عندما استقل أحمد شعرانى سيارة الاجرة من بلدة " طبرنا " وكان على يقين بأنه ذاهب الى قريته " عنابيا " بعد غيبة طالت تسع سنوات كاملة قضاها فى البرازيل . ولكن شوقه الجامح لقريته وأهلة بدأ يتلاشى لتحل محله دهشة عمياء ، فقد سارت به السيارة فوق طريق تمتد كالحلم المنعش بين حقول مشرقة الاخضرار ، ومنازل جميلة بيضاء مزروعة هنا وهناك بتوزيع هندسي متقن ، وعندما بلغت به الدهشة حدا يبعث على الشك ، قال للسائق بنبرة يابسة :
- قلت : قرية عنابيا ! - نحن في الطريق اليها ، فاطمئن يا سيدى .
عن أى نوع من الاطمئنان يتحدث هذا السائق ؟ والى أية جنة ، سماوية أو أرضية يمكن أن توصل هذه الطريق الساحرة بأناقتها وروعة مناظرها ؟ إنه يعرف طريق قريته جيدا ، يعرفها شبرا شبرا ، ويذكر كيف كان السائقون يهربون بسياراتهم من حفرها العميقة مفضلين السير فى أطراف الحقول المجاورة حرصا على العجلات وتجنبا للارتجاجات العنيفة المؤذية ، ويذكر نوافير الغبار المنبعثة من عجلات السيارات فى أيام الصحو . ويذكر وحول الشتاء وحوادث الانزلاق المميتة . فكيف له أن يطمئن ؟ لا شك أن فى الامر خطأ ما . زهور من كل لون وكل نوع تكسو حافتى الطريق دون انقطاع ، ومواقف على بضعة كلمترات تشبه منتزهات الملوك في العصور الغابرة ، وأناس أنيقو المظهر ، سيعدو الحركات ، مطمئنو النظرات . وسيارات فارهة
تخطر بدل ذهايا وايابا ، حتى الهواء الذى يتسرب من نوافذ السيارة ويداعب وجهه يبدو ذا نكهة مختلفة تماما . فأين هو بالضبط ؟ وقبل أن يرتفع صوته فوجئ بصوت السائق يقول له : - أرجو ألا تشتد زحمة السيارات بعد قليل . - زحمة سيارات على طريق عنابيا ؟
- نعم يا سيدى ، فمنذ أن أصبح " أوتوستراد السلام " مكتمل الدورة حول البحر الابيض المتوسط بالاضافة إلى تفرعاته فى شتى الاتجاهات ونحو مختلف البلدان أصبحت شهور الصحو لا تطاق من الازدحام فوق جميع طرقاتنا ، لذلك تفكر السلطة المحلية بربط عنابيا وجوارها بمدينة طبرنا ، بواسطة طريق خاصة إما معلقة وإما نفقية ، لان هذه الطريق تضيق بالسيارات الهاربة من زحمة الاوتوستراد وأظن أن العمل قد بدأ فى تخطيط الطريق الخاصة ، ولا يحتاج تنفيذها الى اكثر من شهرين أو ثلاثة أشهر ..
الثرثرة صفة قديمة تلازم الحلاقين وسائقى سيارات الاجرة والنساء ، ولكن الثرثرة غالبا ما تتحول الى نوع من الهذيان غير الخاضع لعقل أو لمنطق ، لان الرغبة فى ان يقول المرء كل شئ تنتهى به فى الغالب ألا يقول شيئا على الاطلاق . ولكن بعيدا عن ثرثرة هذا السائق ، فهل هو حقا فى بلده الذي غادره ، وسط ظروف بالغة السوء ، قبل تسع سنوات ؟ أم أن الطائرة التى استقلها من برازيليا اتجهت به نحو عالم آخر دون انتباه منه ؟ لماذا لا يصارح السائق بطبيعة شكوكه ؟ ومرة ثانية فوجئ بالسائق يقول له :
- حضرتك سائح ؟ أم في زيارة خاصة الى عنابيا ؟
" سائح ؟ ! " وفي عنابيا ؟ عم يتحدث هذا المهذار ؟ لو كان للبؤس بطاقة هوية لما حملت سوى الخاتم الرسمي لمختار عنابيا ، فسياحة الصيف فيها تقتصر على الافاعي السامة والبرغش والجرب وشتى أمراض العيون ، أما رجال الدرك وموظفو الأمن العام وجلاوزة شركة التبغ الاحتكارية فهم سواح كل الاوقات ، خلال الصيف وخلال الشتاء ، تحيتهم شتييمة ، ومشيتهم شموخ واحتقار ، وكلامهم تهديد ووعيد . " لا سائح في عنابيا ! " شر الفكاهة ما يبكى . كانت الامهات تداوين الرمد فى عيون أطفالهن بقطرات من بولهن المقدس ، وكان المريض يموت قبل أن يصل الى الطبيب أو يصل الطبيب اليه ، وكان شعار نديم رضوان ناظر مدرسة القرية مستمدا من فلسفة وجودية
" عنابية " بحتة : " كل شئ باطل شكلا ومضمونا الوطن والضمير والعلم والجهل والهزيمة والنصر والايمان والكفر والعار والشرف .. الجدير بالاهتمام فقط هو أن يستمر المرء سكران حتى الانطفاء ، وأن يتناول كل أنثى تتاح له سواء كانت أنثى حيوان أو أنثى إنسان ، وأن يصل الراتب فى موعده من آخر كل شهر ، وسيان بعد ذلك خراب الكون أو عمرانه ".
قال أحمد شمراني للسائق وهو يكبح شعورا فى نفسه يشبه الغيظ : - بل أنا من عنابيا نفسها. فالقى السائق نظرة عاجلة الى الوراء وهو يقول متعجبا : - من بلدة عنابيا ؟ - نعم ، من قرية عنابيا . - ومتى غادرت البلدة ؟ - منذ تسع سنوات . - وكيف لا اعرفك ؟ - لأنك لست من عنابيا.
- ولكنى أعمل وأعيش فيها منذ حوالى اثنتى عشرة سنة . - غير معقول . - بل هو الواقع يا سيدى ..عفوا ، ما هو اسم حضرتك ؟ تباطأ أحمد شمرانى بالاجابة برهة قصيرة ثم قال : - " أمادو شمار " - اسم غريب لم أسمع بمثله فى عنابيا . - وهل تعرف جميع أبناء عنابيا ؟ - بالطبع ، اثنتا عشرة سنة ليست بالمدة القصيرة . - إذن تعرف على شمرانى مختار عنابيا .
- السيد على شمرانى هو رئيس البلدية منذ ما يقارب العشر سنوات ، وهو معروف من الجميع بفضل سهره الدائم على تطوير البلدة وتوفير الراحة لسكانها ، وقد أصبحت عنابيا بفضل ما حققه من مشاريع عمرانية وثقافية واجتماعية ، مفخرة المنطقة بأسرها . كما أعرف زوجته السيدة خديجة منذ قيامها بادارة معهد " الزهور " وحتى تقاعدها قبل سنتين .
عندما تتحول الثرثرة الى هذه الدرجة من السخرية تصبح مؤذية . عن أية أناس يتحدث السائق ؟ فعلى الشمرانى هو أبوه ، والسيدة خديجة امه . وكان أبوه يدعو زوجته بأم البنات استخفافا بها بعد أن ولدت ست بنات جئن تباعا إثر مولده هو ، أحمد شمرانى ، فى البدء ، هذا بالاضافة إلى عدد من الاجنة أسقط في الاسابيع الاولى من الحمل خوفا من تزايد عدد الاناث فى المنزل . وقد راودت أباه الرغبة فى الزواج ثانية أملا بانجاب الذكور ، فهدده بالقتل اذا أحضر زوجة ثانية إلى المنزل . وكانت أمه " السيدة " خديجة و " مديرة معهد الزهور " امرأة أمية بائسة لا تعرف من الحياة سوى إنجاب الاولاد والعمل في زراعة التبغ والانصياع الذليل لطلبات زوجها . فلماذا يلجأ السائق الى السخرية الجارحة في حديثه ؟ وما هى المشاريع العمرانية والثقافية والاجتماعية التى حققها أبوه فى قرية عنابيا ؟
- وكيف حال الشيخ أمين الصافى ؟ هل هو امام القرية دائما ؟ - الشيخ أمين ، أقصد الاستاذ أمين الصافى فى أحسن حال ولا يزال مرشد البلدة ومستشار المجلس البلدى فى الشؤون الاجتماعية ، وهو اليوم من أقطاب الاصلاح الديني ، وصاحب الدراسات المهمة على هذا الصعيد ، وبمساعيه أنشئت الدار العصرية للعجزة ، وألغيت دار الايتام بعد أن أدخل صغارها الى معهد الزهور حيث تتوفر لهم العناية العاطفية والتربوية شأن سائر صغار البلدة العاديين . كما أعرف زوجته السيدة فاطمة التى حلت مكان السيدة خديجة شمرانى فى الاشراف على معهد الزهور .
- ولكن الشيخ أمين كان قد طلق زوجته فاطمة بعد مرور سنة واحدة على زواجهما بسبب خلافهما المستمر ، وتزوج الشيخ بعد ذلك بامرأتين تباعا ..
- عمن تتكلم يا سيدى ؟ طلاق .. زوجتان .. كأني بك تتحدث عن فصول حكاية شعبية قديمة تركت بصماتها فى مخيلتك . إنك تسئ إلى الاستاذ أمين والى السيدة زوجته إساءة كبيرة .
- لم أقصد الاساءة ، يبدو أن هناك تطورات مهمة جدا قد طرأت على قرية عنابيا . ولا شك بأنك قد تعرفت بالمرحوم حميد المغربى مزارع التبغ ، قب مصرعه فى طبرنا .
- عفوا يا سيدى . أنت على خطأ ، السيد حميد المغربي ما زال حيا . وطيلة إقامتي في البلدة لم يحدث شئ مما تتكلم عنه ، ولا أذكر أن أحدا من
المواطنين قد انتقص حقه على نحو أو آخر . ومن ينتقص حق من ؟ الناس سواسية كشتلات التبغ ، بل لا وجود للجند إطلاقا ، لان المجتمعات البشرية لم تعد بحاجة الى هذه الظاهرة الطفيلية التى كانت من الاسباب الاساسية لانهيار المجتمعات القديمة وزوالها . حميد المغربي حى يا سيدى وهو أب لستة أبناء ذكورا وإناثا . ويوم أمس بالذات نقلت ابنته وفاء زوجة السيد عزيز الفهد مدير المدرسة الثانوية الى مدينة طبرنا ثم عدت بها مساء .
- مهلا ، يبدو أنك أنت المخطئ ، فأنا على يقين تام بأن وفاء ابنة حميد المغربي قد قتلت نفسها حرقا بالنار ليلة عرسها لان عريسها اكتشف بأنها لم تكن عذراء ، وبعد سبعة شهور أو ثمانية قتل والدها حميد المغربى برصاص الجند كما ذكرت قبل قليل ، وقد شاركت بنفسي فى دفنه ، وتزوجت ابنته الثانية وفاء من أحد معلمي المدرسة المدعو جميل كنعان والذى استشهد بعد شهور قليلة من زواجه مع نفر من أبناء القرية والقرى المجاورة في معركة كبيرة وقعت اثناء اعتداء خارجى ، وأن الشيخ أمين الصافى رجل ..
ولم يستطع أحمد شمرانى الاستمرار فى سرد ذكرياته ، فقد التفت اليه السائق ورمقه بنظرة غريبة عقلت لسانه ، فتوقف عن الكلام وهو يراقب رأس السائق الذى استمر يهتز استهجانا كرقاص ساعة قديمة ، فيما بدأت زحمة السيارات تشتد على الطريق مما جعل السير بطيئا كمسيرة موكب جنائزى . وساد داخل السيارة صمت ثقيل مشبع بالرهبة .
ومع توالى المناظر الجميلة المدهشة على جانبى الطريق ، كانت الحيرة الممزوجة بالخوف تزداد وطأة على نفسه . ولو لا تردد الاسماء التى يعرف أصحابها ، على لسان هذا السائق الغريب لظن نفسه فى ظلمة كابوس رهيب . حاول جاهدا أن يستعيد بعض صفاء ذهنه ، فأغمض عينيه نصف إغماضة مسندا رأسه الى حافة المقعد : لقد قرر قبل تسع سنوات مغادرة قريته وسط ظروف بالغة السوء ، فبالاضافة الى الاعتداءات الاسرائيلية المتكررة على القرية ، وسوء الظروف المعيشية ، عرف سكان القرية بأنه كان السبب فى انتحار وفاء المغربى بعد أن غدر بها وتخلى عنها مما حمل أباه على التبرؤ منه وعلى طرده من المنزل لاعنا الساعة التى رزق فيها بمولود ذكر فتدبر أمره وغادر القرية الى البرازيل حيث أحد أقرباء والده منذ زمن طويل ، ولكنه لم يجد فى العاصمة البرازيلية أثرا لذلك القريب . وبعد فترة تشرد طويلة تمكن من الحصول على عمل فتحسنت احواله ، ثم حصل على الجنسية البرازيلية تحت اسم " أمادو شمار " .
وها هو يعود الى عنابيا بعد غيبة تسع سنوات كاملة . إن ما يراه حوالىه وما يسمعه عن سكان القرية يشبهان القصص الخيالية التى تعرضها أفلام الصور المتحركة . فى الامر خطأ ما . وقطع صوت السائق هيجان الوساوس فى رأسه :
- اذا استمر السير على هذه الحال فان الليل سيدركنا قبل الوصول الى عنابيا . " الليل ! "لم يكن ينقص ظلمة نفسه الا الليل . لا . لن ينتظر الليل . سيفصح لهذا السائق عن حقيقة شخصه وعن اسمه الاصلى ليعرى مزاعمه الاسطورية ويعرى شخصيته المغلفة بالاسرار .
فسأله وقد شعر ببعض الارتياح : - هل تعرف أبناء السيد على الشمرانى ؟ - أعرف بناته الست ، وجميعهن متزوجات .
" جميعهن متزوجات ؟ ! لقد عاد اللعين الى هذره ، كانت شقيقته الصغرى ، أو نهاية المصائب كما كان يقول والده ، فى حدود الثالث من عمرها يوم غادر القرية ، فاذا أضيفت السنوات التسع ، مدة غيابه ، يكون عمرها الآن حوالى الاثنتى عشرة سنة . فكيف يمكن أن تتزوج فى هذه السن ؟ - وابنه البكر أحمد ، أتعرفه ؟
- أعرفه جيدا ، كان شابا وسيما طويل القامة ، وكان شديد الاعتداد بنفسه الى درجة التهور . وذات صباح ، قبل تسع سنوات تقريبا ، عثر على جثته ملقاة فى خارج القرية بين شتلات التبغ ، وقد ذبح المسكين من الوريد الى الوريد .

