يركضون ركضا ليقولوا فيما هم يجهلونه
عبر بعض الكتاب ، والادباء ، وخاصة ناشئة الجيل ، أى ناشئة الكتابة والادب . . فى كثير من المناسبات ، انه يلمح أحيانا فى شعر بعض الشعراء وكذا فى كتابات بعض الادباء والكتاب سحابة دكناء من الغموض ! وليس بخاف علينا ما كان يتهم به فقيد العروبة ، كاتب الشرق الجبار ، المرحوم عباس محمود العقاد ، فلقد زعم بعضهم ، ان أدب العقاد معقد الى حد بعيد ، وانه من الصعب أن يفهم كل انسان ما يكتبه ويعنيه العقاد . .
ويقينى ، أن ما استعصى على هذا البعض ، حتى رمى بعض الكتاب والادباء والشعراء بالغموض ، ليس غموضا فى حقيقته . . ولكنه غموض بالنسبة لهذا البعض ، لانه لا يملك مفاتيحه ، وتعوزه القدرة العلمية أو الادبية التى دونتها كتب الادب ، موضوعات الذكاء لحل ما استعصى عليه ليفهمه . . ومنذ قديم الزمن ، وفى كثير من المناسبات الادبية التى دونها كتب الادب ، موضوعات وروايات تفسر لنا مثل هذا الاتجاه الحديث أو تدور في معناه عند البحث والمناظرة .
الادب نفسه تراث يستمد الانسان وجوده وحياته وفكره من تراث الانسانية ، فالانسان بكيانه كله امتداد تاريخي لكل من سبقه ، قولة قالها الدكتور محمد صبرى المؤرخ المعروف ، اسلفتها لما أريد قوله : وهو ، ان الادب نفسه ، أساسه تراث تنبثق منه الاعمال الادبية الآخذة منه على سبيل التطور والتوالد والامتداد
ولعله اذا لم يكن هيجل ، ما كان ماركس ، واذا لم تكن اسطورة سيزيف ، ما تشكلت
وجودية كامو على شكلها الماثل الآن . . واذا انقطعت صلتنا بالشعر الجاهلى ، جرى الشعر اليوم على غير ما نراه عليه ، ولولا الخليل ، لتخبط نظم الشعر تخبطا قد لا يبلغ معه ما بلغه فى حاضره . .
اذن الادب بأنواعه ، أخذ وعطاء ، وتلاقى أفكار بأفكار ، وتوالد شرارات منبعثة من شعلة الى شعلة حديثة ، لها لونها وجدتها ، مع تغير الحياة وتبدلها . . فلا عجب والحالة هذه اذا أخذ الشعر من الغرب فنونه ونقده واتجاهاته ومذاهبه الكثيرة المائجة ، إذا أخذ منه الكلاسية والرومانسية والرمزية ولسنا بحاجة الى الكلاسيكية والرومانسية ، فقد ذهب هذان المذهبان الى غير رجعة مع زوال جيل مضى بقى منه القليل ، أما الرمزية والسريالية فقد صارتا رافدين يغترف منهما الشعر الحديث ايحاءاته وصوره وان لم يبق فى حدودهما المنصرفة عن الواقع سحابة من الغموض الشفيف تجمع اطراف هذا الشعر الحديث ، وقد تظلم وتعتم عند بعض الشعراء وتشف عند الآخرين
العموم حاجه العصر ! والغموض فى ذاته ، ليس غموضا جاهلا متعمدا مقصورا لذاته ، بل انه حاجة من حاجات العصر ، فلقد تشابكت الحياة وتعقدت ، وغمضت غموض سبلها ودروبها ومذاهبها ، فلا يجتاز منها المرء دربا الا ويجابه بآخر وعورة وغموضا ، فلا بد اذن ان تستقر انطباعاتها فى شعوره ، ولا بد ان تتحول الى شعوره فتتصور فى عالمه الفسيح ، معان ذات صور غير عادية ، لانها نابعة من اللاوعى ، متخذة غرابته وغموضه غير المقصود ، فاذا هبط الانفعال وهو لحظة يتخدر فيها الوعى ، بدأت الصور بالتزاحم على الورق ، مسوقة بعصا الوعى الى المجال الادبى الفنى ! . . . هنا تتلاقى الكلمات بالاخرى ، والصور باخواتها ذات التشبيهات التى قيل انها غامضة ، وهي مع ذلك ، لن تفقد العلاقات القائمة بينها فى الكلمات ذات الصلات الخطية والتشبيهات التى تبدو متنافرة فى الظاهر ، وملتقية فيما وراء ظاهرها . . أما مفتاحنا لهذا الاغلاق ، فبسيط ، وهو ما توجيه الينا الصور ، وهى حتما ، ذات علاقات ، والا كان العمل الادبى عبثا من العبث ، أو تمتمة لا طائل تحتها . وهنا يحق لى ان اورد قول الدكتور مصطفى سويفى : " عندما يحدث التغير النفسى العنيف ويفقد الشاعر شعوره ومميزات ذاتيته ، تتغير طريقة ادراكه للأشياء المحيطة به ، فتفقد هذه الأشياء ، كثيرا من خصائصها ، وتفقد كثيرا من العلاقات القائمة بينها ، وتصبح متحررة الى حد كبير من القوالب التى اعتدنا ان نراها مصبوبة فيها " ٠٠ الى ان يقول : " فالشاعر يعيد تركيب الأشياء والعناصر فى علاقات جديدة تضفى عليها معانى ووظائف جديدة ، وهنا تظهر الاستعارات والتشبيهات الادبية المبتكرة "
من هو الشاعر ؟ على أن الشاعر ، ليس من يرص كلاما مباشرا سطحيا باردا ، ومع ذلك ، هو مبدع . . ونحن باسم الوضوح العقلي الذي ليس له مجال الا فى نثر نريد أن نطمس اشراقة الشعور المعبأة بصور اللاشعور . نحن لا نقرأ شيئا عن اتجاهات الشعر الحديث ومفاهيمه ، ثم نجيء نبشر بمذهبنا الوضوحى مع قصور الخيال وهذرمته ، وغفلة الذهن وسطحيه ؟ ! . . نحن نتهجم بسوقية الفهم وخمالة الرأى ! . . نحن ندفع الآخرين بالجهل ، بينما يعشش الجهل فى رؤوسنا نحن الناشئين ، لا قديم من الشعر بلغنا ، ولا جديد سمقنا اليه ؟ ! . . ينال احدنا درجة علمية لم يقطع شوطها : ولم يبلغ نهايتها ، ثم يتهجم على من نالوا المعرفة بالكد والسهر ، ويبخل بثمرة جهدهم ، ويتنكر عليهم
مندور والجاحظ ان لغة الشعر " لغة جديدة فى اللغة " وعالم له خصائصه . . واليكم ما يقوله الدكتور محمد مندور : " من المؤكد ، ان الرمزية يرجع ما فيها من ابهام وغموض فى الادراك أو فى الرؤية الشعرية ، الى فلسفتها التى ترى ان وظيفة الشعر ، هى الايحاء بحالات نفسية مركبة ، لا يسهل دائما تحليلها الى عناصرها الاولية ، بل اننا حتى لو نجحنا فى التحليل ، لن نستطيع بفضله ، نقل العدوى بتلك الحالة النفسية المركبة من نفسنا ، الى نفوس الآخرين وذلك لان كل مركب ، توجد فيه خصائص ناتجة عن التركيب نفسه ، وليست موجود فى العناصر المكونة لهذا المركب . . ولي
هناك وسيلة ناجحة غير وسيلة الايحاء عن طريق الصورة والرمز
ومن غرائب المصادف ، أن الجاحظ ، الكاتب العربى ، يتمشى رأيه مع هذا الرأى ، ولو جاء عن سليقة وطبع . فقد قرىء عليه بيت شعر لابى العتاهبية ، فقال : " لا تقدر على معرفته الا القلوب ، وتعجز عن ترجمته الالسنة " ! . . . انظر كيف تلاءم الرأيان مع تحليل متقص عند الدكتور مندور ، واجمال عبقرى عند الجاحظ !
ان " جحظة " القرن العشرين عندنا - هنا وهناك - فى الوطن العربي الكبير برمته ، يعيشون فيما قبل الجاحظ بسنين متطاولة . . والغموض فى الشعر العربى الحديث ، قريب من الغموض فى شعر هذا الشاعر أو ذاك
ان عالم الروح وعالم اللاشعور ، كلاهما غامض . ولعل الفرق الوحيد بينهما ، أن الايمان بالروح ، ناتج عن الدين ، والانغطاط فى اللاشعور ، نابع من العالم
وخمر ابن الفارض ! فالشاعر الصوفى ، والشاعر الرمزى أيهما يصور عالما لا يقع تحت الرؤية البصرية ؟ . . . فلهذا ، هما مضطران الى الرمز والايحاء والاتيان بالصور التى لا تدرك علاقاتها من أول نظرة ، ٠ . . والا ، أى خمر هذه التى يعنيها ابن الفارض بقوله : " سكرت بها من قبل ان يخلق الكرم " ؟ ! . . وهى ضوء ولا نار . صفاء ولا هواء . واشياء اخرى متنافرة متناقضة ، فانه يرمز كما يرمز شاعر السودان الماسوف على شبابه المرحوم التجانى يوسف بشير ويأتى بالصور الغريبة . . والذين يريدون أن يحللوا هذه الصورة فلن يظفروا بطائل ؟ ! . . يقول التجاني من قصيدة له :
شاخصا ما يزال يعزف ما شاء
على مزهر الندى اشواقه
فالتجانى هنا ، يعطينا جوا مركبا من صور ، هى ليست شيئا بمقرراتها ، ولكنها مجتمعة مركبة ، تستحيل فى داخلنا معنى مدركا ادراكا لا سبيل الى تشريحه وتحليله
انها كيمياء الكلمة ، تكون خلاصتها بوجود عناصرها كاملة غير منقوصة . ولان الشعر ، لغة فى اللغة ولأن لغة الشعر كثيفة ، ولغة النثر شفافة كما يقول " سارتر " فان التعبير فيها ، لا يكون مقصورا على الرمز والصورة ، انما للموسيقى ، وحركة ظلالها اثر فعال فى نقل جو القصيدة الى الادراك الحسى
ونحن لا نقصد بالموسيقى شيئا آخر غير جرس الالفاظ المنغومة ووقعها وبعث اثرها فى النفس . . فان موسيقى محمود على طه ، تعبير عن أجواء راقصة طروب : وموسيقى التجانى تعبير عن ازمات واغوار عمقية ، وموسيقى نزار تلوب بكل فى تيه العصر الحديث ، بكل متناقضاته ، وذلك فى مواقف نزار العديدة من المرأة . . فحينا يتغزل بها ، وآخر يطردها عن عالمه ، وهو ما زال يتنقل من واحدة الى اخرى . . اعنى بذلك ، ان قصيدة أو بيتا منها متلائما مع تجربتها ، يتعرج بالفاظه الى دارة الغموض ، لكنه يفصح بموسيقاه كما تلقى عليه التجربة اضواءها ، فيكون اكثر تجاوبا مع النفس ، واكثر تعاصيا على العقل
ان الغموض الذي يشعر به البعض فى الادبين - القديم والحديث - ليس غموضا فى حقيقته ، لكنه غموض بالنسبة اليهم ، لانهم لا يملكون مفاتيحه ، وليس لهم من المرونة ما يجعلهم متلائمين مع ادراكه والتشكل بعاطفته والاهتزاز له
ان هؤلاء الناشئة ، يريدون تشبيهات
تتلاقى فى سطحيتها مع ثقافتهم المحدودة . . . نحن نشبه الابيض بالابيض من غير جنسه ، والاسود بالاسود من غير عنصره ، أما الابيض الذي يحوز باطنه على سواد ، والاسود الذى ينطوى على بياض ، فاذا جلبت لاحدهما تشبيها مناسبا من غير السطحى ، ذهبوا بكل مذاهب الجهل ، ثم اردفوا بأنك تدارى جهلك بالغموض
ان دعاة الشعر الحديث وخاصة الناشئين فى عالمنا العربى ، يتخبطون فى متاهة لم يتخلصوا منها بعد . . فبينما تراهم - هنا وهناك - يتصايحون بغلبته على الشعر القديم ، الموزون المقفى - تراهم يجهلون أهم مقوماته ، وتغيب عنهم اصوله وينابيعه . . ومع ذلك يركضون ركضا ليقولوا فيما هم يجهلونه .
ان العقم والجدب اللذين ينتابان نفوس الناشئة ، يبدوان فيما يكتبون . ينقدون دون ان يقدموا نقدا ، لا يناقشون الكلمة أو المعنى ، انما ينهالون بمعاولهم وبحجارتهم
على شخص الشاعر أو الكاتب . . انهم لا حصيلة لهم ، خواء . . ففي كل يوم ، لنا ناقد ادبى سواء أكان قصة او شعرا أو بحثا . .
لا نريد بهذا ، ان ادعى باننى من العلماء أو ذوى المعرفة العريضة الاريضة ، لكن يسوءنى ان يتشبث هؤلاء الناشئون ، بما لا يعرفونه ، بل كان هم اكثرهم ان يظهر اسمه فى الصحف ، للشهرة والفخفخة ، ولكى يقال عنه ، انه صحفى أو اديب بمجرد نشر مقالة له تثير الشك نحوه بالنسبة لضحالتها الادبية . .
اننى من صميم قلبي أعطف على الناشئة وقد اخذت بيد الكثير منهم مشجعا وموجها ، الا ان بعضهم يجبرك على ازدرائه عندما تكون غايته فقط الفخفخة والتظاهر بغير حقيقته حتى ولو أساء الى الادب وسمعة الادباء . . بل انى اكره ان يعنيك احد بقوله متدثرا بحروفه ، مختبئا داخل اكمامه ، كدودة قز فاشلة لم تنتج حريرا .

