بين الذاتية والموضوعية : (*)
يلاحظ الدارس لشعر الزهد فى الادب العربى ، منذ أول ظهوره الى قمة نضجه مع الشاعر أبى العتاهية أنه شعر وجدانى بأتم معنى الكلمة ، ينبع من صميم النفس الانسانية ويتصل بذات قائله اتصالا وثيقا . فهو غرض اذا ما قورن بالاغراض الوجدانية الاخرى فى الشعر العربى كالغزل والرثاء مثلا ، بان أكثر ذاتية ووجدانية منها . لان الشاعر المتغزل والراثى يحدثك عن نفسه ولكنه يحدثك عن غيره أيضا وفى آن واحد . بخلاف الشاعر الزاهد الذى لا يحيد فى الغالب عن الاستماع الى صوت الذات وهواجس النفس .
وقد تتعدد العوامل التى تبعث الشاعر على القول فى ميدان الزهد فيكون منها ما هو شخصى ويكون منها ما هو بيئى ولكن المصهر الذى تصهر فيه تلك العوامل بشتى انواعها والمدى الذى تتردد فيه اصداؤها هو دائما صميم الكيان البشرى وضميره الحى وهو دائما (( الأنا )) الشاعر بوجوده فى هذا الكون . وقد تغزر قريحة هذا الشاعر الزاهد وتتسع أرجاء عالمه النفسى فيغمر بعواطفه الذاتية وتجربته الشخصية المحيط الاجتماعى الذى يكتنفه كما حدث لابى العتاهية . الا ان معين هذا الفيض لا يعدو حدود هذه الذات ولا يتجاوز أعماق الوجدان .
التعبير عن عقدة النقص
فأولى بالباحث اذن فى تجربة أبى العتاهية الزهدية أن يبدأ بالكشف عن العوامل الذاتية التى دفعت بالرجل الى الخوض فى تجربته هذه قبل البحث عن العوامل الموضوعية التى ساهمت أيضا فى انضاجها وبذلك يتجلى له أن أول مظاهر هذه التجربة هو التعبير عن عقدة النقص التى كان الرجل يشعر بها منذ طفولته وتتمثل فى احساسه الحاد بضعة نسبه . وقد دفع به هذا الشعور منذ شبابه الى الحزن والتشاؤم والتفكير فى الموت والميل الى الزهد وقد زادت صحبته لاحدى النادبات هذه الاحاسيس تغلغلا فى نفسه كما أتاحت لتلك العقدة أن تتمكن وتستحكم .
وهكذا اختار الشاعر الزهد متنفسا من تباريح النفس وجعل منه أداة تعويض لما افتقده فى الحياة واعتبره مجده وجاهه لانه حرم مجد الحياة وجاهها . فاذا ما تفاخر الناس بالانساب فانه يفاخرهم بالتقوى ويذكرها بما ترمز اليه من مبدأ المساواة بين البشر مؤكدا لهم أنها التقوى التى لافضل لعربى على أعجمى الا بها فتراه كثيرا ما ينشد أمثال هذه الابيات :
(( دعنـــى مـــن ذكــر أب وجد ونسب يعليك سور المجد
ما الفخر الا فى التقى والزهد وطاعة تعطى جنان الخلد )) (1)
(( ولقد طلبت فلم أجد كرما أعلى بصاحبه من التقوى )) (2)
(( والأرض طيبـــــــة وكـــــــــل بنــى حواء فيها واحد نسبه )) (3)
ثم لماذا يتفاخر الناس وكلهم من معدن واحد هو (( التراب والماء )) ؟ ولماذا يتعالى المولى على العبد وهما سواسية أمام القضاء ولكل منهما مصير واحد ؟
(( لكل امرئ فيما قضى الله خطة من الامر فيها يستوى العبدوا المولى )) (4)
لا يفـــخـــر الـــنـــاس بـــــأنســــابـهـــم فانما الناس تراب وماء )) (5)
التعبير عن عقدة الحرمان
وتتخذ تجربة أبى العتاهية الزهدية مظهرا آخر الى جانب مظهر التعويض النفسى السالف الذكر ونعنى به التعبير عن عقدة أخرى هى عقدة الحرمان وكثر الشاعر فى هذا الطور من تجربته الزهدية من التظلم والتشكى والتدمر ويصل احيانا الى الغضب والنقمة على وضعه المحروم فتراه يتخذ من الزهد وسيلة تعبر عن ثورته على حظه التعس . ومن ابلغ الامثلة وأدلها على ذلك ما قاله من شعر فى عمرو بن مسعدة (6) عندما احتجب عنه وقطع عنه الصلات ، وفيه يذكره بالآخرة وزوال النعيم وفناء الدنيا ويلومه لوما عنيفا على نسيانه له وحرمانه من نواله :
(( لستم ترجون للحساب ولا يوم تكون السماء منفطره
لكن الدنيا كالظل بهجتها سريعة الانقضاء منشمره )) (7)
ولنا مثال آخر يصل فيه التذمر الى الغضب ويقارب فيه السخط حدود الهجاء دون ان يخرج الشاعر فيه عن اطار معانى الزهد بل ان تلك المعانى هى السلاح الذى يشهره الشاعر فى وجه الخصم وهى موضوع ذلك الشعر الساخط الناقم الذى يوجهه لعلى بن يقطين عندما أعرض عنه وخيب آماله ويهدده فيه بسوء العاقبة :
(( ما لك لا ترجع السلام على الز وار الا بلمحة البصر
مـــــا أنـــــت الا مـــــن العــبــــاد وإن أصبحت فى إمرة وفى خطر
مـــــــــا أقــــــدر الله أن يغــيـــر مـــــا أصبحت فيه فكن على حذر
واعلم بأن الأيام يلعبن بالنــــــــ ــــاساس وأن الزمان ذو غير )) (8)
وقد يستعمل الشاعر أيضا عن عقدة الحرمان أسلوب التعزى والتصبر عند نزول الشدائد أو الشعور بالحاجة والضيق وقد يوجه هذا العزاء لنفسه أو لغيره كما وجهه لمحمد بن الفضل الهاشمى عندما شكا له تخلف الصنعة وجفاء السلطان وكلاهما باب من أبواب الحرمان :
(( كل على الدنيا له حرص والحادثات أناتها غفص
وكــــان مــــن واروه فـى جدث لم يبد منه لناظر شخص
تبغـــى مـــن الــــدنيــــا زيــــــادتهـا وزيادة الدنيا هى النقص
لــــيــــــد الـمنيـــة فــــــى تلطفها عن ذخر كل شفيقة فحص )) (9)
التعبير عن الفشل
ولتجربة أبى العتاهية الزهدية طور آخر يتمثل فى التعبير عن الخيبة والفشل فى الحياة ويصور لنا هذا الطور انسانا كارها للدنيا كرها يصل أحيانا الى حد الحقد عليها ونصب العداء لها . فلم يكن موقفه منها موقف التارك والقالى لها فحسب أى موقف إهمال ولا مبالاة بل كان موقف معاند ومعاد لأمر فى نفسه ولثأر يريد أخذه بانتقام وتشف :
فضحت لا بل جرحت واجتحت يا دنيا رجالا عليك قد كلبت
يـــــــــا لــــــك مـــــــن جيفــــــــة معفنـــــــــة ! أى امتناع لها إذا طلبت
هـــــــــــــى التــــــى لــــــم تــــــــزل منغصــة لا در در الدنيا اذا احتلبت )) (10)
فأساس هذه الخصومة بينه وبين الدنيا هو بلا ريب فشله فيها اذ لم يستطع ان يحقق فيها مطالبه تلك التى وصفها بأنها كالسراب الذى لا يمكن ادراكه .
(( كأن محاسن الدنيا سراب وأى يد تناولت السرابا ؟ )) (11)
وصورة السراب هذه هى صورة الفشل الذى يمنى به المرء فى سعيه نحو أهدافه فيورثه (( الهم والغم والنصب )) ويوغر صدره على هذه الحياة فيتخلى عما فيها ويهجرها هجرانا
(( طلبتك يا دنيا فاعذرت فى الطلب فما نلت الا الهم والغم والنصب
فلمــــا بـــــدا لى أننـــــى لســـت واصـــــلا الى لذة الا بأضعافها تعب
تخليت ممــا فيـــــك جهــــــدى وطاقتــــى كما يتخلى القوم عن عرة الجرب )) (12)
واذا ما اتفق لهذا الانسان ان نال حظا من الحظوظ أو نعم بنصيب من متاع الدنيا فان نعيمه لا يدوم وسرعان ما تسلب منه الحياة باليسرى ما وهبته باليمنى
(( ويا دنياى ما لى لا أرانى أسومك منزلا الا نبا بى ؟
ألا وأراك تبــــذل يــــا زمانــى لى الدنيا وتسرع باستلابى )) (13)
ولا يخفى أن هذا الحوار بين الشاعر والحياة هو حوار محب عاشق لها ولكن هذا الحب سرعان ما انقلب الى كره بعامل الخيبة والفشل والشاعر يصارحنا بذلك دون مواربة وينصح غيره بتجنب هذه التجربة القاسية لما فيها من مرارة وأسى
(( دار بلــــيــــت بــحــــبــــهــــا خـــــــوانـــــــــة لمحبهــــــــا )) (14)
(( فلا تعشق الدنيا أخى فانما ترى عاشق الدنيا بجهد بلاء )) (15)
ولعل أحسن قصيد يصور لنا هذا المنقلب من الحب الى الكره ويرسم لنا المنعطف الخطير فى حياة هذا الشاعر الزاهد هو قصيده :
قطعت منك حبائل الآمال وحطت عن ظهر المطى رحالى )) (16)
وهو قصيد يجسم فيه خيبته وفشله ويخاطب فيه الحياة من حلال خطابه لمحبوبته عتبة ويشرح لنا فيه كيف استحكم الخصام بينه وبين الوجود ذلك الخصام الذى نشب بينهما منذ فجر العمر بسبب ما لاقاه من تعب وألم وكدح مرير لانه عرف الدنيا - كما قال - من زاوية البلاء والكد :
(( إنمـــــا الــــدنــــيــــا بــلاء وكــــــد واكتئاب قد يسوق اكتئابا )) (17)
(( ولا تحسب الدار دار الغرور تصفو لساكنها أو تطيب )) (18)
فلا جرم اذن أن تسود نظرته الى الحياة وان يتشاءم بهذا الوجود وهو تشاؤم تفسره لنا مجموعة الاعتبارات السابقة وقد طغى على عقلية الشاعر حتى أمسى يرى أن الدنيا مزيج من اللذة والالم ولكن المؤلم فيها أبلغ من الملذ
(( نرى كل ما ساءنا دائبا على كل ما سرنا يغلب )) (19)
المأساة الوجودية
وتتجلى لنا تجربة أبى العتاهية الزهدية فى أحوال نفسية أخرى تعتبر أبعد غورا وأعمق سبرا لصميم النفس البشرية ونعنى بها معاناة المأساة الوجودية التى عبر عنها الشاعر فى ديوانه أبلغ تعبير . وهى تتمثل فى الاحساس الحاد بأزمة التحول عن هذه الحياة وعن لذائذها الى الزهد فيها وقد انعكست هذه الازمة فى صورة نزاع باطنى عنيف لان الانتقال والتحول قد كان عند هذا الشاعر الزاهد عسيرا جدا يذكر بالملاحم النفسية الحامية فهو يودع الدنيا باكيا عليها ويندب شبابه ولهوه فى حسرة وتفجع مما يزيدنا ايمانا بتشبثه بالدنيا وحبه لمباهجها فتراه يفارقها كارها مرغما وفى نفسه شئ غير قليل من الاسى واللوعة ومن أوضح الادلة على ذلك بكاؤه على شبابه على رؤوس الملأ فى بغداد وكذلك مشهد توديعه للدنيا بمحضر صديقه مخارق (20)
وتتمثل المأساة أيضا فى خوفه وفزعه من الفناء فضلا عن أسفه على الدب (( وانى لممن يكره الموت والبلى ويعجبنى روح الحياة وطيبها )) (21)
وهكذا يمتزج فى شعره التغنى بحياته الماضية اللاهية والبكاء على حياته الراهنة ويحس القارئ لهذا الشعر بأن قائله يودع حياة محبوبة ويستقبل حياة مكروهة لا سيما عندما يعقد مقارنات بين الشباب المؤنس والمشيب الموحش :
(( طالما احلو لى معاشى وطابا طالما سحبت خلفى الثيابا )) (22)
(( بكيت عىل الشاب بدمع عينى فلم يغن البكاء ولا النحيب )) (23)
(( فيا ليت الشباب يعود يوما فأخبره بما فعل المشيب ))
تلك هى مأساة أبى العتاهية الوجودية وهى مأساة استمع فيها الى صوت نفسه وغير فيها بصراحة عن خلجات هذه النفس وأطلع الناس على ما تعانيه من لواعج وتباريح فقدم بذلك نموذجا نادرا وطريفا من شعر الزهد تكمن طرافته وندرته فيما تضمنه من مشاهد الصراع النفسى بين الغرائز البشرية والاهداف الروحية المثالية فرسم لوحات تمثل هذا النزاع الاليم وهى لوحات لا نظفر بها عادة عند سائر شعراء الزهد لانهم لا يصفون لنا هذه الفترة الانتقالية التى يقطع فيها الزاهد علاقته بالحياة وانما يصفون حالهم بعد الانتقال عادة واثر التغلب على ميولهم وغرائزهم كأنما يرون فى وصف مرحلة التحول هذه بها فيها من ضعف انسانى ما ينقص من كمال الزهد وصدقه فأخبرونا بنتائج تجاربهم وساقوها الينا فى شكل قرارات جامدة غالبا وفى قالب نصائح ومواعظ .
لكن أبا العتاهية قد قدم لنا تجربته مكشوفة وعرض أمامنا تناقضات الوجود البشرى المتعددة كالتناقض الموجود بين نزعات النفس ذاتها أى نزعتها المتشبثة بالبقاء الدنيوى ونزعتها الهاربة أمام صدمات هذا الوجود وكذلك التناقض بين نزعة النفس المتألمة من حياة تحبها ونزعة النفس المدفوعة الى
مصير تكرهه ، وهى تناقضات كذلك بين ضمير الانسان وعقله الجرب المتعظ وبين غرائز النفس المركبة فيها منذ النشأة الاولى
أجل ! لقد مر أبو العتاهية في تحربته بملاحم قاسية منها ملحمة الحرص الكامنة فى أعماقه لتغلغل الحرمان فيه فيعبر عنها بالفتنة يقول :
(( البغى والحرص والهوى فتن لم ينج منها عجم ولا عرب )) (24)
يا نفس لا تتعرضى لعطية إلا عطية ربك الوهاب )) (25)
يقول ذلك ويمد يده لنيل الهبات والعطايا وذلك لانه يخاف صروف الدهر وغدر الناس فاستمر باحثا عن ضمان . ومنها أيضا ملحمة الصراع بين العقل والنفس أو ملحمة جهاد الهوى فيعبر عنه معترفا بما فيه من عنف وعسر لان نفسه هى (( شر نفس )) حسب قوله :
أشد الجهاد جهاد الهوى وما كرم المرء إلا التقى )) (26)
وهكذا تدور الحرب سجالا بين العقل والنفس وتسفر عن ضعف العقل أمام جبروت النفس وتعنتها فاذا به يتخاذل ويخون صاحبه مرارا على الرغم من رشاده وحكمته :
(( لله عقلى ما يزال يخوننى ولقد أراه وانه لصليب )) (27)
وهذا العقل هو الملجأ الوحيد الذى يعصم من الزيغ وهو السبيل الى الهدى والتقوى أفلم يكن هو الذى سطر القرار النهائى فى العزم على التحول والانقلاب ؟ فكان ذلك التحول نتيجة تفكر واعتبار
رجعت لنفسى بفكرى لعلها تفارق ما قد غرها وأذلها )) (28)
(( ما أنفع العقل لأصحابه ! نتيجة العقل تمام الأدب )) (29)
يتمثل الجهاد أيضا فى حمل النفس على التوبة وقطع أسبابها مع الحياة فيصرح لنا بصعوبة هذه التوبة وبتذبذبه فى تحقيقها كما يصرح بغلبة نفسه عليه وبأنه يعيش التناقض بين القول والعمل فينصح الناس بالزهد ولا يمارسه فى حقيقة واقعه ويعلن التوبة ثم سرعان ما يتراجع فيها :
(( ألا للـــــه أنـــــــت متــــــى تتـــوب ؟ وقد صبغت ذوائبك الخطوب ))
(( وكيف تريد أن تدعــــى حكيما وأنت لكل ما تهوى ركوب )) (30)
(( ولله دنيــــــــا لا تـــــــزال تـــــــــردنـى أباطيلها فى الجهل بعد استقامتى )) (31)
هذه لا شك مرحلة من مراحل تحربته الزهدية وهى مرحلة تاريخ وتناقض واضطراب فى الشعور والسلوك وهى فترة انتقالية فى نظرنا لها أسباب نفسية شرحناها وأسباب اجتماعية أيضا من بينها علاقته بالسلطة وهى علاقة قد شوشت عليه أمن حياته الروحية (32) أو قد أبطأت به على الاقل عن احكام تجربته بسرعة .
ثم إن هذه الحلقة من تجربته شبيهة فى الظاهر بتجربة أبى نواس الزهدية أقول : فى الظاهر لان التشابه شكلى أما الدوافع فهى غير الدوافع . وقد تسب هذا التشابه الصورى فى الخلط الذى حدث بين شعريهما . لكن أبا العتاهية لا يقف حيث انتهى أبو نواس من تأرجح بل يتخطى ذلك المدى الى تجربة زهدية مستمرة . فالفرق موجود فى الدوافع وفى الديمومة وفى الحدة أيضا . فحتى الصراع النفسى المأسوى قد كان أحد عنده منه عند أبى نواس لان شاعر الخمرة قد كان أكثر استسلاما وأشد ضعفا . ثم إن أبا العتاهية قد وصل فى أواخر أيامه الى زهد عملى لم يصل اليه أبو نواس !
ومهما يكن الامر فان هذه المأساة فى تجربته الزهدية هى التى دعت معاصرية الى الشك فى زهده وبعبارة أخرى ان مجموعة التناقضات التى
بيناها هى التى سمحت بتطرق الطعن اليه . لكنها فى نظرنا أحوال صادقة تجعل تحربته حية وعميقة وانسانية . فلم يكن أبو العتاهية زائف الزهد ولا كان زاهدا مثاليا وانما زهد زهدا بشريا انسانيا واقعيا فلم يراء بزهده ولم يخادع كما اتهمه البعض قديما وحديثا (33) لانه لا يعرف النفاق بل يحاربه منوها بالصدق وفضيلته :
(( والصــــدق يعقــد فوق رأ س حليفه للبر تاجا
والصـــــدق يـــثــــقــب زنــــده فى كل ناحية سراجا )) (34)
وكيف يتسنى لنا أن نرميه بالنفاق وهو يكشف من تلقاء نفسه عن تناقضه وتذبذبه :
(( تزاهدت فى الدنيا وانى لراغب أرى رغبتى ممزوجة بزهادتى
وعــودت نفســـى عــادة فلزمتهـــا أراه عظيما أن أفارق عادتى
ارادة مدخـــــول وعقــــل مقصــــر ولو صح لى عقلي لصحت ارادتى )) (35)
الا ان هذه المأساة قد أخذت جذوتها تذوى كلما نقدم به العمر واصبح شعره مجرد جمع لحصاد تلك التجربة وهو حصاد الحكم والمواعظ والعبر التى استخلصها منها . لذلك يحق لنا أن نرجع شعره المأوى الى فترة الانتقال والتحول وان نرجع شعره التعليمى الى فترة متأخرة اهتم فيها باستخراج العبر من المخاض النفسى الذى عاشه . ونحن لا نشك فى أن شعره المأسوى يمثل قمة تجربته وأوج حرارتها فكان أرفع قيمة عاطفية وفنية من سائر أشعاره .
الشعور بالنهاية
وهنالك عامل شخصى آخر قد تدخل فى دفع هذه التجربة نحو التطور وهو تقدم السن وقد ذكر الشاعر نفسه أن سن الخمسين لها وقع فى النفس غير قليل
(( وان امرأ قد سار خمسين حجة الى منهل من ورده لقريب )) (30)
(( كبــــرنا أيهـــا الاتــــــراب حتـــــــى كأنا لم نكن حينا شبابا )) (37)
(( ألا مــــــا للكهـــــول وللتصابى اذا ما اغتر مكتهل تصابى )) (48)
ونحن نلاحظ أن حدة الصراع فى نفس الشاعر قد أخذت تتضاءل واصبحت أكثر رضوخا للامر الواقع . ولئن كان قد قزع مرارا من الشيب الى الخضاب فلقد فهم ان ذلك لا يحدى اذا ما نصل الشعر فراح يرحب بالشيب على انه رسول صلاح وحكمة وعنوان تجربة وخبرة ومضى ينظر الى ماضربه ويعتبر به .
(( ولقـــد رأيتـــك للــزمان مجربا لو كان يحكم رأيك التجريب
ولقد يكلمك الزمان بألسن عربية وأراك لست تجيب
لو كنت تفهم عن زمانك قوله لعراك منه تفجع ونحيب
ولقد حلبت الدهر أشطر دره حقبا وانت مجرب وأريب )) (39)
راح اذن يصفى حسابه مع الماضى وينظر فى سلوكه الاول فيعتريه شعور بالذنب مما اقترفت يداه . وهذا ما يعنيه المنجى الشملى (40) عندما يؤكد أن زهده هو نتيجة قرار عقلى واع وحصيلة تدبر وتفكر واتعاظ ولذلك كان يتهم نفسه بالحمق من أجل تصرفه السابق .
(( فلله عقلى ان عقلى لناقص ولو تم عقلى لاغتنمت حياتى )) (41)
أما حاضر أبى العتاهية فهو ندم على ذلك التفريط والتقصير وخوف من العاقبة واعتراف بالخطيئة وطلب للمغفرة
لهونــــا لعمــــرو اللــــــه حتى تــتابعت ذنوب على آثارهن ذنوب )) (42)
(( استغفر الله من ذنبى ومن سرفى انى وان كنت مستورا لخطاء )) (43)
ويشبه أبو العتاهية فى هذه الناحية أبا نواس وان كان أبو نواس أكثر عمقا فى شعوره بالذنب وأكثر تالما وتندما كما ان أبا العتاهية لا يلح فى حديثه عن الله على صفة الغفران بالحاح شاعر الخمر فالخوف من الله أغلب عنده من رحائه له وهو أمر نرجعه الى حدة شعوره بالمسؤولية بينما تكاد تخفى الرهبة من الفناء عند ابى نواس لانه كان رجلا قلقا من وجوده يروم الخلاص منه . وكثيرا ما تشيع هذه الرهبة فى شعر أبى العتاهية الذى كان تشبثه بالحياة متينا راسخا يدل على انه كان عاشقا لهذه الدنيا منكوبا فى حبها .
الابعاد الذاتية فى هذه التجربة :
لقد اتضح من خلال هذا البحث ان لأبى العتاهية تجربة ذاتية فى ميدان الزهد لا شك فيها وهى نابعة من صميم كيانه وقائمة على عقد دفينة فى نفسه وعلى أساس متين من التجربة الشخصية فى الحياة وقد أضيفت الى هذا التجربة عوامل شخصية تقليدية كتقدم السن . كل هذه العوامل المتشابكة قد ساهمت فى تكوين تجربة زهدية أصيلة تكوينا تدريجيا على صعيدى النفس والعقل معا وأدت الى ابرازها فى أشكال عنيفة من الصراع والنزاع فكانت تجربة غنية خصبة من حيث العوامل التى بعثتها والمراحل التى مرت بها ومتسعة الابعاد متنوعة الاشكال من حيث جوهرها فهى فى البداية تجربة شعورية ونظرية متقطعة اى تنتاب صاحبها كلما سنحت الفرصة واتيحت المناسبة ثم أصبحت بعد ذلك شعورية ونظرية مستمرة فى نطاق أزمة مأسوية متواصلة ثم تطورت بتقدم العمر الى تجربة شعورية وعملية متقطعة لأسباب ذاتية واجتماعية شوشت عليه تجربته ودفعته الى التذبذب ثم صارت بعد ذلك تجربة ذات نصيب من الشعور والتفكير والسلوك . اما فيما يخص نوع الزهد فى هذه التجربة فهو ضرب من الزهد الانسانى الواقعى الذى يطمح الى المثال فلا يدركه ويعانى فى سبيل ادراكه الويلات النفسية والآلام الحادة . وهل يمكن أن نتصور الزهد الا طموحا الى مثال ؟ وأى تجربة فى الزهد كانت مثالية ؟ فهل يدعى الرهبان فى أديرتهم الكمال فى زهدهم أو الانفصال عن طينة البشر ؟ كأن بعض النقاد يريدون هذا من أبى العتاهية ؟ كانما يريدون منه ادعاء الزهد الكامل فى حين ان الانسان عاجز عنه ! وكأنما يريدون منه الادعاء والرياء فى حين كان صادقا معهم كاشفا عن حقيقة نفسه فى عجزها وضعفها الانسانى .

