قالت خوليا : الوداع قلت : بل إلى اللقاء . لكنها قالت : ليس هنا فى باريس على كل حال . وعندما أقلع القطار من ) جار دى ليون ( متجها نحو الجنوب شعرت بوقع كلماتها . . استعدت في ذاكرتى حديثنا الاخير الليلة الماضية . - أتعرف يا صديقى أننى قررت أن اغادر باريس وان اعود الى مار بيللا ؟ ! - فاجأني قولها فسألتها مندهشا لماذا ؟ - لانني يجب ان اعود ؟ - لماذا يجب ان تعودي ؟ - لقد انهيت الدراسة وحصلت على الدبلوم ويجب ان اعود لخدمة وطني و ٠٠ - وماذا ايضا ؟ - لقد اشتقت الى بلادى . . أهلى . . احبائى . الى مار بيللا وشواطئ الاندلس الذهبية والى شمسنا الرائعة . - وانا . . وحبنا ؟ - انت صديقى وصداقتنا فوق كل اعتبار لكن هناك اكبر من حبنا . - قلت مستغربا ما هو ؟
قالت : الوطن . . الارض . . الاصل . . البيئة التى ولدت وعشت وترعرعت فيها أليس كذلك ؟
- بل . . لكن أنا ايضا لى أهل ووطن . . وو . . فلماذا لم أعد ؟ - هذا هو الفارق بيننا انت حصلت على الدبلوم وفضلت البقاء هنا وانا على العكس . . وليتك تعود فبلادك تحتاج اليك والى ثقافتك وخبرتك ؟ !
تملكنى الاندهاش من كلامها اكاد لا أصدق ما أسمع . . اهذه خوليا ؟ خوليا المغامرة التى جاءت من اسبانيا لتنهى دراستها العليا فجمعت بين اللهو والمغامرة والدراسة وجمع القدر بيني وبينها . . خوليا التى كانت تعيش الحلم الباريسى ولا تنقطع عن الكلام عن اللحظات الممتعة التى نقضيها معا فى غابة بولون وبالكونكورد وفي شقتتى المتواضعة بشارع جورج الخامس
ترى ما سر هذا التحول المفاجئ ؟ قالت : الحب الاكبر يا صديقى ؟ قلت : ماذا تقصدين ؟ قالت : انسيت . قلت لك منذ قليل : الوطن ! الوطن الوطن .
غادرت المحطة متحها بالمترو نحو مقر المجلة وكلماتها تتردد فى ذاكرتى وقد تركت بصمات واضحة عليها جعلتني أحس لاول مرة برغبة ملحة في البكاء . . لقد تذكرت بصورة مذهلة . . الاهل ، الوطن ، الاصدقاء . . تذكرت فاطمة ابنة عمى التى قالت لى فى آخر زيارة : انت انتهيت من يذهب الى باريس انتهى
.شارع ايينا " غطته الثلوج المتساقطة بغزارة منذ الامس دون توقف قوس النصر ارتدى أقنعة بيضاء ذكرتني بحبل زكار العتيد . كم هي مرة الغربة ؟ ! ان خوليا على حق ! انها على حق
قبل ان ادخل المكتب توقفت سيارة أحمد بالقرب منى . . دعانى للذهاب معه لحظة الى مقهي الكونكورد ثم نعود . . لا أدرى لماذا وجدت نفسي اركب معه دون اعتراض او اعتذار ربما لان أحمد هو الصحافى العربى الوحيد الذى لا تختلف مواقفه عن مواقفى وتنسجم افكاره مع أفكارى وربما لانني احسست فى تلك اللحظة بالذات برغبة ملحة فى الكلام فكل مخزوناتى المتراكمة فى دواخلى تفجرت ولم أعد قادرا على الاحتمال
لاحظ أحمد شرودى فقال متسائلا : شو بيك حامل هموم الدنيا على ظهرك . . ليش هل كشره ع ها الصبح ؟
- قلت : ما يحس بالجمر غير اللى عافس عليه ؟ ضحك . . شو صاير بتقول شعر شعبي . . مالك شو جري لعقلك ؟ ! - أبدا انما انا قررت ؟ - شو قررت ؟ - قررت العودة الى الوطن - متى ولماذا اتخذت هذا القرار ؟ - الآن . . كان على ان اعود من زمان يا صديقى - لكن لماذا الآن بالذات ؟
- لانني اكتشفت خطأ اختيارى للبقاء هنا وعدم الرجوع لخدمة وطني فلم أساهم لا فى بنائه ولا فى خدمة نفسى بل العكس اخترت المشاركة بصورة غير مباشرة فى الاساءة اليه ؟
- كيف ؟ شو عم بتقول يا زلمة ؟
تسألنى كيف ؟ انظر حولك جيدا . . هل نحن احرار فيما نكتب ؟ السنا نكتب بالطلب وحسب اوامر رؤساء التحرير . . ثم الم تلاحظ ان صحفنا ومجلاتنا العربية الصادرة هنا فى باريس أو لندن لا تمثل العرب ولا العربية بشىء بل هى نوافذ أوربية على العالم العربى وان تعاملها مع دولنا وحكوماتنا يقوم على مبدأ من يدفع اكثر لا على أساس الاخلاق والمبادئ . . تأمل جيدا نوعية المقالات والاخبار التى تنشرها عن بلداننا ثم كم عدد المقالات التى تنشرها عن مغربنا ) العربى وما نوعيتها ؟ اليس ما نكتبه اساءة مباشرة منا لوطننا وخيانة له وكيف لا وصحفنا هذه تتعامل مع بلداننا وكأنها بقرة حلوب فلا تكتب عنها الا بالمناسبة واذا تلقت دعوة او عندما تحاول الحصول علي اصدار ملحق خاص مدفوع الثمن . . واذا حدث العكس فهي اما ان تتجاهل اخبارها أو تأخذ موقفا عدائيا ومع الذى يدفع . .
- قاطعني مندهشا . . شو . . ها . . الكلام يا زلمة . . هذا خطير . ثم ؟
- ثم ماذا ؟
- خذ أية صحيفة صدرت هذا الاسبوع وبين لى نوعية الاخبار التى كتبتها عن دولنا العربية عامة ومغربنا العربي على الاخص
- لكن لماذا هذا التحامل . . أنت تعرف ان هذه الصحافة تتعامل مع الحدث والاثارة والاعلان ؟ وهذا حقها ؟
- هذا صحيح لكن هناك حد ادنى عليها ايضا ان تلتزم به ما دامت تباع فى اسواقنا وتحظى برعاية وتقدير وهو احترام شعور القارىء والمساهمة في نوعيته لا فى تغريبه وتهجينه بهذه الموضوعات الجنسية المثيرة وفضائح الاثرياء وقضايا بنات مدام كلود وغيرها من مختلف الاخبار المفتعلة والزائفة والمواقف المتناقضة ؟
- أمرك عجيب والله ؟ . - ابدا يا احمد . . هذه هي الحقيقة . . انا لا استطيع بعد اليوم ان اواصل هذه اللعبة القذرة . . بلادى بحاجة الى ومكاني هناك في وطني بين أهلى وعشيرتى - هل أنت مصمم ؟ - بالتأكيد ؟ - وخوليا ومارى روز و . . و ٢٠٠ ؟ - كل شئ انتهى . . الآن ادركت . . ؟ - ادركت ماذا ؟ - لا شئ يعدل الوطن . . وان بسمة أتمسى وانصبح بها من فم أمي ووجهها البشوش تساوى عندى باريس ولندن بل العالم كله - ابتسم . . معك حق . . معك حق . . وغادرنا الكون نحوا عندما دخلت مكتب بالمجلة جاءنى رئيس التحرير على غير عادته قائلا
- عندى لك مهمة عاجلة ؟ - الى أين ؟ - الى بلادك - لماذا ؟
- لاجراء مقابلة مع . . لقد خرج من السجن وصدر العفو عنه وعليك ان تحقق لنا سبقا صحفيا عالميا .
ضحكت وانا انظر اليه باستصغار لاول مرة رأيته بحجم يثير الضحك ودفعت اليه ورقة الاستقالة . . وشعرت بفرحة غامرة وانا أغادر باريس وصورة الثلج الذي يغطيها ترعش جسدى وقد ازدادت فرحتى عندما هبطت الطائرة فى البيضاء وقد لسعتني شمس ديسمبر الهادئة والساخنة فى ذلك اليوم . . وعندما التحقت بمنصبي الجديد فى الصحيفة الوطنية كان ان كتبت أول موضوع بعنوان كبير " لا شئ يعدل الوطن . . لا شئ يعدل الوطن "

