الرجوع إلى البحثالذهاب لعدد هذه المقالة العدد 4الرجوع إلى "المنهل"

العناصر النفسية فى سياسة العرب

Share

-١-

العناصر النفسية في سياسة العرب هو كتاب صغير الحجم جليل الموضوع الفه الاديب العربى الكبير الاستاذ شفيق جبري .

فاذا كان الكتاب من عنوانه يقرأ كما يقولون - فلاشك اننا من عنوان هذا الكتاب سنفهم الموضوع الذي خاض فيه

والحق انه اول كتاب من نوعه فى اللغة العربية - فيما اعلم - والحق انه كتاب فيه كشف جديد . وفيه جدة وفيه طرافة ، وفيه كثير من الصواب ودعك من انه صغير الحجم ، او قليل الصفحات فقيمة الكتب ليست فى ضخامتها او كثرة عدد صفحاتها انما قيمتها فيما يحويه من اثر شخصية المؤلف واصالة اسلوبه لأن الاسلوب هو الرجل كما يقول الناقدون !

فى كتاب العناصر النفسية هذا تحليل لبعض حوادث التاريخ الاسلامي على ضوء علم النفس ، والحق ان في الكثير من هذا التحليل توفيقا واجادة يغبط عليهما الاستاذ شفيق جبري وبخاصة لانه أول من طرق هذا الموضوع كما سبق التنويه .

وقد كان المؤرخ الجليل عبد الرحمن بن خلدون اول من وضع اساس الفلسفة التاريخية باعتراف الشرقيين والغربيين ، غير ان كتابة التاريخ على هذا النمط الأخير ومن خازل الدراسات التحليلية التى تسير فى طرائقها على منهج علم النفس الحديث انما هو شئ جديد - كما يبدو - هياه هذا التطور المستمر فى نهضة الأدب والعلوم في العصر الحديث .

والان لكى نفهم اهمية هذا النوع من البحوث النفسية والفائدة المبتغاة . منها لابد لنا من ان نقتطف هنا فقررات من كلام المؤلف نفسه اوردها في مقدمة كتابه فهو يقول :

" لقد تؤثر فى مصير الناس امور شتى ، ولكن اعظم هذه الامور سلطانا انما هي العوامل النفسية . ولو تذكرنا التعبير الذى ولدته هذه الحرب وهو " حرب الاعصاب " لعرفنا حق المعرفة ان لعلم النفس منزلة عظيمة فى الحروب " ويقول بعد هذا :

" على انه قد استطاع بعض الرجال فى خلال التاريخ ان يعرفوا اما نسميه : " روح الجماعات والأفراد " وكانت هذه المعرفة سبب نجاح سياستهم ، وقد طبق علم النفس فى الحروب فكان له شأن عظيم ، الى ان يقول :

" اما فى السياسة فانه يعلمنا الفن الصعب الذى نقود به الجماعات والأفراد ونحول به عواطفهم ، وقد تمثل ) لوبون ( فى هذا الباب برواية من روايات شكسبير ، فمن طالع هذه الرواية استطاع ان يجد فيها دليلا واضحا على ذلك فى الخطاب الذي ولده شكسبير على لسان انطونيوس لما استشار الجماهير امام جثة قيصر " .

" لاشئ اصعب من سياسة الناس ، لأن الرجل عادة مركب من شخصيات شتى ، لا تظهر الا فى احوال معينة وما هذا الثبات الذى نراه في شخصية كل واحد منا الا شكل ظاهر لأغير ، تثبت هذه الشخصية بثبات احوال معينة فاذا تغيرت هذه الأحوال تغيرت شخصية الرجل ، فالهادىء قد يصبح ثائرا والرقيق قد يصبح قاسيا ، والفاضل قد تتناثر فضائله ، فادا جهل رجال السياسية هذه الخفايا النفسية ، فان جهلهم يؤدي الى الاخفاق في سياستهم " .

" لا اجد سبيلا الى التوسع فى هذه المقدمة ، وانما حسبى من كل ماذكرت ان اشير على سبيل الايجاز الى ان السياسة المجردة من علم النفس انما هي سياسة مفشفشة . . بقى على ان اذكر نماذج من سياسات العرب التى نجحت او التى

لم تنجح وكان لنجاحها او لأخفاقها عوامل متفاوتة ، اقف منها في هذا الكتاب على العامل النفسي وحده دون الاشارة إلى غيره " .

ثم لكي نفهم ايضا طريقة المؤلف ، واسلوبه فى البحث ، وتفسيره للحوادث لابد من ان نورد هنا كلامه عن موقف من المواقف الفذة النادرة ، التى تدل على النهاية في بعد النظر ، والاحاطة التامة فى معرفة اسرار النفوس ذلك هو موقف النبى صلى الله عليه وسلم مع ابي سفيان بن حرب ، عميد البيت الأموي يقول المؤلف :

" أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس ، فكان آخر من دخل عليه اباسفيان بن حرب فقال : يا رسول الله لقد اذنت للناس قبلى ، حتى ظننت ان حجارة الخندمة ليؤذن لها قبلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : اما والله انك والناس كما قال : كل الصيد في جوف الفرا ، اى كل شئ لهؤلاء من المنزلة فان لك وحدك مثل ما لهم كلهم .

" قد نظن ان هذا الخبر لا يدلنا الا على منزلة ابي سفيان وحدها ، ولكن فيه عنصرا آخر من عناصر سياسة الرسول . انا نعلم ان ابا سفيان كان سيدا من سادات قريش فى الجاهلية كانت عنده العقاب راية قريش ، واذا كانت عند رجل اخرجها إذا حميت الحرب ، فاذا اجتمعت قريش على احد اعطو العقاب ، وان لم يجتمعوا على احد رأسوا صاحبها فقدموه ؛ وكان راسا من رؤوس الاحزاب فى الاسلام . إلا ان سيدنا محمدا لما قال له كل الصيد في جوف الفرا ، لم يقصد الى الدلالة على مكانته وحدها ، وانما خرج بهذا الكلام من مقام حرج فان قول ابى سفيان : حتى ظننت ان حجارة الخندمة ليؤذن لها قبلى ، يصور اوضح تصوير ثورة اعصابه وهيجان نفسه وشدة غضبه . ومن يدري ما كان يجر اليه هذا الكلام ، لو لم يسرع الى التخفيف من هذه الثورة والغضب ؟ وقد رأي سيدنا محمد فى وجه ابى سفيان هذا كله ، وعرف ان من وراء هذه

الثورة شيئا لا محمد عقباه ، فتلا في الأمر بمحاسن حكمته ولطائف فطنته فان قوله كل الصيد في جوف الفراغ قلب ابا سفيان من حال الى حال فى اقل من رهن النفس ، فقد قلبه من الغضب الى الرضى ، ومن الثورة الى الهدوء ومن لعبوس الى الطلاقة ، ومهما يقل الرسول لأبي سفيان بعد هذا الكلام فقد كان بوفيان مستعدا لقبوله ، لان ثورته قد هدأت ، وغضبه قد سكن ، ولم تنصرف فكره الا الى هذه المنزلة التى رده اليها سيدنا محمد . واسلوب مثل هذا الاسلوب فى معاملة الناس الخاصة ليس بالأمر الهين ، فليس بالأمر اليسير ان يدخل عليك رجل يستشيط غيظا ، ويتلظى غضبا ، وترى هذا كله فى وجهه ثم تخرجه فى اقل من لمحة من حال الى حال ، وذلك بكلمة تهتدى اليها فى حينها وتضعها فى موضعها ؛ فتكون هذه الكلمة بمنزلة الثلج الذي يوضع على كبد المحموم "

" هذه غاية المهارة فى معرفة اسرار النفوس وعوامل الغضب والرضى ، والثورة والهدوء ، وبمهارة مثل هذه المهارة نجحت سياسة سيدنا محمد فى جماعة فيهم امثال ابي سفيان وما كان نجاحها بقليل

وهكذا يمضى المؤلف البارع في التحليل ، وهكذا يفسر لنا على طريقته التى رسمها - ذلك الموقف الرائع من مواقف النبي الكريم مع كبير رجالات قريش اجمل تفسير . انه التفسير المنطقي الصحيح ! ولقد يمر على هذا الحادث وامثاله كثيرون من الناس ، ويقراونه المرة بعد المرة ؛ اما انهم يفسرونه بمثل هذا التفسير الواقعي ، وعلى هذا النحو الذي تراه مستفيضا ومبسطا فى جميع فصول هذا الكتاب ، فأغلب الظن ان هذا لا يتأتى ؛ ان لم تكن هذه القراءة مصحوبة بذخيرة وافية من معرفة النفوس ، ومرتكزة على دعامة قوية من الدراسات النفسية .

تتمة البحث فى العدد الاتى

اشترك في نشرتنا البريدية