- إذن لا أمل فى الدفن ؟ - لا شغور هذه الايام . المقبرة مزدحمة . تغص بمن فيها .. - كفنى تعفن على .. بدأ ينخر جسدى ويصهر أعضائى . وتابوتى هد كتفى .. - لا بد من التعود عليه . كفن جميل رائق على جسمك . غير انه ينقصه .. - أعرف . لا بد من شئ ينقصه . وجودى كله ينقصه دوما شئ ما .. - الحياة التى لا ينقصها أى شئ يهجرها الطموح ويفر منها الامل - الطموح ألم . والأمل حسرة وندم . والحياة بحر اشجان وبؤس . السعيد من عرف كيف ينجو بنفسه من إعصاره وزوابعه .
- بل السعيد من خاض غمار أمواجه وعاد دون أن ينهك جسمه بعباب شقائه المتلاطم ..
- سخف وعبث . الكفن يكتم أنفاسى . يعتصر خطاى ، يفتت بقايا جسدى المتآكل ..
- المقبرة مزدحمة . لا مكان لأحد . حفنة تراب بمائة نفس . شبر أرض بألف روح ..
- انه ثمن باهظ ..
- هراء .. الروح أرخص من بصقة كلب . والانسان غدا أتفه من نطفة غبار فوق جناحى ذبابة ميتة .. ثم جثتك جد متعفنة غير صالحة للدفن .
- إذن لا بد من العودة .. لا فرار من جحيم الحياة ..
- ما الانسان الا حطب خلق ليحرق فى جحيم الحياة ..
عدت عبر الشوارع المتربة اغوص فى برك الماء الآسن يمتص جسمى كفنى المتعفن ، أنازع وخزات ألم مكبوت ينغرز فى صدرى الموجع كابر مسمومة تحاول أن تجهضنى . وأنا أسير .. أسير .. أبحث عن منفاى وسط البكاء والعويل . والطريق أمامى مظلم حزين يزحف كمارد أسود رهيب دامى الاطراف .
أمام أنقاض بيت متهالك ، جلست إمرأة حسناء ممزقة الثياب ، مجروحة الخدين ، دامعة العينين ، تندب بحرقة .
- ويلاه جفل حمارى . كره صحبتى . ومل دفء حجرتى . منذ أشهر لم نشأ أن يضاجعنى . وهبته عمرى . أحببته دون الخلق جميعا أخذته منى بغلة عجوز عرجاء غدا يسامرها كل مساء . إنه الوباء يحل بى ، إنه الوباء .
- رفض الخبار أن يدفننى . المقبرة مزدحمة .. لا شفور أبدا . كتفاى تترنحان تحت ثقل تابوتى . لم يعد لى سقف . ظلت طريق الحياة . نبذنى الالاه . شئ ما دوما ينقصنى ..
- كان صدى حوافره أعذب لحن يطن فى أذنى . وكان صدره منبع دفء أتدثر بحرارته من صقيع الوجود المدمر ..
- كفنى يضيق على .. يكتم أنفاسى . القبار وحش ولئم .. والوجود جحيم حطبه أجزائى المهترئة ..
رفعت عينيها . نظرت الى برعب : كتمت شهقة . سقطت أرضا تتمرغ فى التراب الممزوج بالبول والوحل . عاد المارد يزحف أمامى يزرع طريقى أشواكا وظلالا . الموتى الاحياء وتابوتى وكفنى والشارع الحزين أسير بغربتى أصطاد الاوهام ، وأعلك الآلام . ومضات جنون ويأس تجتاحنى ، تتصارع مع أطياف ضياعى وحمقى .
- العذاب هو الطريق الى الفناء .. والموت هو الجدار الوحيد الواقى من آلام الوجود وإعصار الحياة .. أبحث عن حفنة تراب ، عن رقعة أرض ، لكننى لا أجد إلا الغثيان يخنق نفسى ويغرق أشلائى فى بركة من القئ المتعفن ..
من يوم أن تدحرجت من رحم أمى وأنا أتسول باكية وفمى مفتوح يبحث عن شئ يلتهمه . والجوع دوما ينهشنى والظمأ يدمرنى . رفضت لبن أمى . كان
نهداها ينزفان دما صدئا أنكره فمى . بصقته وأنا أصرخ . أصبحت كلما إغتالنى الجوع أصرخ .. وكلما هدنى الظمأ أنبح . وأنبح عاليا . لا مكان تحت الشمس .. لا شغور تحت الارض . غريب أن تكون حفنه تراب أالف روح . وعجيب أن تتساوى النفس ببصقة كلب !!!
أمام مسجد الحى المتداعى جلس شيخ يكلله الوقار ، يسبح ناعقا داعيا الواحد القهار . نظر إلى مرتعبا . بسمل وحوقل . بصق أرضا . وعاد يسبح بخشوع وإكبار .
- سيدى لفظتنى الحياة . نبذنى الالاه . فقدت كيانى . فى مدينه الصراع بحى الضياع كان لى بيت تهدم ليلقى بى فى فجاج العناء .. سعل . زفر . نظر إلى من خلال عينين متآكلتين . ثم عاد يسبح .
- طال الزمان . وفقد الرجاء . الموت أمنية عسيرة . والحياة يأس مرير ووباء .
- كفنى يعذينى . التعفن يأكلنى . المقابر مكتظة . المنازل زاخرة بالهوام الآدمية . الاطفال يزحفون كالديدان . الرجال يتكاثرون كالجرذان . والنساء يتناسلن كالذباب ...
الهوام البشرية تسمم الهواء . لامكان تحت الشمس . لا شغور تحت الأرض الافق يزداد ضيقا .. يلفظ من فيه . يتقيأ ما فيه .. الوجود غابة استغلال يرتع فيها الغزاة .. الايام جواد جامح الجشع يمتطيه لصوص الحياة .
- سيدى فقدت نفسى . أنكرنى الموت . لفظتنى الحياة ...
- كتب الضياع لأهل الضياع . الوداع أيها السراب الجميل . الوداع ..
الهوام البشرية ما تزال تتسلق ظهر المارد الاسود ، وأنا أترنح معها بهيكلى المتعفن يمزقنى فقرى . يخنقنى كفنى . وقد فقدت نفسى أضعت رأسى بين منعرجات شجنى وبؤسى . أجوب الطرق الخربة أبحث عن شخص خلف سحابات الاسى . أفتش عن رأسى تحت أكداس الضنى . أسأل عن بيتنا بحى الضياع ، فى مدينة الصراع ، غير أنى ضللت الطريق . فأبقى بين العلب الصدئة أعوى ككلب مسعور لفحه الهجير ولا اقدر حتى أن أنبح عاليا . أوعية صدئة مختلفة الالوان والاشكال . علب قذرة مغلقة نعتت بأجساد بشرية تتبعثر فى كل مكان . تتدحرج على وجه الثرى كطيف دخان كريه
الرائحة ، نتن . يغوص فى بئر من القذارة ، يسبح نحو لا شئ . جهاد يومى من أجل لقمة العيش . وصراع مقيت لاجل حفنة تراب . حفنة تراب اغلى من ألف نفس . بينما الروح أرخص من بصفة كلب !!
لماذا لا أدفن الجثث المتعفنة ، خلقت ليأويها التراب ؟
- أنت سراب . والسراب لا يدفن . ولا يفنى . هو فكرة حائرة بين الوهر والحقيقة . هائمة بين الواقع والخيال . ضائعة بين الممكن والمحال ...
وجه السماء يتشنج . يسود . ينبئ بهبوب عاصفة هوجاء . صدر الارض يتشقق . يتنفس بعناء وقرف . الغثيان يعتصر مهجنة الكون . المدينة تجتر حزنها . تبصقه قميئا داكنا مرا . الناس يتزاحمون . يعتصرون كيان المارد المتصلب . ينبع رذاذا ملتها . نهر من اليأس الزاحف أطفو على صفحة مياهه العكرة . أنزلق . يصفعنى رذاذ الامطار الملتهبة المتساقطة من أعين السماء الدامية .
التشرد يجذبنى . يطوقنى . أمتطيه كما أمتطى حمارا متوحشا وثقل تابوتى لا يزاح عن كتفى المتآكلتين . كفنى يزداد ضيقا . تمزقه محاولاتى الفاشلة للانعتاق .
مكان رأسى المفقود يؤلمنى . تجمد الدم فى خلاياه المقطوعة بدأت الديدان غزو . هضباته الموجعة . كل قطرة دم سقطت على جلد الثرى ، إنبثقت أشواكا حادة بدأت . تستطيل . تنمو وتنمو لتنغرز فى أجسام الهوام البشرية المتسكعة فوق بطن المارد المتصلب . بغباء . تنغرز فى تلك العلب الصدئه . تنقش على صفحتها التى نبشها الجذام ، ونخرها الذباب ، آيات القحط والتعاسة الابدية .
قيل مذ دخلت الكون فقدت رأسى . نسيته فى ظلمات أرحام أمى . حاولت ان أعود القهقرى . أجوب الدهاليز المغلقة .. وأختطف رأسى . غير أن الطريق ملغم . مسدود . وقد نقش على العلبة التى تحملها رجلاى ، أن أظل بلا رأس أبد الدهر ، أسائل حفنة تراب . ولا مكان تحت الشمس ولا شغور تحت الارض ..
كفنى بأكلنى . الغثيان يخنقنى . وشئ دوما ينقصنى !! شىء دوما ينقصنى !!

