الرجوع إلى البحث الذهاب لعدد هذه المقالة العدد 5 الرجوع إلى "المنهل"

العناصر النفسية فى سياسة العرب

Share

-٢-

ومن جميل صنع المؤلف انه لا يكتفى بالتحليل الخاص ، اى تحليل الحادثة التى يشير اليها وحدها ، بل هو فى تحليله هذا يسير من الخاص الى العام . انه يذكر الحادثة ويعلق عليها ، ثم ينتقل الى التعليق الشامل ؛ التعليق الذي يتصل بالاحوال العامة للشخصية التى يتحدث عنها ؛ وكانه بهذا يريد ان يعود بالقارئ الى العنصر النفسى الاصيل ؛ او مفتاح الشخصية كما يقول الكتاب المحدثون

فهو بعد ان يحدثنا فى تحليله الممتع عن هذا الموقف الحكيم الذى وقفه النبى الكريم صلى الله عليه وسلم ينتقل بنا الى الحديث العام عن سياسة الرسول العظيم وعن عنصرها النفسي النبيل ؛ فيقول :

" وما اظن ان احدا بلغ معرفة النفوس ما بلغه سيدنا محمد ، فقد نقل بيئة من عالم الى عالم ، ادخل على عالمه الجديد افكارا وعواطف لاعهد لعالمه القديم بمثلها ، فليس بالامر السهل ان ينشأ فى بيئة معروف امرها فى العصبية والنخوة كلها سادات طبعوا على السيادة ، فيقبح افعالهم ، ويذم اراءهم ويسفه احلامهم ويزيل ديانتهم ويبطل سننهم ؛ ليس بالامر السهل ان ينزع بالناس عما الفوه من الديانات الى دين حديث لم يألفوه ؛ فان دياناتهم القديمة قد رخت فى قلوبهم وتمكنت من ضمائرهم ، وصارت جزءا ، من لحمهم ودمهم وروحهم ، ولكن سيدنا النبى خبرا خلال رجاله العرب وامتحن نفوسهم وطبائعهم فسهلت له هذه الخبرة جليل عمله الذى اقدم عليه ومهدت سبيلا الى التوفيق فيه ، ولقد اجتمعت له اسباب كثيرة هيأت له نجاح دعوته ولكن الذى يهمنا فى هذا المقام انما هى الاسباب النفسية وحدها . فقد تجلت قدرته على خبرة النفوس في

كثير من اعماله ولا ارى بي حاجة الى ذكر هذه الاعمال كلها ، وحسبي ما اشرت اليه من اهتدائه الى تحويل بيئته من ديانة الى ديانة ، فهذا العمل وحده دليل قاطع على عظمة سياسته النفسية . لقد دخل الامور من ابوابها ، ولو كان يجهل نفوس اهل البيئة التى عاش فيها لما استفاضت دعوته فى الآفاق . ولا يشبهه احد من رجال العرب فى سياستهم النفسية مهما تكن قدرتهم على هذه السياسة "

وفى الكتاب اشارات صائبة . وومضات من هذا القبيل فى حديثه عن يوم السقيفة وموقف الصديق الحاسم فى ذلك اليوم المشهود ، وكذا عن موقفه الحازم مع اهل الردة . ولعل حديثه عن عمر بن الخطاب فى مسالة الشورى هو الذي يستوقف النظر ، بل هو مانخالفه فيه على خط مستقيم !

فهو لا يستصوب ما ذهب اليه عمر رضي الله عنه في جنوحه الى الشورى ، وعدم استخلافه احدا من بعده كما فعل ابو بكر الصديق رضي الله عنه ، ويقول المؤلف الكبير - فى غلطة قاسية ليست بالهينة بالقياس اليه ) ان هذا التصرف يعتبر " غلطة نفسية " من الفاروق العظيم

وحينما يريد ان يقارن احدا بعمر بن الخطاب ، فى هذا المقام لا يجد من يقارنه به الامعاوية بن ابى سفيان ، ويقول عنه : " وقد ادرك معاوية هذه الغلطة ، ومثله لا يكاد يفوته شئ من اسرار السياسة النفسية

هذه المقارنة بين سيدنا عمر بن الخطاب ، وبين سيدنا معاوية ، في جنوح الفاروق الى عدم الاستخلاف وتركه امر تعيين الخليفة من بعده شورى للمسلمين وذهاب معاوية الى عكس هذا التصرف . نقول ان هذه المقارنة لا محل لها هنا لان وجه الشبه فيها معدوم . فالحق ان الفارق هنا ليس هو بين سياسة وسياسة انما هو بين عصر وعصر . . الفارق هنا انما هو بين عصر عمر وعصر معاوية ، انه الفارق الذي لا يختلف فيه اثنان بين عصر الراشدين وعصر الامويين

وقد كان من السهل على المؤلف الحصيف ان يقرب المسافة ، فيدعم رأيه في تحبيذ الاستخلاف بمافعله الخليفة الاول ، وهنا قد تكون المقارنة اقرب الى الصواب .

لكن ما رأيه فى ان موقف سيدنا عمر في هذا الصدد كان يختلف كل الاختلاف عن موقف الصديق ؟ !

وما رأيه اذا اوردنا الدليل على ان التصرف الذي تصرفه عمر رضي الله عنه فى عدم الاستخلاف انما هو تصرف صحيح ، يعتمد على معرفة نفسية صحيحة ، وليس هو بالغلطة النفسية كما رأى ؟ ما رأى المؤلف الفاضل اذا اوردنا هذا الدليل من نفس كلامه ؟ . . اجل انه يقول ما يأتي :

" لم يخل استخلاف عمر على المسلمين من كثير من الحيرة والتردد ، فهو نشأ ان يحمل المسلمين حيا وميتا ثم رأى انه اذا استخلف فقد استخلف من هو خير منه ، يعن ابا بكر ، واذا ترك الأمر فقد تركة من هو خير منه يعنى النبي ، ثم رأى انه لو ادرك ابا عبيدة بن الجراح لاستخلفه ، ولو ادرك خالدين بن الوليد لولاه ، وفي هذا كله كثير من الحيرة ، ثم رأى فى على فكاهة ، وفي طلحة زهوا ونخوة ، وفي عبد الرحمن بن عوف صلاحا مع ضعف وراى سعدا صاحب مقنب وقتال ، لا يقوم بقرية لو حمل امرها ، وراى ان الزبير لقيس وراى ان عثمان لو ولى الخلافة لحمل قومه بني معيط على رقاب الناس تم سال الناس ان يدلوه على بر تقي يوليه ثم صح عزمه على ان يستخلف النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض فجعل الخلافة شورى بين هؤلاء الستة من المهاجرين الاولين وهم على وعثمان وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن ابي وقاص "

ففي هذا الموقف الدقيق ، ترى ماذا يصنع عمر رضى الله عنه ، ورايه ، فى من يصلحون للترشح لخلافة المسلمين هو رايه الذي ابانه المؤلف في هذه السطور ؟ انه رأى قد يدل على الحيرة والتردد كما قال ولكن لا يدل على الغلط النفسي . . وغاية ما يمكن ان يقال فى هذا الباب انه تصرف اضطرارى لجا اليه سيدنا عمر مرغما املاه عليه ذلك الظرف العصيب الذي كاق بطبيعة الحال نتيجه محتومة لما فوجئ به رحمه الله من اعتداء شنيع عليه ، فان حالة نهده لم تدع للخليفة المعتدى عليه اى فرصة كافية للبت فى ترشيح خليفة معين ، وإذا فاي

عمل اصوب - فى مثل هذا الموقف - من اللجوء الى الشورى : واختيار نخبة النخبة من اجلاء الصحابة الذين توفي رسول الله وهو عنهم راضى لكى ينتخبوا من بينهم فى أيام ثلاثة من سيكون بعده خليفة للمسلمين .

لو كانت هذه " غلطة نفسية " لكنا رأينا من نتائجها غير ما رايناه من اتفاق كلمة المسلمين حينما اعلن عبد الرحمن بن عوف فى اليوم الثالث من هذه الأيام انتخاب سيدنا عثمان من بين الاقطاب الستة الآخرين

اما ما اشار اليه المؤلف من تشاح اصحاب الشورى على الخلافة فنظن انه عند تقرير كل امر خطير كهذا لابد من وقوع مثل هذا الاختلاف

فاذا قيل شئ هنا عما حدث فى عهد عثمان رضي الله عنه مما ادى الى الفتنة الكبرى . . فلا يمكن ان يقال ان هذا من نتائج الشورى التى ارادها عمر . واما الصحيح ان يقال انه نتيجة عوامل اخرى لا علاقة لها البتة بالشورى لان النتيجة المنشودة من هذه الشورى قد تمت بمجرد ان تم انتخاب الخليفه الجديد وقد كانت هذه النتيجة - كما رأينا - موفقة كل التوفيق

ولقد اشرنا إلى الفارق بين عصر عمر وعصر معاوية بن ابي سفيان ! فهذا الفارق واضح كل الوضوح !

فعلى الرغم من كل ما يقال عن بدء ظهور العصبية القبلية فى عصر عمر رضى الله عنه ، وهي الظاهرة التى كانت ضررا كلها ، وكانت فى عصر معاوية وخلفائه من بعده اكثر ضررا - على الرغم من كل ذلك فقد كان العصر العمري ممتازا كل الامتياز !

كان المسلمون في عصر عمر اقوى ايمانا ، وانقى ضميرا ، واكثر انصياعا للحق وبعدا عن الهوى ، واقرب الى اتحاد الكلمة ، واعظم تقديرا لمصلحة المجموع ، وتمسكا بشعائر الدين ، ثم نضوجا فى الرشد السياسي

واذا فقد كانت الشورى التى ارادها عمر تتلائم كل التلاؤم مع نفسية المسلمين واستعدادهم ، فليس منها اى خطر على وحدتهم . . انها توفيق من الله لاشك فيه ، ثم هي فى الوقت نفسه انما تدل على بعد نظر ، وعلى خبرة نفسية عميقة

كل العمق تجلت كاصح ما تكون فى هذا الموقف ، كما تجلت من قبل في سائر مواقف عمر في تاريخه الفريد ! ولو اراد معاوية فى زمانه ما اراده عمر فاكبر الظن ان النتيجة هنا كانت ستكون غيرها هناك . .

واخيرا اذا كان ولابد من ان نشير الى صواب سياسة معاوية في استخلافه لابنه يزيد ، نقول ان التصرف الواجب المعقوله ، انه تصرف املته ظروف العهد الذى عاش فية معاوية بعد ان تولى خلافة المسلمين ، وهى الظروف التى هيات للبيت الاموي - بفضل معاوية نفسه مكانته الممتازة ، ونفوذه العريض ، فلم يكن من الميسور لاى بيت سواه ان يريد شؤن الحكم اذ ذاك بنفس العصبية القوية التى اتيحت للامويين فاستطاعوا دون غيرهم ان يقودوا بها الناس مدة من الزمان .

وإذا فقد كانت سياسة معاوية موفقة هي الاخري لأنها كانت تستمد خطتها وبرنامجها من روح الافراد والجماعات في عصر الخلافة الاموية .

ومهما قيل في الطريقة التى سار عليها معاوية رضي الله عنه فى هذا الاستخلاف وبخاصة مع بعض الاقطاب ، فاننا في سبيل مصلحة المسلمين الكبرى التى لانشك فى ان معاوية كان يهدف اليها قبل كل شئ ، اجل فى سبيل هذه المصلحة الكبرى نستطيع ان نبرر خطة هذا الخليفة العظيم هذا الخليفة الذى نفتش فى تاريخ الامويين جميعه فلا نجد له ثانيا - اللهم الا اذا ستثنينا خليفتهم الصالح الورع عمر بن عبد العزيز !

اما بعد فقد طال هذا الحديث فوق ما كنا نريد . . لكن فى الكتاب بعد فصول اخرى قيمة ، خليقة بالاعجاب حقا ، فحسبى اذا انوه هنا ببعض هذه الفصول ، وهي ما يحدث فيها الاستاذ المؤلف عن " حديقة المصاحف " وخطبة زياد فى البصرة " و " عبد الملك بن مروان " و " الحجاج " و " موسى بن نصير " و " سياسة المال " . وحسبى بعد كل هذا ان احيل القارىء الاديب الى الكتاب نفسه . فاكبر الظن انه من الكتب التى لا يستغنى عنها اى اديب عربى . واكبر الظن ان المكتبة العربية تفخر بمثل هذه الكتاب !

اشترك في نشرتنا البريدية