية القيروان معطشة ولذا ترى عناية الولاة - من اول الامر - متجهة لانشاء صهاريج كبيرة - فسقيات - لخزن مياه الامطار والسيول .
واما من قال ان ( بئر روطة ) هى البئر الاولى التي أحدثت في القيروان ، أو من اجل وجودها اختير مكان المدينة فانه فى رأينا محض وهم لان هذه البئر تبعد عن الجامع ودار الامارة بمسافة شاقة من ناحية ومن ناحية اخرى فان ذكر اسم ( بئر روطة ) لم يرد في كتب التاريخ والتراجم الا في القرن الخامس الهجرى (٢) ولم نقف على تسميتها قبل ذلك ، ولا يعقل ان الجامع وعمارة دار الامارة لا يكون بمقربة منهما بئر للشراب والوضوء والغسيل ، كما هو الشأن في بئر ( أم عياض ) الوارد اسمها من القرون الاولى والتي لا تبعد بأكثر من بعض الاذرع من الجامع ومن دار الامارة معا .
يضاف الى ذلك ان البئر المعروفة الآن باسم ( بروطة ) او ( بئر روطة ) هي من محدثات الامير هرثمة بن الاعين الذي اولاه هارون الرشيد امر افريقية والمغرب ، وقد انشأها في سنة ١٨٠ ه ( ٧٩٦ م ) قال الكاتب الرقيق في تاريخه (٣)
" وفى مدة اقامة هرثمة بالقيروان حفر بها بئرا واسعة الفم ، لها سفرة رخام ، غزيرة الماء ، بالقرب من سوق الاحد "
ومن هذا السياق يفهم ان البئر التي أحدثها هرثمة هي ( بئر بروطة ) بدليل ان سوق الاحد كان حول ذلك المكان ، ويظهر ايضا ان هرثمة انما اراد بعمله هذا توسيع منابع الماء بالعاصمة لامتداد عمرانها في وقته .
ولا ننس ان الامير هرثمة هو الذي أنشأ ايضا القصر الكبير (الرباط) بالمنستير في السنة المؤرخة ، وله غير ذلك من البناءات الجليلة في افريقية .
ولنعد الى ذكر عقبة ، فانه لما عزل عن ولاية افريقية وخلفه عليها ( ابو المهاجر دينار ) مولى الانصار - سنة ٥٥ ه وكره ان ينزل في القيروان الذي اختطه سلفه ، مضى الى ناحية في شمال المدينة ، وتبعد عنها بنحو ميلين ، واختط معسكرا جديدا سمي " تكروان " وحول الجند وعيالهم اليه .
ويلوح لي اولا ان تسمية هذا المعسكر مقتبسة من اللغة البربرية ، وهي تجريف من اسم " القيروان " بزيادة التاء في اوله - وهي اداة التعريف عندهم - وقد عوضت القاف بالكاف لعدم وجود هذا الحرف في لسان البربر ، فالاسم الثاني ( تكروان ) هو ( القيروان ) بعينه لكنه تحول الى البربرية .
وثانيا ان ابا المهاجر اتخذ من البربر حرسا واعوانا فكأنهم هم الذين حملوه على تقل معسكر العرب من المكان الذي اختاره الى ناحية ربما كانت اقرب الى منازلهم ، يعني الى جبل ( وسلات ) وكانت تقطنه فرقة من ( مزاتة ) البربرية ويؤيد هذا الاحتمال ما رواه الرواة ، فقد قالوا : (١)
" ان ابا المهاجر صالح بربر افريقية ، ومنهم كسيلة الاروبى - زعيم البربر - واحسن اليه واتخذه صديقا ، وصالح عجم افريقية ، يعنى الروم المقيمين فيها .
ومهما يكن من امر فان هذا المعسكر العربي البربري لم يدم الا بعض سنين ، اذ بمجرد رجوع عقبة بن نافع الى امارة افريقية للمرة الثانية - سنة ٦٢ ه - اعاد الجالية العربية الى سكنى القيروان - مدينته الاولى ، وامر بتخريب ( تكروان ) واقبل الناس على تعمير منازلهم الاولى فرجعت اليها في اقرب وقت نضارتها ، وابى الله الا ان يكون عقبة المبدي المعيد !
ومن حينئذ تدرجت المدينة في التوسع وامتدت أطرافها ، وقد اعتنى كبار الولاة الامويين بالزيادة في معالمها ، وفي طليعتهم حسان بن النعمان ، فانه جدد بناء الجامع بما هو احسن واجمل مما كان عليه بادىء بدء ، ونصب الى جانب دار الامارة
مصالح الدواوين يعنى : ديوان الجند ، وديوان الخراج ، وديوان الرسائل ، وما الى ذلك من المنشئات الضرورية لتسيير دولاب الحكومة ، وبذلك اخذت القيروان صبغة رسمية .
ثم خلفه في الامر ( موسى بن نصر ) فزاد في منشآتها الحسان واوسع نطاقها حتى صارت في اقرب زمان " دار العروبة " في المغرب .
ومن محدثاته " دار الضرب " لسك النقود ، وهو اول من ضربها حسبما نبينه في الفصل المخصص بها .
واما السكان فانهم تسابفوا الى انشاء دورهم على شكل منازل الفسطاط بمصر من حيث الوضع والطراز ، وبنى الموسرون منهم الى جانبها المساجد الصغيرة والكتاتيب حتى ادا ثكاثرت البناءات وتلاصقت وكونت حيا سموه باسم العشيرة التى تقطنه ( كرحبة القرشيين ) و ( رحبة الانصار ) (١) و ( حارة يحصب ) و ( حارة بني نافد ) . وربما استعاروا للحي اسم احد الاعيان من العرب النازحين ( كدرب المغيرة ) و ( درب أزهر ) . . وهلم جرا ، بحيث لم يمر نصف قرن على تأسيس القيروان حتى اصبحت ام القرى المغربية ، تنبعث منها أشعة الايمان والعرفان ، وصارت العاصمة الافريقية التى تنتهي اليها المسالك ، وتتفرق منها الطرقات الى المشرق والمغرب ، ومع ذلك فانها المركز الحربي الممتاز الذي يقوم بالدفاع عن حوزة البلاد ، وفيه يستعد للهجوم على المقاومين ، ومستودع السلع الواردة من الشرق من بضائعة وصنائعة ، ومعرض دائم لمنتوجات البلاد وخيراتها .
وقد فتحت (القيروان) على يد الاسلام عصرا جديدا للبلاد ، عفت به عن عهد قرطاجنة الرومانية ، إذ ورثت ملكها العتيد ، وخلفتها في العظمة وبعد الصيت .

